تكتسب تصريحات الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة في منصة إكس، بشأن العدوان الإيراني على دول الخليج، أهمية خاصة في ضوء التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد التهديدات الأمنية تقتصر على الحروب التقليدية، بل باتت ترتبط بمنظومات صاروخية ومسيرات وتهديدات لأمن الملاحة والطاقة. وبالتالي تعكس تصريحاته إدراكا خليجيا متزايدا بأن السلوك الإيراني لم يعد مجرد تنافس إقليمي، بل تحول إلى مصدر تهديد استراتيجي يؤثر في توازنات القوى، ويدفع نحو إعادة صياغة المفاهيم الأمنية والتحالفات الإقليمية والدولية.

تشير هذه التصريحات إلى تحول مهم في التفكير الاستراتيجي، يتمثل في الاتجاه نحو ترسيخ مفهوم خصوصية الأمن الخليجي بوصفه منظومة أمنية لها طبيعة مختلفة، وذلك نتيجة اختلاف مصادر التهديد وطبيعة التحديات الجيوسياسية مقارنة ببقية الدول العربية. ومن ثم، يمكن فهم تصريحاته ليس فقط باعتبارها تعليقا على حدث عسكري، بل باعتبارها تعبيرا عن توجه استراتيجي أوسع يسعى إلى بناء منظومة أمن خليجية أكثر استقلالا وتكاملا على المدى الطويل.


إعادة تشكيل التهديد في الخليج:

ينطلق فهم طبيعة التهديد الإيراني من تصريح قرقاش بأن "العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج يحمل تداعيات جيوسياسية عميقة". وهو يشير هنا إلى أن الهجمات الإيرانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد عمليات عسكرية محدودة، بل بوصفها جزءا من صراع أوسع على موازين القوى والنفوذ في الشرق الأوسط. فالهجمات لم تستهدف فقط مواقع عسكرية، بل طالت بنى تحتية حيوية ومنشآت مدنية، ما يعكس تحول الصراع من مواجهة تقليدية إلى استهداف شمل أمن الطاقة العالمي واستقرار التجارة الدولية.

ويضعنا حديث قرقاش أمام تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS عن دروس حملة المسيرات الإيرانية في الخليج للباحثة كاترينا بوندار، التي قالت إن استخدام الصواريخ الباليستية والمسيرات يكشف عن تحول مهم في طبيعة التهديدات الأمنية التي لم تعد تتمثل في حرب تقليدية، ولكن حروب استنزاف وتشبع صاروخي ومسيرات منخفضة التكلفة، بهدف إحداث ضغط مستمر على دول الخليج. وهو ما يفرض تحديات استراتيجية، حيث تضطر لاستخدام أنظمة دفاع مكلفة لاعتراض وسائل هجومية رخيصة.

تتلاقى تصريحات قرقاش مع فكرة الارتباط الوثيق بين أمن الخليج والاقتصاد العالمي. فالتصعيد الإيراني والتهديد بإغلاق المضائق واستهداف ناقلات النفط يوسع نطاق الصراع من إقليمي إلى أزمة دولية تؤثر في الأسواق العالمية، وهو ما يفسر وصف قرقاش للتداعيات بأنها جيوسياسية وليست عسكرية فقط، إذ إن أمن الخليج لم يعد مسألة حدود أو نزاعات إقليمية، بل أصبح مرتبطا بأمن العالم كله، وبتوازن القوى في المنطقة.


خصوصية الأمن الخليجي:

يمكن استيعاب مفهوم خصوصية الأمن الخليجي من تصريح قرقاش بأن العدوان الإيراني "يعزز خصوصية أمن الخليج واستقلاليته عن المفاهيم التقليدية للأمن العربي"، وهي عبارة تحمل دلالة استراتيجية عميقة تتعلق باختلاف طبيعة التهديدات التي تواجه دول الخليج مقارنة ببقية الدول العربية. فمفهوم الأمن العربي التقليدي ارتبط تاريخيا بالصراع العربي الإسرائيلي، وبفكرة الأمن القومي العربي الجماعي، بينما تواجه دول الخليج تهديدات مختلفة. ولذلك فإن البيئة الأمنية الخليجية لها طبيعة جيوسياسية واقتصادية خاصة.

إن ما يعنيه الدكتور قرقاش يتمحور هنا حول ميل خاص إلى بناء منظومة أمن تعتمد على التحالفات الدولية والقدرات العسكرية المتقدمة والتكامل الدفاعي بين دول مجلس التعاون، أكثر من اعتمادها على منظومة الدفاع العربي المشترك التي لم تثبت فاعلية كبيرة في إدارة الأزمات الإقليمية. ويؤكد ذلك ما تشير إليه العديد من الدراسات التي أكدت اعتماد الأمن الخليجي بدرجة كبيرة على الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، وهو ما جعل منظومة الأمن أقرب إلى نظام إقليمي مرتبط بتحالفات دولية أكثر منه جزءا من منظومة أمن عربي تقليدية.

بناء على ذلك، يمكن فهم تصريحات قرقاش باعتبارها تعبيرا عن تحول استراتيجي في التفكير الأمني الخليجي، يقوم على الانتقال من المفهوم العربي الشامل إلى مفهوم أمني إقليمي فرعي يقوم على مواجهة التهديدات المشتركة المباشرة بمنظومة ردع خاصة بدول الخليج، مع الحفاظ على الارتباط العام بالأمن القومي العربي، ولكن دون الاعتماد عليه بوصفه الإطار الأساسي للأمن.

التحالفات الدولية ودور الولايات المتحدة:

ذكر قرقاش أن "الصواريخ والمسيرات والخطاب العدواني إيراني. والنتيجة تجاه تعزيز قدراتنا الوطنية والأمن الخليجي المشترك وتوثيق شراكاتنا الأمنية مع واشنطن. هذه كلفة الحسابات الإيرانية الخاطئة". وهي عبارة تدل على أن منظومة الأمن الخليجي لا تقوم على الاعتماد الخارجي فقط، ولا على القدرات الذاتية فقط، بل على مزيج من الاثنين معا. فدول الخليج خلال العقود الماضية أدركت أن التهديدات الإقليمية تتجاوز قدرات كل دولة منفردة، كما تتجاوز في الوقت نفسه قدرة المنظومة الخليجية وحدها، وهو ما جعل التحالف مع واشنطن جزءا من معادلة الردع الخليجية.

لقد أكدت العديد من الدراسات أن أمن الخليج ظل مرتبطا بالمظلة الأمنية الأميركية، ليس فقط بسبب التهديدات الإقليمية، ولكن لأهمية الخليج في التجارة الدولية، وهو ما يجعل أي تهديد لأمنه تهديدا للمصالح الدولية. وهكذا تعكس تصريحات قرقاش تحولا مهما في طبيعة العلاقة الأمنية بين الخليج وواشنطن، حيث لم تعد تقوم على الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية، بل على مفهوم الشراكة الأمنية، أي بناء قدرات عسكرية خليجية متطورة بالتوازي مع استمرار التحالف.


مستقبل منظومة الأمن الخليجي:

يمكن الانطلاق في الحديث عن مستقبل منظومة الأمن الخليجي من تصريح قرقاش الذي جاء فيه "ونحن نواجه العدوان الإيراني الغاشم ونكتشف قوتنا الراسخة على الثبات والصمود، لا يتوقف تفكيرنا عند وقف إطلاق النار، بل يتجه إلى حلول تضمن أمنا مستداما في الخليج العربي، تكبح التهديد النووي والصواريخ والمسيرات وبلطجة المضائق. فلا يعقل أن يتحول العدوان إلى حالة دائمة من التهديد". وهو تصريح يشير إلى تحول مهم في التفكير الاستراتيجي الخليجي من إدارة الأزمات إلى بناء نظام أمني طويل المدى. فالخليج العربي لم يعد ينظر إلى التهديدات الإيرانية باعتبارها أزمات مؤقتة يمكن احتواؤها دبلوماسيا أو عسكريا بشكل محدود، بل باعتبارها تهديدا هيكليا طويل الأمد يتطلب بناء منظومة ردع ودفاع متكاملة تشمل الدفاع الصاروخي والأمن البحري والأمن السيبراني والتكامل الاستخباراتي والعسكري بين دوله. ويؤكد هذه الفكرة ما ذكره تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن IISS حول اتجاه أمن الخليج مستقبلا نحو مزيد من التكامل الدفاعي بين دول مجلس التعاون، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر والأمن البحري بسبب طبيعة التهديدات الحديثة.

كما أن مفهوم "الأمن المستدام" الذي أشار إليه قرقاش يرتبط أيضا بالبعد السياسي والاستراتيجي، وليس العسكري فقط، حيث يتضمن العمل على منع انتشار السلاح النووي في المنطقة، وتأمين الممرات البحرية، وبناء توازن ردع إقليمي يمنع تكرار الهجمات الصاروخية أو تهديد الملاحة أو استهداف منشآت الطاقة. ومن ثم، فإن مستقبل منظومة الأمن الخليجي يتجه على الأرجح نحو نموذج أمني متعدد المستويات يقوم على القدرات العسكرية الخليجية المشتركة، والتحالفات الدولية، وبناء توازن ردع مع إيران، بما يضمن استقرار الخليج على المدى الطويل، وليس فقط إدارة الأزمات الطارئة.


خاتمة:

لم يكن العدوان الإيراني على دول الخليج مجرد تصعيد عسكري عابر، بل شكل نقطة تحول في إدراك دول الخليج ونخبتها لطبيعة التهديدات التي تواجهها، حيث رسخ هذا العدوان قناعة استراتيجية بأن التهديد الإيراني يمثل التهديد الأكثر استمرارية وتأثيرا على أمن المنطقة واستقرارها. ونتيجة لذلك، تسارع الاتجاه نحو إعادة تعريف المفاهيم الأمنية، بحيث لم يعد الأمن الخليجي ينظر إليه باعتباره جزءا من منظومة الأمن العربي التقليدي فقط، بل باعتباره منظومة أمن إقليمي ذات خصوصية، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على التكامل الدفاعي الخليجي وتعزيز القدرات العسكرية الوطنية.

وهكذا، تؤكد المعطيات على أن منظومة الأمن الخليجي في المرحلة المقبلة ستقوم على ثلاث ركائز رئيسية، تتعلق بتعزيز القدرات العسكرية الوطنية، وتطوير منظومة الأمن الخليجي المشترك، والاستمرار في توثيق الشراكات الأمنية والعسكرية مع القوى الدولية المؤثرة، مما يؤدي إلى مزيد من التكامل العسكري والأمني، وترسيخ مفهوم الأمن الخليجي المستقل، بهدف تحقيق ردع استراتيجي طويل الأمد وضمان أمن واستقرار مستدام.