تقديرات
إيران في أزمتها الوجودية.. ضغط داخلي وتهديد أميركي بالتدخل
13-Jan-2026
اعتادت إيران على مواجهة أزمات داخلية
عديدة كانت تنعكس بصفة مستمرة في شكل احتجاجات ذات طابع سياسي أو اجتماعي أو
اقتصادي. وقد حدث ذلك، على سبيل المثال، في أعوام 1999 و2009 و2019 و2022. ورغم
ذلك، فإن الاحتجاجات الحالية التي بدأت في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 وافتتحت
اليوم أسبوعها الثالث، تكتسب خصوصية وتفردية مقارنة بما سبقها من احتجاجات، وذلك
لاعتبارات أربعة رئيسية:
أولها،
أنها الاحتجاجات الأولى التي شاركت فيها طبقة التجار (البازار) المتحالفة تقليدياً
مع النظام وكان لها دور بارز في التطورات السياسية التي شهدتها إيران على مدار
تاريخها وآخرها الثورة التي أطاحت بالشاه رضا بهلوي في عام 1979. وهنا، فإن ذلك
يشير بوضوح إلى عمق الأزمة التي تعصف بإيران حالياً بسبب التداعيات التي فرضتها
العقوبات الأمريكية والتي أضيفت إليها عقوبات دولية منذ 27 سبتمبر/أيلول 2025، والتي
لم تنجح الحكومات المتعاقبة في احتوائها وتقليص حدتها.
وثانيها،
أنها الاحتجاجات الأولى التي أعقبت تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني بفعل الضربات
التي تعرض لها الوكلاء الإقليميون، ثم اندلاع الحرب المباشرة بين إيران وكل من
الولايات المتحدة وإسرائيل على مدار الفترة من 13 إلى 24 يونيو/حزيران 2025، والتي
أنتجت تأثيرات مباشرة على إيران، لا تنحصر في فقدانها عدداً كبيراً من قادتها
العسكريين البارزين في الحرس الثوري والجيش، وإنما تمتد إلى توجيه ضربة قوية
للبرنامج النووي على نحو أدى إلى تجميده تقريباً.
وثالثها،
أنها الاحتجاجات الأولى التي تنخرط فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر،
عبر تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربات عسكرية عقابية في حالة تصاعد
قمع المحتجين (الشرق، 2 يناير/كانون الثاني 2026)، وتقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو دعمه للاحتجاجات (دويتشه فيلا، 11 يناير/كانون الثاني 2026).
ورابعها،
أنها الاحتجاجات الأولى التي بدا فيها أن ثمة محاولة لتوفير "قيادة"
للاحتجاجات، وإن كانت تواجه إشكاليات عديدة، ممثلة في ولى العهد السابق نجل الشاه
رضا بهلوي، الذي رُفِعت صوره بشكل لافت في الاحتجاجات التي شهدتها مدن إيرانية
عديدة والاحتجاجات التي نظمت في عواصم أوروبية وعالمية دعماً لما يجري داخل إيران،
بالتوازي مع ترديد شعارات تدعو إلى عودته للحكم في إيران.
خطوات تصعيدية
على ضوء ما سبق، بدأ النظام الإيراني يتعامل
مع الاحتجاجات على أنها محاولة لتقويض دعائمه عبر مخطط خارجي لإسقاطه. ومن هنا، تغير
الخطاب الرسمي سريعاً من التمييز بين "المطالب المشروعة" للمحتجين
والخاصة برفع مستوى المعيشة وزيادة الأجور وتخفيض الأسعار وبين محاولات
"إثارة الشغب"، إلى اتهام المحتجين بالعمل على نشر الفوضى وعدم
الاستقرار داخل إيران بدعم خارجي. وفي هذا الصدد، اتجه النظام إلى اتخاذ خطوات
تصعيدية رداً على الدعم الأمريكي والإسرائيلي للاحتجاجات. إذ بدأ في تصعيد
المواجهة مع المحتجين، بعد قطع الإنترنت، بالتوازي مع التهديد باستهداف القواعد
الأمريكية في المنطقة في حال اتخذ الرئيس ترامب قراراً بشن ضربات عسكرية داخل
إيران رداً على قمع الاحتجاجات. كما أنه أوعز إلى مناصريه للاحتشاد في الشارع في
12 يناير/كانون الثاني 2026، في محاولة لتأكيد شعبيته على الأرض.
لذا، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد
خلال المرحلة القادمة وذلك لأسباب ثلاثة هى:
الأول،
أن النظام لم يعد يرى أن هناك حلولاً وسط يمكن الوصول إليه مع المحتجين، وبالتالي
بدأ في الاتجاه نحو استخدام القوة في مواجهة المحتجين. بل إن هناك من بات يرجح رغبة
النظام في استدراج الولايات المتحدة لمواجهة عسكرية "محدودة" يمكن أن
تساعد في إعادة حشد الشارع لصالحه على غرار ما حدث بعد انتهاء حرب الإثنى عشر
يوماً، وإن كان ذلك يبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل احتمال اتساع نطاق تلك
المواجهة وتحولها إلى حرب مباشرة يمكن أن تزيد من إضعاف النظام.
والثاني،
أن الخيارات المتاحة أمام حكومة الرئيس مسعود بزشكيان من أجل احتواء "المطالب
المشروعة" للمحتجين ليست متعددة. إذ أن تأثير الدعم النقدي الذي ستقدمه
الحكومة للمواطنين سوف يكون مؤقتاً بل إنه ربما يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، فضلاً
عن أن تقليص انعكاسات الأزمة الاقتصادية يتطلب إجراء إصلاحات جذرية وهو ما لا يبدو
متوافراً لدى تلك الحكومة في ظل معارضة مؤسسات وقوى أخرى نافذة في النظام لهذه
الإصلاحات التي سوف تخصم من مصالحها ونفوذها.
والثالث،
أن الولايات المتحدة لم تحدد، على ما يبدو، حتى هذه اللحظة، الخيار الذي سوف تتبناه
في التعامل مع ما يجري داخل إيران. صحيح أن الرئيس ترامب سارع إلى التدخل لدعم
الاحتجاجات وتوجيه تهديد مباشر بتوجيه ضربات عسكرية داخل إيران في حالة إقدامها
على قمعها، إلا أنه بعد ذلك بدأ في توجيه إشارات بأن المسألة لم تحسم بعد أو بمعنى
أدق بأن الإدارة لم تحدد ردها على ما يحدث داخل إيران.
هنا، ربما يمكن القول إن المتغير الأمريكي
تحديداً سوف يكون له دور في تحديد اتجاهات الأزمة الحالية. إذ لا يمكن استبعاد أن
تكون لدى الولايات المتحدة رغبة في استثمار الأزمة الحالية لممارسة ضغوط على
النظام الإيراني من أجل إجراء مفاوضات جديدة لتسوية الخلافات العالقة بين الطرفين،
ولاسيما البرنامج النووي.
وقد كان لافتاً أن الرئيس ترامب ألمح، في
12 يناير/كانون الثاني 2026 إلى أن إيران تريد التفاوض، وأنه يجري التحضير لاجتماع
مع مسؤولين إيرانيين (فرانس 24، 12 يناير/كانون الثاني 2026)، كما أنه أبدى تحفظاً
على عقد لقاء مع رضا بهلوي على الأقل في المرحلة الحالية (سي إن إن، 9 يناير/كانون
الثاني 2026). وهنا، فإن ذلك معناه أن الأزمة ربما تنتج مفاعيل عكسية وتساهم في
تجديد قنوات التواصل بين الطرفين، على نحو قد يساعد في إجراء مفاوضات جديدة.
من دون شك، فإن قبول طهران بإجراء مفاوضات
جديدة مع واشنطن في هذا التوقيت معناه أنها تسعى إلى دفع الأخيرة للانسحاب من الأزمة
الحالية، على نحو سوف يضعف، في رؤية النظام، من زخم الاحتجاجات تدريجياً، وبالتالي
يمنح الفرصة للنظام، بالتوازي مع الإجراءات الاقتصادية للحكومة، من أجل احتوائها
على غرار ما جرى في الاحتجاجات السابقة.
لكن قبول طهران التفاوض مع واشنطن في هذه
اللحظة فضلاً عن انتهاء المفاوضات المحتملة بصفقة ما زال احتمال يواجه إشكاليات
عديدة، خاصة أن إدراك إيران لموقعها الضعيف حالياً على نحو سوف يضطرها إلى تقديم
تنازلات كبيرة قد يدفعها إلى رفض المفاوضات والإصرار على تحدي الاحتجاجات والدعم
الأمريكي، على نحو قد يدفع واشنطن إلى التدخل عسكرياً بتوجيه ضربات داخل إيران، والتي
قد ترد بدورها عسكرياً أيضاً.
في كل الأحوال، يمكن القول إنه أياً كان
السيناريو الذي سوف تتجه إليه الأزمة الحالية التي فرضتها الاحتجاجات، فإن إيران
تبدو مقبلة على تحول سياسي كبير. فحتى لو لم تنته الأزمة الحالي بإسقاط النظام،
فإن ذلك لا ينفي أن الأخير لن يستطيع التعايش مع الضغوط التي يتعرض لها داخلياً
وخارجياً، دون أن يجري تغييرات رئيسية بارزة على المستويين البنيوي والسياسي. ومن
هنا، كان لافتاً أن دعوات بدأت في الظهور على المستوى الداخلي لتكليف شخصية قيادية
"بونابرتية" (يورونيوز فارسى، 3 يناير/كانون الثاني 2026) بقيادة تلك
التحولات من أجل إنقاذ إيران من مخاطر الفوضى وعدم الاستقرار، وهو المسار الذي قد
يكون مرجحاً في حالة ما إذا استمر الوضع على ما هو عليه.