مقالات تحليلية
مأزق الإخوان بهولندا.. بين التكيف والحظر
21-Apr-2026
في 17-18 مارس 2026، أقرّ البرلمان الهولندي (مجلس النواب) والمنظمات المرتبطة به مقترحاً من حزب جيرت فيلدرز، مستنداً إلى تقرير حكومي فرنسي نُشر في مايو 2025، يحذر من "التسلل السري" للجماعة، وتوغلها من خلال التأثير على المؤسسات العامة والمجتمع الأوروبي.
تقييم هولندا لشبكة الإخوان
استند التصويت البرلماني إلى التقييم الرسمي الذي صدر عن جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي (AIVD) عام 2011، والذي تم تحديثه بعدد النشطاء الفعليين، وتهديد الجماعة للنظام الديمقراطي أو الأمن القومي، وكيف تخلق الجماعة بيئة للانعزالية والتعصب وعدم التسامح، وكيفية عمل التنظيم الحركي بطريقة "غير مرئية"، وتأثيره على المجتمعات المسلمة من الداخل، وبنائه علاقات مع السياسيين والإعلاميين والمؤسسات.
وعندما أجرى جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي تحقيقاته، استنتج أن الإخوان لم يشكلوا تهديداً مباشراً على الأمن القومي في ذلك الوقت، لكنه أشار إلى أن الجماعة في هولندا ربما تشكل خطراً على البلاد في المستقبل القريب، لا سيما في تهيئة أرضية خصبة للإرهاب والتطرف والاستقطاب داخل المجتمع. ومن النقاط التي ركز عليها التقرير -وفق ما ورد في تقرير للمرصد المصري للفكر والدراسات- أن جماعة الإخوان تتغلغل في المجتمع المدني الهولندي لكسب النفوذ والتأثير. وأضاف التقرير: إذا بدأوا أيضاً الانخراط في صناعة القرار السياسي من دون أن يكونوا منفتحين حول هويتهم، وإذا أخفوا مصالحهم ونواياهم، فهذا يمكن أن يؤدي إلى وضع غير مرغوب به.
ونقل المركز الأوروبي للدراسات تحذير مسؤولين استخباريين من أن مشاركة مناصري الإخوان في صنع القرار السياسي بهولندا دون الإفصاح عن النوايا والمصالح من شأنها أن تؤدي إلى وضع غير مرغوب فيه أبداً، وأن الجماعة تعمل بسرية، وتناهض الاندماج، حيث سُمح لهم بتقلد مناصب مهمة. كما أصدرت الحكومة الهولندية في سبتمبر 2019 تقييماً للتهديدات، أكدت فيه أن تنامي تأثير المجموعات الإسلاموية يُعدّ التهديد الأكثر خطورة على الإطلاق في البلاد.
وأكد المركز العربي لدراسات التطرف أن التصويت والتقييم الهولندي اعتمدا كذلك على التقرير الفرنسي الصادر في مايو 2025، والذي أوضح خطة التسلل الإستراتيجية الخفية داخل فرنسا وأوروبا عبر المدارس والحكومات المحلية والجمعيات، بهدف تغيير المجتمع من الداخل، وكذلك على تقارير أوروبية (مثل تقرير التوثيق النمساوي 2021) الذي حذر من إستراتيجية "الدعوة المعتدلة ظاهرياً" التي تهدف إلى تعزيز الأصولية الإسلامية، مما قد يؤدي إلى انقسام مجتمعي أو رفض القيم الديمقراطية العلمانية على المدى البعيد.
وجاء في التقرير الفرنسي أن الجماعة خططت للمستقبل الإخواني في عموم أوروبا من منطلقات عدة، من بينها -وأهمها- المنطلق التاسع الذي يشير إلى البناء المستمر للقوة اللازمة للدعوة الإسلامية، ودعم الحركات الجهادية في العالم الإسلامي بنسب متفاوتة قدر المستطاع، وجمع وتشغيل كل طاقات العاملين لخدمة الدعوة، وتفريغ العدد الكافي من الدعاة والقياديين، وجمع المال، وعمل جسور اتصالات مع الحركات الجهادية في العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية ودعمها في الحدود وبالصورة الممكنة، والتعاون المشترك معها.
ونقل المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل في هولندا -وفق ما ورد في "العربي اللندنية" في 10 يوليو 2014- رابطة المجتمع المسلم التي أسسها في لاهاي يحيى بوياف المغربي الأصل عام 1996. وتضم الرابطة عدة منظمات، منها على وجه الخصوص مؤسسة "اليوروب تراست نيذيرلاند" (ETN)، والمعهد الهولندي للعلوم الإنسانية، وهيئة الإغاثة الإسلامية، ومركز السلام الإسلامي الثقافي، ومركز الوسطية. وفي أمستردام تمتلك الجماعة المسجد الأزرق، والحزب الإسلامي الإقليمي Nida الذي حصل على مقعدين في البرلمان الهولندي، وحزب Denk الذي حقق أربعة مقاعد في أول مشاركة له في الانتخابات.
وأفاد المحلل السياسي الأمني الهولندي رونالد ساندي في 15 مايو 2018 بأن جماعة الإخوان حصلت على أولى المدفوعات المنظمة، بهدف شراء العقارات والمباني في هولندا. وفي عام 2008، قدمت أموالاً أولية لمؤسسة "يوروب ترست نيذرلاند" لتمويل بناء المسجد الأزرق في أمستردام. وأن من أبرز قيادات الإخوان في هولندا: إبراهيم عكاري، أحد مخضرمي الإخوان الهولنديين؛ ومحمد عكاري، السياسي الإخواني المحلي في روتردام، الذي أصبح ناشطاً سياسياً في السياسة اليسارية الهولندية؛ ونور الدين العوالي، عضو مجلس سابق في حزب الأخضر الهولندي، وكان أيضاً المتحدث باسم نشاطات شبكات الإخوان الأوروبية؛ وعلي أزوزي، الذي عمل كمساعد خاص لحفيد مؤسس الإخوان، طارق رمضان.
وقالت الباحثة داليا عريان إن الجماعات الإسلاموية تعتمد على شبكات صغيرة وكبيرة منتشرة في المدن الكبرى في هولندا، ورغم أن هذه الشبكات منقسمة أيديولوجياً واجتماعياً، فإنها على تواصل دائم لتبادل الأفكار. واستغل الإخوان العلاقات مع حزبي العمل واليسار الأخضر، واخترقوا رابطة المجتمع المسلم في لاهاي، التي تضم بداخلها منظمة "اليوروب تراست نيذرلاند"، وهيئة الإغاثة الإسلامية، والمعهد الهولندي للعلوم الإنسانية، ومركز السلام الإسلامي الثقافي، ومركز الوسطية. فيما أوضح تقرير صادر عن المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب والأمن (NCTV) في 30 مايو 2023 تصاعد الخطاب المتطرف والتهديدات الإرهابية بسبب انتشار وتوغل جماعة الإخوان، حيث رفع المنسق الوطني لمكافحة الإرهاب والأمن مستوى التهديد من 3 إلى 4 في 12 ديسمبر 2023.
وترى الباحثة عريان أن الخطاب المتطرف اليميني والإسلاموي على شبكة الإنترنت، وفي المؤسسات الدينية والمجتمعية، يتسبب في زيادة الانقسام داخل المجتمع الهولندي، ويؤثر على عملية اندماج المسلمين في الحياة السياسية والفعاليات المشتركة، لمعاناة فئات كثيرة من الجالية المسلمة في هولندا من صعوبة التأقلم مع باقي الثقافات، ويزيد من حالة الكراهية وحوادث العنف ضد اليهود والمسلمين، ما يؤثر سلباً على النظام القانوني الديمقراطي، ويغذي حالة انعدام الثقة في الحكومة ومؤسسات الدولة، خاصة مع صعود أحزاب يمينية متطرفة إلى السلطة وتصاعد خطابها المعادي للسامية والمسلمين.
تفاصيل الشبكة
ذكر التقييم الاستخباري -وفق موقع ميدل إيست أونلاين- أن الإخوان لا يعلنون أنفسهم تنظيماً مركزياً، بل يعملون عبر منظمات تابعة أو مرتبطة ضمن الهيكل الأوروبي، مثل مجلس مسلمي أوروبا، واتحاد المنظمات الإسلامية الهولندية، ومركز السلام الإسلامي في روتردام، ومركز الخرافي الذي أنشأته مجموعة الخرافي ويديره الآن المركز الثقافي الاجتماعي التابع للجماعة، والمسجد الأزرق الذي أنشأته الكويت وسيطرت عليه الجماعة، إضافة إلى حزب نداء الإسلامي الذي أسسه تونسيون مقربون من حركة النهضة، وحزب عدالة الذي أنشأه أتراك تابعون لحزب العدالة والتنمية، ودار نشر نور العالم، والمؤسسة التمويلية "أوروبا ترست".
ونشر موقع ميدل إيست أونلاين أمثلة على المنظمة التمويلية "أوروبا ترست"، وأنها تدير عقارات ومساجد، مثل مسجد السلام في روتردام، وكذلك منظمات شبابية وتعليمية وخيرية. وهذه الشبكات جزء من الشبكة الأوروبية، لكن حجمها في هولندا أصغر بكثير مما هو عليه في فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا، حيث تركز على بناء كتلة إسلامية داخل المجتمع المسلم، والتأثير على التعليم والمساجد والجمعيات.
كما كشفت تقارير استخباراتية عن تنامي النفوذ الإخواني في هولندا، واستقبالهم تمويلات ضخمة لإقامة عدد من المساجد من أجل نشر دعواتهم وأفكارهم بين الشباب الهولنديين. وبمرور الوقت أصبحت للإخوان المسلمين عدة مراكز إسلامية ومساجد خاضعة لسيطرتهم المباشرة. ففي روتردام يمتلك الإخوان مركز السلام الإسلامي الثقافي، ومركز الوسطية الذي يرتبط اسمه باسم يوسف القرضاوي، وفي لاهاي يمتلكون مركز محمد عبد المحسن الخرافي الإسلامي الثقافي، وفي أمستردام تمتلك الجماعة المسجد الأزرق.
وتشير تقديرات المركز العربي لدراسات التطرف إلى سيطرة الفكر الإخواني على 60% من المساجد في هولندا، والتي يُقدَّر عددها بنحو 453 مسجداً، ويتبع الجماعة في أمستردام المسجد الأزرق، والحزب الإسلامي الإقليمي، وحزب "دينك"، وحزب نداء الإسلامي الذي استطاع خوض انتخابات المقاطعات شمال هولندا في مارس 2019. وقد سيطر قيادات من الإخوان، مثل محمد عكاري وإبراهيم عكاري ونور الدين العوالي وعلي أزوزي، على أحزاب وكيانات اقتصادية في مجال العقارات في أمستردام وروتردام ولاهاي، كبوابة لنشر نفوذهم داخل المؤسسة الحكومية والدينية.
الخلاصة التحليلية
إن قرار البرلمان الهولندي يجيء في سياق ضغوط أوروبية كبيرة على الجماعة، تمثلت خلال الأيام القليلة الماضية في قرار السلطات الفرنسية منع الملتقى السنوي لمجلس مسلمي أوروبا الذي يسمى ملتقى البورجيه، وهو ملتقى عام يحضره أكثر من 30000 من الزائرين، وذلك عشية انطلاقه، مما سيلحق بتنظيم الإخوان الأوروبي خسائر مالية كبيرة، بالإضافة إلى الزيادة في تصنيفهم من طرف السلطات السياسية في دول أوروبا بأنهم خارجون على القوانين.
وتتمثل معضلة هولندا وباقي الدول الأوروبية الآن مع جماعة الإخوان في عملية التثبيت والتموضع التي تمت لمنظمات وجمعيات إسلامية في دول القارة. ومع التغيرات والتحولات الجارية الآن، بدأت هذه الكيانات تعيد تشكيل ذاتها. وفي الوقت الذي تستقبل فيه القارة العائدين من أماكن التوترات، توجد محاولات منظمة ومنسقة من الإسلام السياسي -وتحديداً الإخوان- والمنظمات المتفرعة منه تحت مختلف الأسماء والواجهات للاستمرار في هذا التموضع، تساعدهم في ذلك مجموعة من العوامل، أهمها الخبرة الفائقة التي كسبتها هذه التيارات في توظيف ما في الغرب من قيم الحضارة الحديثة، مثل الديمقراطية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وحرية العبادة، وتغيير الدين والمعتقد، والاعتراف بتعددية الثقافات، وغيرها من التسهيلات، وكذلك بيروقراطية الإجراءات الإدارية والقضائية الغربية، ما سمح بتمرير الإخوان بأشكال جديدة.
والواضح من خلال ما سبق بشأن الشبكة الإخوانية في هولندا أننا أمام تطور في جميع مستويات العمل الإخواني، بحيث شهدنا انفصال جميع المؤسسات الإخوانية العاملة عن العمود التنظيمي للجماعة، لتعمل الجماعة بطريقة معقدة من خلال خمسة محاور: المدخل الأيديولوجي، والمستقلون، والدوائر الاقتصادية، وشبكة الجمعيات والمساجد، وقطاع متخصص في التواصل مع التنظيم العالمي. وأوروبا الآن -ومنها هولندا- فهمت هذه التصورات والإستراتيجيات لتيار الإخوان، وهو ما دفعها إلى المواجهة الفعالة للتنظيم.
في المقابل، فإن تنظيم الإخوان في هولندا وحركته خلال الفترة المقبلة من المؤكد أنه سيحاول تجاوز مأزقه الصعب والمصيري الذي يمر به في هذه المرحلة، والتكيف مع مستجدات الأوضاع في السياق الأوروبي العام واستثمارها لصالحه، سواء بنيوياً أو من الناحية التنظيمية، إلا أن ذلك سيظل مرهوناً بالقرارات الجديدة التي من المتوقع أن تصدر من دول أوروبية أخرى، وبمدى قدرته على التكيف معها.