مقالات تحليلية
حماس وقطاع غزة.. واقع صعب وهيكلة من أجل البقاء
04-Jun-2026
لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يراوح مكانه، لا سيما منذ
حرب إيران نهاية فبراير الماضي، ولا تزال المرحلة الثانية من الاتفاق المعنية بنزع
سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي من القطاع عالقة بين تمسك الحركة باستكمال تل أبيب
التزامات المرحلة الأولى أولاً خاصة المرتبطة بزيادة المساعدة وفتح المعابر
والتراجع عن التمدد في السيطرة على القطاع، بينما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح حماس
كونه أولوية مطلقة دون مقابل ويدعمها في ذلك منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف.
ضغط وواقع صعب
تؤكد دلائل كثيرة أن حماس تواجه واقعاً صعباً على المستوى القيادي
الإداري، ويتم ملاحقة قياداتها ونشطائها الفاعلين على الأرض وآخرهم عز الدين
الحداد، وكذلك تنفذ إسرائيل خطة للسيطرة على 70 في المائة من قطاع غزة، وتضغط على
من كل الجبهات، وتلمح مجدداً إلى إمكانية فتح باب الهجرة الطوعية خلال الفترة
المقبلة، وفقا لتصريحات متلفزة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال
زيارته مستوطنة في غور الأردن بالضفة الغربية.
ورغم ما سبق فإن الحركة تواجه
ذلك بصمت عملياتي، وليس من السهل الحكم على انتهائها، لأنها لا تزال تحتفظ
بسيطرتها على مجالات مدنية في القطاع، وتقوم مؤخرا من أجل الحفاظ على وجودها
بإعادة هيكلة نفسها، لأن هذا يعد عاملاً حاسمًا لضمان استمرار نفوذها فوق الأرض،
أو تحتها حال سلمت السلطة لمجلس الحكم أو حركة فتح. أو شاركت هي جزئيا في الإدارة،
وهو ما يستحق الإجابة عن السؤال: هل هو كمون وصمت تكتيكي أم هيكلة من اجل البقاء؟
تسليم الحكم في قطاع غزة
وفق وكالة الأناضول التركية فقد نفت الحركة رفضها تسليم الحكم في قطاع
غزة، معتبرةً الحديث عن ذلك "أكاذيب مضللة" تهدف إلى توفير غطاء
لإسرائيل لمواصلة حربها. وقال متحدث الحركة حازم قاسم، في تصريح صحفي، بأن "حديث بعض
الأطراف (لم يسمها) في مجلس السلام عن أن حماس لا تريد تسليم الحكم في قطاع غزة،
هو أكاذيب مضللة تهدف لتوفير غطاء للاحتلال ليستمر في عدوانه".
قاسم جدد "تأكيد جاهزية الحركة التامة لتسليم مجالات الحكم كافة، بما فيها الأمن، للجنة الوطنية (لإدارة غزة) الموجودة في القاهرة التي تم التوافق عليها". وأشار إلى أن "مجلس السلام كذلك عاجز عن الضغط على الإحتلال وإلزامه بإدخال اللجنة إلى القطاع، أو توفير مقدرات لها كي تعمل". وفي 16 يناير الماضي، أعلن البيت الأبيض اعتماد هياكل إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وتشمل "مجلس السلام" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" و"قوة الاستقرار الدولية".
عناصر إجرامية
حاليا تستعين "حماس" بعناصر إجرامية لتعزيز سيطرتها
واستمرار وجودها. وبموافقة الحركة، تتولى بعض العائلات في غزة جباية الضرائب وفرض
النظام، وفي المقابل، تسمح لهم بالاستحواذ على حصص كبيرة من المساعدات الإنسانية،
إضافة إلى توفير مزايا أخرى. يقول الكاتب أيمن سلامة، إن حماس عملت ما بعد الطوفان
على إحباط أي مساعي لإيجاد بدائل لحكمها في غزة.
فعلى سبيل المثال، هددت العناصر المسلحة في الحركة رؤساء العديد من
العشائر التي حاولت العمل بشكل مستقل، وقتلت بع العناصر التي تعاملت مع تل أبيب،
كما سارعت في التصدي لأعضاء حركة فتح والسلطة الفلسطينية عندما حاولوا السيطرة على
توزيع المساعدات، كما عمدت إلى استهداف قوافل المساعدات التي لا تمر من خلالها، ما
أدى إلى انتشار الفوضى والنهب على نطاق واسع في المناطق التي لا تسيطر عليها.
وهكذا نجحت في تثبيت وضعها من خلال استراتيجية متعددة الأوجه تشمل: تقديم الخدمات
الأساسية، وممارسة الترهيب العنيف، والتنسيق مع المجموعات المسلحة، وإرهاب قادة
العشائر المحليين، وغيرها من الأساليب المتنوعة التي مكّنتها من بسط نفوذها، عن
طريق الباقين من جهازها الإداري، وإفشال إنشاء كيان حكومي جديد.
الهيكلة من أجل البقاء
بعد أن قامت حماس بتثبيت وجودها والحفاظ على كيانها داخل القطاع انخرطت
في إعادة هيكلة مزدوجة؛ سياسياً وعسكرياً. فعلى الصعيد الحكومي، وفق صحيفة الشرق
الأوسط. أبدت بمباحثات "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، انفتاحاً على إعادة
هيكلة الوزارات ودمج آلاف عناصر الشرطة لضمان سير الخدمات دون إقالات جماعية. أما
ميدانياً، فأعادت ترتيب صفوفها العسكرية عبر تعيين قيادات جديدة وتأهيل قدراتها
بعد الاستهدافات الميدانية. وشمل ذلك: الإدارة المدنية والحكومية، وإعادة هيكلة
الوزارات، واستيعاب موظفي غزة ضمن هيكل إداري توافقي لتفادي حدوث فوضى إدارية.
والأهم هو الهيكلة العسكرية والأمنية، حيث قامت بتعيينات جديدة لمعظم قيادة كتائب
القسام.
وتشير التقارير الاستخباراتية وفق الصحيفة إلى سعي الحركة لإعادة
تقييم قدراتها العملياتية والعسكرية عبر التدريبات الميدانية وتصنيع العبوات
والصواريخ، وهو ما جعل إسرائيل تغتال أهم قياداتها مثل محمد العودة، وعز الدين
الحداد، الذين توصلوا إليه عبر معلومة وصلتهم بطريقة غير مباشرة عبر عملاء يعملون
على الأرض.
وكشفت القناة 13 الإسرائيلية، مؤخرا عن وثيقة قدمت إلى القيادة
السياسية في إسرائيل تفيد بسعي حماس لتأهيل قدراتها في قطاع غزة، عبر تجهيز عبوات
ناسفة وإعداد صواريخ، وتنفيذ تدريبات، مستفيدة بتركز الاهتمام الأمني على إيران
ولبنان.
مجموعة من التيارات
يذكر الكاتب ثابت العموري، القريب من حركة الجهاد الإسلامي، أن حماس
تضم مجموعة من التيارات، الأول: تيار إخواني يضم أفرادا تربوا في كنف الدعوة
الإخوانية، وهذا النوع هو الذي يتمتع بالنفوذ الأكبر والأثر خصوصاً في المواقف
القيادية. والثاني: من إسلاميين أو أفراد قريبين من برنامجها، وأن حماس بدأت في
هيكلة هذا التيار من جديد.
لقد سعت الحركة وفق العموري في هذه المرحلة إلى أسلوب جديد، يجعل
الخيوط التنظيمية المركزية في منأى عن الملاحقة والضرب، حيث أصبح كل جهاز من أجهزة
الحركة السياسية والإعلامية والمالية وغيرها، يتصل بلجنة مشابهة موجودة خارج غزة،
تعمل على ترتيب عمله، ويتم التنسيق الأعلى بين عمل الأجهزة في الخارج أيضاً.
وبالإضافة إلى الفوائد الأمنية لهذه الطريقة فإنها جاءت أيضاً في مرحلة صعدت فيها
إلى قيادة العمل في الداخل عناصر شابة، لعل بعضها تنقصه الخبرة، فكان الاتصال
بالخارج يعوض أحياناً مثل هذا النقص.
وأعادت الحركة تشكيل الجهاز التنظيمي العملياتي، ومنها جهاز الأحداث،
أو البرنامج العملياتي اليومي، الذي يشرف على تفعيل النشاطات الخاصة بالعمل
اليومي، مثل إقامة الحواجز، وتعليق الأعلام، وتشييع الشهداء. الخ. وهو يقوم الآن
بمنع تشويش وتعطيل العملية التعليمية ومساندتها بإقامة دورات تقوية للطلاب، كما
أوكل إليه مؤخرا تنفيذ عمليات الردع والقمع. اما الثاني فهو جهاز الدعوة، وهو الذي
يقوم بترشيح معظم العناصر لأجهزة الحركة الأخرى والتي من ضمنها الجهاز الأمني
والعسكري، والثالث هو الجهاز الأمني (منظمة الجهاد والدعوة – مجد)، وهو بمثابة
جهاز استخبارات وردع، مهمته جمع معلومات، وتصفية معارضي الحركة. وأخيرا الجهاز
الإعلامي ثم العسكري.
في السياق كشف مصدر لموقع The Cradle عربي، أن جهاز
الاستخبارات التابع لكتائب حماس، بجانب أجهزة أمنية أخرى، كـ "الأمن
العام" التابع للحركة، و"الأمن الداخلي" التابع للحكومة السابقة،
لا تزال تحتفظ ببنية سرية رغم استهدافات كثيرة طالت الكثير منهم، لكن الحركة نجحت
في علاج الفراغ الإداري، واستطاعت توظيف الآلاف من أجل الرصد ونقل المعلومات.
يقول الكاتب أحمد يوسف، القيادي السابق في حماس: يتولى كيان «المجلس
القيادي» حالياً إدارة الحركة؛ وبسبب تعذر فرصة إجراء انتخابات داخلية لتحديد
شخصية جديدة لرئيس المكتب ونائبه، لجأت «حماس» إلى صيغة «المجلس القيادي». وحالياً
يُعد «المجلس القيادي» المُشكّل بالأساس من عدة أعضاء بينهم رؤساء الأقاليم، صاحب
القرارات داخل الحركة بالإجماع فيما بينهم، والتي يتم التشاور فيها مع باقي أعضاء
المكتب السياسي عندما تكون هناك ضرورة ملحة. ويضم «المجلس القيادي» المكتب السياسي
عن أقاليم: (قطاع غزة، والضفة الغربية، والخارج)، ويتم اتخاذ أي قرارات في نطاق
إدارته للحركة بالتوافق مع جميع أعضاء المكتب السياسي ممن يتاح التواصل معهم في ظل
صعوبات التواصل مع الجميع ممن هم داخل القطاع.
مستقبل باهت رغم الهيكلة
ورغم محاولات حماس البقاء والحفاظ على الوجود تشير دراسات وتحليلات
إلى تراجع الحاضنة الشعبية، ومنها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، التي أجرت
استطلاعا، وصلت فيه نسبة تراجع حماس عن نظيرتها فتح إلى 57 في المائة، لعدة أسباب:
1.تغير الظروف السياسية والاجتماعية بعد عملية الطوفان وما أعقبها من
نتائج.
2.تأثير الصراعات الداخلية،
حيث تعاني حماس من الانقسامات الحادة رغم محاولتها مؤخرا علاج هذه المسألة،
بالانتخابات، التي فاز بها خليل الحية، كرئيس للمكتب السياسي للحركة، وهذا كله
يقوض الهيمنة الداخلية لها، ويؤدي إلى تشتت الدعم الشعبي.
3.التحديات الاقتصادية، حيث يلعب الوضع الاقتصادي دورا في تراجع الدعم
للحاضنة الشعبية لحماس، كما يمكن أن تؤثر الظروف الاقتصادية الصعبة على حياة الناس
وتقليل مشاركتهم ودعمهم.
وتحاول حماس من خلال جهازها الإعلامي، الذي يعتمد مؤخرا على وسائل
التواصل الاجتماعي تغيير صورتها الأخيرة كمتسبب رئيسي في تدمير القطاع، وتصوير
إسرائيل كقوة قمعية، لكن هذه المحاولات جوبهت بخيبة الأمل من الحكم الداخلي،
والمصاعب الاقتصادية التي يواجهها المدنيون في غزة.
خلاصات
- من المرجح أن تستمر حركة حماس خلال المرحلة المقبلة في تبني
استراتيجية "البقاء والتكيف" عبر تعزيز هياكلها التنظيمية والأمنية،
والسعي للحفاظ على حضورها السياسي والاجتماعي داخل قطاع غزة حتى في حال انتقال
إدارة القطاع إلى جهات أخرى. كما قد تتجه الحركة إلى تقليص مظاهر السيطرة المباشرة
مقابل الاحتفاظ بنفوذ غير مباشر من خلال شبكاتها التنظيمية وقاعدتها الاجتماعية،
بما يضمن لها دورًا مؤثرًا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية تخص القطاع.
- في المقابل، ستظل قدرة حماس على استعادة مكانتها مرهونة بمدى نجاحها في التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ومعالجة التحديات الداخلية المرتبطة بتراجع التأييد الشعبي وتداعيات الحرب على سكان غزة. وإذا أخفقت في تقديم رؤية سياسية وإدارية جديدة تتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، فقد تواجه مزيدًا من التراجع في نفوذها لصالح قوى أو هياكل حكم بديلة، الأمر الذي قد يعيد رسم المشهد السياسي في القطاع على أسس مختلفة خلال السنوات القادمة.
- وتظل الشروط الدولية والإقليمية الخاصة بتخلي حماس عن سلاحها ووقف عملياتها المسلحة نقاطا أساسية للانضمام إلى أي تسوية سياسية مستقبلية