مقالات تحليلية
عودة الحديث عن الردع النووي إلى واجهة السياسة الدولية
25-Jun-2026
خلال شهر يونيو الجاري 2026 أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن "الردع النووي هو الضمانة الوحيدة التي تحول دون اندلاع حرب عالمية جديدة"، معتبراً أن امتلاك القوى الكبرى للأسلحة النووية هو العامل الذي يمنع المواجهة العسكرية المباشرة بينها، وإن كان لا يمنع استمرار الحروب والنزاعات الإقليمية.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حرصت موسكو على إبراز قدراتها النووية كوسيلة ردع في مواجهة الدعم العسكري الغربي لكييف. كما أعلنت عن تطوير منظومات صاروخية جديدة، أبرزها صاروخ "أوريشنيك" القادر على حمل رؤوس نووية والطيران بسرعات فرط صوتية، إلى جانب صواريخ أخرى مثل "سارمات" و"كينجال" و"أفانغارد"، التي تؤكد استمرار الاستثمار الروسي في تحديث ترسانته النووية. وتؤكد موسكو أن امتلاك هذه القدرات يمنع أي مواجهة مباشرة مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويضمن الحفاظ على توازن القوى العالمي.
وفي 18 يونيو 2026 قالت الهيئة العليا المعنية بالردع داخل حلف شمال الأطلسي، إن الحلف أقر تحديث قدراته النووية وتعزيز آليات التخطيط للردع النووي. وأكد وزراء الدفاع المشاركون أن «القوات النووية الاستراتيجية للحلف تظل الضمانة القصوى لأمن الحلفاء وتشكل أساس بنية الردع الموسع للناتو».
وفي 24 يونيو 2026 لشمالي كيم جونغ أون إن بلاده "تزود البحرية أسلحة نووية" وذلك أثناء تدشينه سفينة حربية، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الكورية المركزية الرسمية الأربعاء، كاشفا أيضا خططا لبناء سفن حربية بزنة 10 آلاف طن. وجاءت هذه التصريحات خلال تدشين السفينة الحربية "تشوي هيون"، إحدى سفينتين حربيتين بزنة 5 آلاف طن أطلقتهما الدولة المسلحة نوويا العام الماضي، في مدينة نامبو الساحلية الثلاثاء، وفق الوكالة. قال كيم خلال المراسم إن "برنامج تزويد البحرية الأسلحة النووية يمضي قدما وفق الجدول المخطط له". أضاف "هذا مسار استراتيجي ذو أهمية بالغة لأنه سيمكّننا من الحفاظ على جاهزية القوة النووية لدولتنا للعمليات المتعددة الأوجه والفعالة".
من القنبلة الأولى إلى عقيدة الردع
بدأ العصر النووي في السادس من أغسطس عام 1945، عندما ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة نووية على مدينة هيروشيما اليابانية، ثم تبعتها مدينة ناغازاكي بعد ثلاثة أيام، في هجوم أدى إلى مقتل مئات الآلاف بشكل مباشر أو بسبب الإشعاعات اللاحقة. وشكل ذلك الحدث نقطة تحول في التاريخ العسكري والسياسي، إذ أثبت أن سلاحاً واحداً قادر على تدمير مدينة كاملة خلال ثوانٍ.
بعد أربع سنوات فقط، نجح الاتحاد السوفيتي في اختبار أول قنبلة نووية عام 1949، لتبدأ مرحلة جديدة من التنافس بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة. وسرعان ما دخلت بريطانيا وفرنسا والصين النادي النووي، لتتحول الأسلحة النووية إلى عنصر رئيسي في موازين القوى الدولية.
ومع تزايد أعداد الرؤوس النووية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ظهرت عقيدة "الردع النووي"، التي تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الخطورة؛ فإذا كانت كل دولة تعلم أن أي هجوم نووي ستقابله ضربة انتقامية مدمرة، فإن أي طرف لن يجرؤ على استخدام هذا السلاح. وأصبح هذا المبدأ يعرف أيضاً باسم "التدمير المتبادل المؤكد، وهو أحد أهم أسباب تجنب مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي طوال الحرب الباردة.
سباق تسلح غير مسبوق
شهدت الحرب الباردة أكبر سباق تسلح في التاريخ، إذ أنتجت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عشرات الآلاف من الرؤوس النووية، وطورا وسائل متعددة لإطلاقها، شملت الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات النووية، والقاذفات الإستراتيجية بعيدة المدى، فيما يعرف بـ"الثالوث النووي"، الذي يمنح الدولة القدرة على توجيه ضربة نووية حتى لو تعرضت لهجوم مفاجئ.
وخلال الثمانينيات، بلغ عدد الرؤوس النووية في العالم أكثر من 70 ألف رأس نووي، قبل أن تبدأ الدولتان في توقيع سلسلة من اتفاقيات الحد من التسلح بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل معاهدات START وNew START، التي ساهمت في خفض الترسانات النووية تدريجياً وتعزيز إجراءات الرقابة والشفافية.
لماذا عاد الحديث عن الردع النووي الآن؟
عاد مصطلح "الردع النووي" إلى صدارة النقاشات السياسية والعسكرية في العالم، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتنامي المنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن التطورات النووية في كوريا الشمالية وإيران. فبعد عقود من الاعتقاد بأن خطر الحرب النووية تراجع بانتهاء الحرب الباردة، أعادت الأزمات الدولية الأخيرة هذا الملف إلى الواجهة، وسط تحذيرات من أن العالم يعيش مرحلة هي الأكثر خطورة منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
ورغم انتهاء الحرب الباردة قبل أكثر من ثلاثة عقود، فإن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً واضحاً في منظومة الحد من التسلح النووي، نتيجة تصاعد الخلافات بين القوى الكبرى.
ومن أبرز أسباب عودة ملف الردع النووي إلى الواجهة:
- الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت موسكو إلى التلويح مراراً باستخدام أسلحتها النووية إذا تعرض أمنها الإستراتيجي للخطر.
- تزايد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وما يرافقها من سباق لتطوير القدرات العسكرية.
- استمرار كوريا الشمالية في إجراء تجارب صاروخية وتطوير برنامجها النووي.
- المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وما قد يسببه من سباق تسلح في الشرق الأوسط.
- انهيار عدد من اتفاقيات الحد من التسلح، الأمر الذي قلل من مستويات الثقة بين القوى الكبرى.
كما أن انتهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت"، آخر اتفاقية ثنائية بين روسيا والولايات المتحدة للحد من الأسلحة النووية الإستراتيجية، مثّل ضربة قوية لنظام الحد من التسلح. فقد كانت المعاهدة، الموقعة عام 2010، تحدد سقفاً لعدد الرؤوس النووية ومنصات الإطلاق لدى البلدين. وبعد انتهاء سريانها، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن موسكو ستواصل الالتزام بقيودها طالما التزمت الولايات المتحدة بالمثل، إلا أن الرئيس فلاديمير بوتين شدد في الوقت نفسه على أن تطوير القدرات النووية الروسية يمثل "أولوية قصوى".
مداخل لفهم اقتناء السلاح النووي
يقول سامر إلياس في مقال بمجلة المجلة الصادرة بتاريخ 4 يونيو 2026 : يعزز التوجه إلى اقتناء السلاح النووي طرق التعامل المزدوجة من القوى العظمى مع البلدان حسب امتلاكها أسلحة ردع. ويتشارك الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين مع ترمب في مبدأ "السلام عبر القوة". واستبعد كثير من المسؤولين والمحللين السياسيين إقدام بوتين على ضم القرم في 2014، أو غزوها في 2022 لو أنها احتفظت بسلاحها النووي ولم تتخل عنه بعد توقيع مذكرة بودابست في 1994، والتي نصت على ضمان وحدة وسلامة أراضيها من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا مقابل التخلص من أسلحتها النووية. وفي المقلب الآخر، فإن ترمب ذهب إلى مفاوضات في ولايته الأولى مع كيم جون أون، متجاهلا التجارب النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. وفي ولايته الحالية لم يمارس أي ضغوط على بيونغ يانغ أحد أهم داعمي روسيا في حربها على أوكرانيا ومصدر التهديد الأساسي لحليفتها كوريا الجنوبية واليابان في شرق آسيا، وبدا أن امتلاك السلاح النووي منح بيونغ يانع وكيم حصانة، بينما لم يتردد ترمب في ضرب إيران صيف العام الماضي، وقتل "المرشد" الإيراني علي خامنئي والصف القيادي في إيران في بداية حرب العام الحالي.
ووفق سكاي نيوز عربية ، في يونيو 2025 أعلنت بريطانيا، أنها ستعيد العمل بالردع النووي المحمول جوا، جنبا إلى جنب مع قدراتها النووية الحالية المقتصرة على الغواصات، في إطار حلف شمال الأطلسي. وقتها نقل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، قوله: "أرحب بحفاوة بالإعلان الصادر اليوم"، واصفا إياه بأنه "مساهمة بريطانية قوية جديدة في الناتو".
بعد انتهاء الحرب الباردة اقتصر الردع النووي البريطاني في إطار حلف شمال الأطلسي على غواصات للبحرية الملكية، قادرة على إطلاق صواريخ مزودة برؤوس نووية. وقالت الخبيرة النووية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إيلويز فاييه لوكالة "فرانس برس"، إنه في ذاك الحين كان قد زال "الاهتمام الحقيقي بالأسلحة النووية التكتيكية في أوروبا لأن التهديد كان قد زال". وأضافت أن الإعلان يظهر "استمرارية إعادة التسلح النووي في أوروبا، والحاجة المتجددة للأسلحة النووية، وتعزيز ردع حلف شمال الأطلسي في مواجهة خصم هو روسيا"، التي تخوض حربا ضد أوكرانيا منذ أكثر من 3 سنوات.
من يمتلك السلاح النووي اليوم؟
يوجد اليوم تسع دول تمتلك أسلحة نووية بدرجات متفاوتة:
روسيا: تمتلك أكبر مخزون نووي في العالم، يضم آلاف الرؤوس النووية.
الولايات المتحدة: ثاني أكبر قوة نووية، وتحتفظ بترسانة إستراتيجية متطورة ومنتشرة في البر والبحر والجو.
الصين: توسع ترسانتها النووية بوتيرة متسارعة وتسعى إلى تعزيز قدراتها الرادعة.
فرنسا وبريطانيا: تمتلكان ترسانات أصغر لكنها متطورة.
الهند وباكستان: يواصل البلدان تطوير قدراتهما النووية في ظل التوتر المزمن بينهما.
كوريا الشمالية: أعلنت امتلاكها للسلاح النووي وتواصل تطوير الصواريخ بعيدة المدى.
إسرائيل: تتبع سياسة "الغموض النووي"، فلا تؤكد ولا تنفي امتلاكها أسلحة نووية، رغم أن معظم التقديرات الدولية تشير إلى امتلاكها ترسانة نووية.
هل يمنع الردع النووي الحروب؟
يرى أنصار الردع النووي أنه نجح طوال أكثر من سبعين عاماً في منع اندلاع حرب عالمية ثالثة، إذ لم تدخل القوى النووية الكبرى في مواجهة عسكرية مباشرة رغم كثرة الأزمات الدولية.
لكن منتقدي هذه النظرية يؤكدون أن الردع لا يمنع الحروب، بل يغير طبيعتها. فبدلاً من المواجهات المباشرة، تتجه الدول إلى الحروب بالوكالة، والصراعات الإقليمية، والهجمات السيبرانية، والعقوبات الاقتصادية، كما حدث في أوكرانيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى.
المخاطر التي تهدد العالم
ورغم أن عدد الرؤوس النووية انخفض مقارنة بذروة الحرب الباردة، فإن الأسلحة الحالية أصبحت أكثر دقة وتطوراً وتدميراً، وهو ما يزيد من خطورة أي استخدام محتمل لها.
وتتمثل أبرز المخاطر في:
- احتمال وقوع خطأ في التقدير السياسي أو العسكري يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.
- الأعطال التقنية أو الإنذارات الكاذبة التي قد تدفع إلى إطلاق أسلحة نووية بالخطأ.
- انهيار اتفاقيات الحد من التسلح، ما يفتح الباب أمام سباق نووي جديد.
- انتشار تقنيات الصواريخ فرط الصوتية، التي تقلص زمن اتخاذ القرار وتزيد احتمالات سوء التقدير.
- إمكانية انتقال التكنولوجيا النووية أو المواد الانشطارية إلى جهات غير دولية أو جماعات إرهابية.
مستقبل الردع النووي
أصبحت معادلة الأمن الدولي اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالعالم لم يعد يقتصر على قطبين نوويين كما كان خلال الحرب الباردة، بل يشهد تعدداً في القوى النووية وتطوراً سريعاً في التقنيات العسكرية، من الذكاء الاصطناعي إلى الأسلحة فرط الصوتية وأنظمة الدفاع الصاروخي.
ولذلك يرى خبراء الأمن الدولي أن الحفاظ على الاستقرار العالمي لن يتحقق بالاعتماد على الردع النووي وحده، بل يتطلب إحياء اتفاقيات الحد من التسلح، وتعزيز الحوار بين القوى الكبرى، ووضع آليات جديدة للحد من مخاطر التصعيد النووي، حتى لا يتحول السلاح الذي صُمم لمنع الحرب إلى السبب في اندلاعها.