تأخذ العلاقات السودانية الإثيوبية في مايو 2026 منحىً تراجيدياً يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان، وذلك بعد تفجر "أزمة المسيرات" التي اعتبرتها الخرطوم عدواناً سافراً انطلق من مطار "بحر دار" مستهدفاً منشآت استراتيجية في العاصمة السودانية الخرطوم.

هذا التطور الدراماتيكي لا يمثل مجرد توتر حدودي عابر كما كان يحدث في منطقة "الفشقة" الحدودية سابقاً، بل هو نذير بانفتاح جبهة مواجهة جديدة يصفها المراقبون بأنها أخطر من الأخريات، لكونها تأتي في توقيت هش يعاني فيه السودان من استنزاف عسكري داخلي شامل، مما يجعل أي مغامرة خارجية بمثابة قفزة انتحارية في المجهول تزيد من تعقيد المشهد المأزوم أصلاً.

  إن انتقال الصراع من التراشق اللفظي إلى الاتهام باستخدام الطائرات المسيرة يعكس تحولاً نوعياً في التعامل، حيث لم تعد النزاعات محصورة في الأراضي الزراعية المتنازع عليها، بل امتدت لتطال السيادة الوطنية في قلب مراكز اتخاذ القرار.

  هذا المنعطف يضع الدولة السودانية أمام اختبار عسير لجهة القدرة على الموازنة بين الحفاظ على هيبة الدولة وحماية أمنها القومي، وبين واقع القوات المسلحة التي تقاتل في جبهات داخلية متعددة ومنهكة، مما يجعل خيار التصعيد العسكري مع جارة قوية كإثيوبيا مقامرة كبرى قد تعصف بما تبقى من استقرار في منطقة القرن الأفريقي المتفجرة.


الروايات الرسمية وتبادل الاتهامات

  بدأ الموقف بالتصعيد من جانب وزارة الخارجية السودانية التي لوحت بحق الرد المكفول دولياً، معتبرة أن استخدام الأراضي الإثيوبية لشن هجمات تقنية متطورة عبر المسيرات يغير قواعد الاشتباك ويخرج الصراع من إطاره التقليدي.

في المقابل، جاء الرد الإثيوبي عبر بيان لوزارة الخارجية الإثيوبية اتسم بالهجوم المضاد العنيف، حيث رفضت أديس أبابا الاتهامات جملة وتفصيلاً، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك باتهام الجيش السوداني بدعم مرتزقة من جبهة تحرير شعب تيغراي وتسهيل توغلهم عبر الحدود الغربية لإثيوبيا لزعزعة استقرار أقاليمها الحيوية.

  البيان الإثيوبي لم يكتفِ بالدفاع السلبي، بل اعتبر أن السودان أصبح مركزاً لقوى معادية مدفوعة بأجندات جهات خارجية، وهو تلميح دبلوماسي صريح لمحاور إقليمية تتهمها إثيوبيا دوماً بمحاولة زعزعة استقرارها عبر استغلال الملف السوداني وسد النهضة. ووفق مركز رؤى الإعلامي شن رئيس جهاز المخابرات الإثيوبي، رضوان حسين، هجوماً حاداً على سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان، متهماً إياها بمحاولة تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، في ظل تصاعد التوترات السياسية والإعلامية بين الجانبين، معتبراً أن التصعيد تجاه أديس أبابا يمثل محاولة للهروب من الأزمات الداخلية المتفاقمة. وأضاف أن الخطاب السوداني الأخير يعكس – بحسب وصفه – حالة من الارتباك السياسي والأمني، مشيراً إلى أن “نقل الأزمة إلى الخارج” لن يغيّر من تعقيدات المشهد داخل السودان.

  هذا التبادل الحاد للاتهامات يعكس غياب أي قنوات تواصل فعالة بين البلدين، مما يحول أي احتكاك ميداني إلى أزمة ديبلوماسية وجودية، حيث يرى كل طرف في الآخر شماعة لتعليق إخفاقاته الداخلية وتصدير أزماته السياسية عبر الحدود المتداخلة.


تحذير من العنتريات واختلال ميزان القوى

  يبرز موقف السيد مبارك الفاضل المهدي، رئيس حزب الأمة ورئيس تحالف التراضي الوطني، كصوت محذر من خطورة الانزلاق نحو هذا الصدام الدامي. يستند الفاضل في تحليله إلى مدرسة الجغرافيا السياسية التي كان يتبناها الإمام الراحل الصادق المهدي، موضحاً في تغريدة عبر حسابه الشخصي بموقع إكس في الأسبوع الماضي أن الطبيعة الطبوغرافية للحدود تمنح إثيوبيا تفوقاً دفاعياً طبيعياً لا يمكن تجاهله، فهي تطل على السودان من مرتفعات جبلية وعرة تقابلنا بظهرها، مما يمنح قواتها ميزة الرؤية والاستهداف المريح.

بينما ينكشف السودان أمام هذه المرتفعات بسهول مفتوحة تضم عصب حياته من خزانات مائية حيوية مثل الروصيرص وخشم القربة، بالإضافة إلى مشاريع زراعية كبرى تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي.

 ويرى الفاضل أن لجوء الجيش السوداني للتصعيد في ظل انشغاله بحروب أهلية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق يفتقر للحكمة الاستراتيجية وبعد النظر، واصفاً هذا النهج بالعنتريات التي قد تؤدي إلى تدمير ما تبقى من بنية تحتية متهالكة، داعياً بدلاً من ذلك إلى تفعيل القنوات الدبلوماسية الرصينة والاستفادة من مبادرات رئيس الوزراء آبي أحمد السابقة التي كانت تسعى لنزع فتيل الأزمات.


العرف الدبلوماسي مقابل التصعيد الإعلامي

 من منظور دبلوماسي مهني رصين، يرى السفير الصادق المقلي أن تعامل الخارجية السودانية مع الأزمة شابه الاستعجال والارتباك. فوفقاً للعرف الدولي المنظم للعلاقات بين الدول، كان يجب أن يسبق المؤتمر الصحفي العاصف اجتماع لمجلس الأمن والدفاع القومي لتقييم الموقف، وأن تتبع أدلة العدوان خطوات قانونية دولية تبدأ بالشكوى لمجلس السلم والأمن الأفريقي ومجلس الأمن الدولي لتوثيق الانتهاكات وضمان الدعم الأممي.

  ويشير المقلي إلى مفارقة لافتة تستوجب التوقف؛ ففي حين اتُهمت إثيوبيا سابقاً بتسهيل سقوط منطقة الكرمك، لم يصل الرد الدبلوماسي حينها إلى هذا المستوى من الحدة والعدائية، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى وفلسفة التصعيد الحالي في ظل ظروف داخلية بالغة التعقيد وغير مؤاتية للسودان لخوض حرب نظامية. ويشدد المقلي على ضرورة أن يلتقي السفير السوداني في أديس أبابا بالخارجية الإثيوبية لتقديم الدلائل والاحتجاج رسمياً قبل إعلان الحرب إعلامياً، لأن القفز فوق المراحل الدبلوماسية يغلق أبواب الحلول السلمية ويجعل الرصاص هو اللغة الوحيدة المتبقية.


القوى المحرضة والمحدودية العسكرية

  يدخل الخبير الأمريكي كاميرون هدسون في عمق المعادلة العسكرية الصعبة، مؤكداً أن القوات المسلحة السودانية، في وضعها الراهن المنهك جراء الصراعات الداخلية، لا تملك القدرة الذاتية على فتح جبهة قتال جديدة وواسعة النطاق مع إثيوبيا التي تمتلك جيشاً متمرساً وتكنولوجيا متطورة. لكن هدسون طرح في إفاداته لقنوات إخبارية الأسبوع الماضي فرضية التحريض الإقليمي، مشيراً إلى إمكانية وجود دفع وتنسيق من القاهرة أو أسمرة لهذا الصدام لتخفيف الضغط عن ملفات أخرى، وإن كان يستبعد نجاح ذلك حالياً ما لم يتم حشد قوات ضخمة وإسناد لوجستي خارجي كبير.ومع ذلك، يحذر هدسون من أن استمرار هجمات المسيرات على الخرطوم أو خسارة الجيش لمزيد من الأراضي الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق قد يغير هذه الحسابات جذرياً ويجعل الصدام المباشر حتمياً للخروج من مأزق الحصار الداخلي الخانق.

 إن التحريض الخارجي، سواء كان من أطراف إقليمية تسعى لتصفية حساباتها مع أديس أبابا عبر الساحة السودانية، أو من قوى دولية ترغب في إعادة صياغة موازين القوى في البحر الأحمر وحوض النيل، يضع السودان في فوهة المدفع.

هذا الاندفاع العاطفي نحو المواجهة يغفل حقيقة أن الحروب الإقليمية في العصر الحديث لا تحسمها الشجاعة وحدها، بل يحسمها الاقتصاد القوي، والتماسك الداخلي، والتفوق التكنولوجي، وهي عناصر يفتقدها السودان بشدة في ظل أزمته الراهنة التي جعلت من مواطنيه لاجئين في دول الجوار.

في السياق شهدت العاصمة الجيبوتية لقاءً جمع نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وذلك بوساطة من رئيس جمهورية جيبوتي إسماعيل عمر جيله، في خطوة تهدف إلى مناقشة القضايا الثنائية والتطورات الإقليمية بين البلدين.

وبحسب قناة الحدث، فإن وساطة الرئيس الجيبوتي تعكس مساعي إقليمية لاحتواء التوتر ومنع تفاقم الخلافات بين السودان وإثيوبيا، مع الدفع نحو معالجة الملفات العالقة عبر الحوار والتنسيق المباشر بين القيادات السياسية. ولم تصدر حتى الآن تفاصيل رسمية موسعة حول مخرجات اللقاء، غير أن الاجتماع يُنظر إليه باعتباره مؤشراً على محاولة فتح قنوات تواصل دبلوماسية بين الخرطوم وأديس أبابا في ظل التطورات الأمنية الأخيرة.

 

بين الانفجار الشامل والدبلوماسية الاضطرارية

 بالنظر إلى المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حالة اللانظام المخطط، حيث سيستمر التراشق الإعلامي والسياسي العنيف مع وقوع مناوشات حدودية محدودة ومتباعدة، دون الدخول في حرب شاملة يدرك الطرفان جيداً كلفتها الوجودية الكارثية. فالسودان المنهك بحروبه الداخلية لا يحتمل جبهة شرقية تلتهم ما تبقى من مخزونه الاستراتيجي من الذخيرة والرجال والعتاد، وإثيوبيا القلقة من ملف سد النهضة واضطرابات الأقاليم العرقية لا تريد تحويل حدودها الغربية إلى ساحة استنزاف دائمة تستنزف مواردها الاقتصادية الواعدة.

 ومع ذلك، يظل خطر السيناريو الكارثي قائماً وبقوة إذا ما قررت الخرطوم، تحت ضغط ميداني محرج أو بتشجيع من حلفاء إقليميين يطمحون لتغيير التوازنات، الرد عسكرياً على مطار بحر دار أو مراكز انطلاق المسيرات في العمق الإثيوبي. مثل هذه الخطوة الانفعالية ستعني تحول الحرب السودانية فوراً من صراع داخلي إلى حرب إقليمية كبرى تشترك فيها أطراف دولية عديدة، وتصبح فيها السدود والمنشآت الحيوية أهدافاً مشروعة للدمار المتبادل، مما يؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الحدودي المتداخل أصلاً منذ آلاف السنين بين الشعوب في هذه المنطقة.

المخرج الوحيد والآمن يكمن في العودة الفورية إلى دبلوماسية الغرف المغلقة وتفعيل الوساطات الإقليمية الفاعلة، مثل الوساطة السعودية أو مبادرات منظمة الإيغاد، لتبريد الجبهة الشرقية وإعادة الهدوء إلى الحدود. يجب على الطرفين الاعتراف بأن سياسة تصدير الأزمات الداخلية عبر الحدود لن تجلب سوى دمار مشترك لا رابح فيه لأي طرف. إن الصمت السياسي الداخلي الملحوظ في السودان، وغياب التعبئة الشعبية الحقيقية خلف قرار التصعيد، يشير بوضوح إلى أن القوى الوطنية الحية تدرك فداحة الثمن، مما قد يضغط في نهاية المطاف نحو العودة إلى مائدة التفاوض بعيداً عن صخب المسيرات وضجيج المدافع.

ويمكن أن تدفع الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة الطرفين إلى تبني مسار تهدئة اضطراري يقوم على تجميد التصعيد العسكري والإعلامي مقابل فتح قنوات تفاوض أمنية مباشرة برعاية إقليمية، خصوصاً من جيبوتي أو السعودية أو الاتحاد الأفريقي. وفي هذا السيناريو، قد يتم الاتفاق على آليات مشتركة لمراقبة الحدود ومنع استخدام الأراضي في أي عمليات عدائية، مع إعادة تنشيط اللجان السياسية والعسكرية المشتركة التي تعطلت خلال السنوات الماضية. ورغم أن هذا المسار لا يعني إنهاء جذور الخلافات التاريخية المتعلقة بالفشقة وسد النهضة والتوازنات الإقليمية، إلا أنه قد يمنح البلدين فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة يصعب احتواؤها لاحقاً.