شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي مواجهة دبلوماسية رفيعة المستوى وعاصفة، عكست بشكل جلي عمق وتعقيد الأزمة السودانية المتفجرة التي تقترب من إكمال عامها الرابع. وتجسدت هذه المواجهة في سجال حاد وساخن دار بين كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ومندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس.

 تمحور هذا الخلاف العلني غير المعتاد حول مسودة لهدنة إنسانية شاملة طرحتها واشنطن في محاولة لفرض تهدئة ووقف القتال المستعر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. هذا السجال لم يكن مجرد تلاسن دبلوماسي عابر، بل فتح الباب واسعاً أمام قراءة متعمقة لملامح الاستراتيجية الدولية والإقليمية الراهنة تجاه الصراع السوداني، كما سلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين التصورات الدولية لشروط السلام وبين الرؤية السياسية والعسكرية للحكومة السودانية القائمة على الأرض، مما ينذر بمرحلة جديدة من كسر العظم الدبلوماسي والميداني.

 

تزامن العقوبات

  شكلت تصريحات مسعد بولس أمام مجلس الأمن الدولي تحولاً جذرياً لافتاً في وتيرة وأدوات الضغط الأمريكي على أطراف الصراع في السودان. الجديد في هذه التصريحات أنها تجاوزت مربع إبداء القلق التقليدي وإصدار البيانات الدبلوماسية المرنة، لتنتقل إلى سياسة "التسمية والتشهير" المباشر، حيث حدد بولس الطرف الرافض للهدنة بوضوح عندما أعلن أن مجلس السيادة السوداني رفض رسمياً آخر نسخة من مسودة الهدنة الإنسانية التي تقدمت بها واشنطن، متهماً المجلس بالاستمرار في عرقلة الجهود الرامية لتمهيد الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق حوار سياسي حقيقي. ولم تقتصر تصريحاته على الداخل السوداني، بل فجر قنبلة دبلوماسية بالإشارة إلى رصد واشنطن لأكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً مباشراً للأطراف المتحاربة منذ منتصف أبريل 2023، مما يعكس إدراكاً أمريكياً لتدويل الأزمة وتحول السودان إلى ساحة حرب بالوكالة.

هذه الحدة تعكس جدية أمريكية متزايدة وحاسمة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي بدأت تترجم ضغوطها السياسية إلى إجراءات تشغيلية واقتصادية عقابية صارمة. وتجلى ذلك في إعلان واشنطن عن فرض جولة ثانية من العقوبات المشددة بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الاستخدام الحربي لها، وذلك بعد اتهامات ومزاعم طالت الجيش باستخدام أسلحة كيميائية. تضمنت هذه العقوبات معارضة الولايات المتحدة لتقديم المؤسسات المالية الدولية أي قروض أو مساعدات مالية أو تقنية للسودان، وفرض قيود خانقة على الصادرات الأمريكية للبلاد، فضلاً عن منع شركات الطيران المملوكة للدولة السودانية من العمل أو الهبوط في الأجواء الأمريكية.

تزامنت هذه الخطوات مع فرض عقوبات موازية على ثمانية أفراد وكيانات متهمة بتزويد الجيش وقوات الدعم السريع بالأسلحة والمتفجرات وتسهيل دخول المقاتلين الأجانب. تهدف واشنطن من هذه الحزمة العقابية إلى تجفيف منابع التمويل والتسليح للطرفين معاً، ورفع غطاء الحصانة الدولي عن القادة العسكريين لوضعهم تحت طائلة القانون الدولي كمجرمي حرب، مع التلويح بتطوير آليات مراقبة تقنية دولية مثل الأقمار الصناعية والمسيرات لتوثيق أي خروقات مستقبلية بشكل فوري.

 

توازن دولي

  في ذات الجلسة العاصفة، برز موقف صيني حمل مؤشرات هامة على تغير نسبي وتناغم مع التوجه الدولي العام الساعي لإنهاء القتال. ودعا مندوب بكين الدائم لدى مجلس الأمن إلى تكثيف الجهود الدولية والاقليمية من أجل العمل على تحقيق وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في السودان، محذراً من الاستمرار في هذا الطريق نظراً لأن الوضع الإنساني يستمر في التدهور المريع بينما السلام يبتعد أكثر عن متناول الشعب السوداني. الأهم في حديث المندوب الصيني كان تشديده الصريح على أنه لا يوجد أي حل عسكري يمكن أن يحسم هذا النزاع، ومطالبته بضرورة عودة الأطراف فوراً إلى طاولة المفاوضات السياسية.

هذا الموقف الصيني يمثل تحولاً لافتاً، إذ يقلص هوامش المناورة الدبلوماسية التي كانت تراهن عليها الحكومة السودانية للاستناد على فيتو أو دعم صيني تقليدي في مجلس الأمن، ويحرم أطراف الحرب من غطاء دولي هام، مما يشير إلى وجود شبه إجماع بين القوى الكبرى على ضرورة وضع حد للنزاع المسلح.

 

تفنيد الموقف الرسمي

في المقابل، جاء حديث المندوب السوداني الدائم، الحارث إدريس، ليقدم رواية مغايرة تماماً تفند الاتهامات الأمريكية بالرفض المطلق. وأوضح الحارث أمام مجلس الأمن أن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان لم يرفض المقترح الأمريكي، بل تعامل معه بإيجابية وأرسل تعديلاته وملاحظاته التفصيلية على مسودة اتفاق الهدنة الإنسانية إلى مسعد بولس في ذات الصباح. وأكد أن هذه التعديلات لم تكن تعجيزية بل تضمنت جدولاً زمنياً معدلاً وواضحاً لانسحاب القوات من المرافق المدنية والمناطق السكنية لضمان نجاح الهدنة وعدم استغلالها ميدانياً.

وفيما يتعلق بالاتهامات الخطيرة الخاصة باستخدام الجيش لأسلحة كيميائية، رد الحارث نافياً هذه المزاعم جملة وتفصيلاً، وكشف أن الحكومة السودانية أظهرت أعلى درجات الشفافية والتعاون عندما سمحت لوفد فني أمريكي بزيارة السودان ميدانياً والطواف على أربع مناطق ثارت حولها الشبهات، مؤكداً أن واشنطن لم تقدم حتى الآن أي دليل مادي يثبت تلك التهم. وطالب المندوب السوداني بإحالة هذا الملف بالكامل إلى الجهات المختصة وعلى رأسها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لضمان حيادية التحقيق وعدم تسييسه واستخدامه كأداة للضغط السياسي والاقتصادي.

 

شروط البرهان

 هذا الحراك الدبلوماسي المحموم في نيويورك توازى مع تصعيد سياسي وعسكري كبير أطلقه قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان من الداخل السوداني. وخلال مخاطبته المصلين في مسيد الشيخ أبو قرون شرقي الخرطوم، وضع البرهان خطوطاً حمراء واضحة وشروطاً صارمة ومسبقة لأي عملية تفاوضية مستقبلاً مع قوات الدعم السريع، ممتصاً أي اندفاعة نحو الحلول السلمية غير المشروطة. ورهن البرهان الدخول في أي مفاوضات سياسية أو عسكرية بتفكيك قوات الدعم السريع بالكامل وتسليم سلاحها ومقارها للدولة.

وأكد البرهان في خطابه الحماسي أنه لا توجد حلول وسطى ولا مسارات رمادية في هذه المعركة، معتبراً أن الحل الوحيد المتاح هو القضاء التام على ما وصفه بالمليشيا المتمردة واستئصالها من كافة أنحاء السودان. وحذر من أن أي نهاية للحرب لا تضمن الانتصار الكامل للجيش والشعب ستعني عودة هذه القوات مجدداً للمشهد للانتقام والتنكيل بالسودانيين.

هاجم البرهان بشدة السياسيين الذين يطالبون بإصلاح أو تفكيك المؤسسة العسكرية، واصفاً إياهم بالمخذلين، ومؤكداً أن استراتيجية الجيش الحالية القائمة على الصبر وقضم قدرات العدو تحقق أهدافها بدليل استعادة السيطرة على أجزاء واسعة في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والخرطوم، متعهداً بطرد قوات الدعم السريع من دارفور وكردفان قريباً، ومعتبراً أن كل من يدعي الحياد في هذه المعركة الوجودية إنما يخذل الحق والشعب السوداني.

 

السودان ينفي رفض الهدنة

 تناغماً مع هذا الموقف ، سارعت وزارة الخارجية السودانية إلى إصدار بيان رسمي قوي رفضت فيه تصريحات مسعد بولس، ونفت بشكل قاطع أن تكون الحكومة قد رفضت مقترح الهدنة الإنسانية. وأكدت الخارجية أن وصف الموقف السوداني بالرفض هو أمر غير دقيق ويجافي حقيقة الواقع، مشيرة إلى أن الحكومة تعاملت بمسؤولية وإيجابية مع كل المبادرات الدولية الرامية لإنهاء الحرب وتخفيف المعاناة، وذكرت بمبادرتها الشاملة التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025، والتي ارتكزت على انسحاب قوات الدعم السريع من المدن ونزع سلاحها ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات كشرط أساسي لبدء حوار سوداني داخلي حول مستقبل الحكم. وشددت الخارجية على أن إنهاء الحرب يرتبط شرطياً بجدية المجتمع الدولي في وقف التدفقات والإمدادات العسكرية الخارجية من سلاح ومرتزقة التي تصل للدعم السريع، مطالبة العالم باتخاذ موقف حازم ودعم مؤسسات الدولة الشرعية في مواجهة ما وصفته بعدوان مباشر برعاية أجنبية.

 

الوضع الميداني في الأبيض

  على الأرض، عكست التطورات الميدانية مأساوية المشهد؛ حيث استمرت المعارك العنيفة وتصاعد الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان. وتعيش المدينة تدهوراً إنسانياً مريعاً جراء الاستهداف المستمر للبنى التحتية الحيوية من محطات مياه وكهرباء ومستودعات وقود، مما أدى إلى انقطاع الخدمات الأساسية وضيق معيشي حاد للمواطنين.

في مواجهة الانتقادات الدولية، بررت قوات الدعم السريع زيادة انتشارها العسكري في شمال كردفان وتكثيف عمليات جمع الضرائب والجبايات بأنها خطوات ضرورية لتأمين وحماية خطوط إمداد المساعدات الإنسانية والإغاثية للمدنيين. غير أن هذا التبرير قوبل برفض واستهجان دولي وإقليمي واسع، حيث عبرت العديد من المنظمات والأطراف الدولية عن مخاوفها الشديدة من أن يكون هذا الحصار والتصعيد العسكري مقدمة لتكرار الفظائع الإنسانية والانتهاكات الجسيمة والدمار الشامل الذي شهدته مدينة الفاشر في دارفور سابقاً.

 

الإجماع الدولي وفرض الهدنة

من الواضح أن هذه الملابسات الدبلوماسية والميدانية تشير إلى أن السودان يمر بمنعطف تاريخي خطير. الإجماع الدولي المتزايد، المتمثل في الضغوط الأمريكية الصارمة وتوظيف سلاح العقوبات الاقتصادية والتشغيلية النوعية، مدعوماً بالمرونة الصينية المستجدة والمواقف الدولية الموحدة داخل مجلس الأمن، يضع طرفي النزاع أمام مأزق سياسي حقيقي وضغوط غير مسبوقة.

ورغم أن القراءة الأولية تظهر تمسك قيادة الجيش بشروطها السقوفية العالية المتمثلة في تفكيك الدعم السريع قبل التفاوض، وتمسك الدعم السريع بخياراته الميدانية وتبريراته للحصار، إلا أن استمرار تضييق الخناق الدولي على شبكات الإمداد العسكري الخارجي وتجفيف الموارد المالية للطرفين قد يحدث تحولاً جوهرياً في موازين القوى. هذا الضغط الدولي المتصاعد قد يدفع نحو تطوير آليات رصد وإجبار دولية وإقليمية صارمة تتجاوز رغبة الطرفين، مما قد يضطرهما في نهاية المطاف للرضوخ والقبول بهدنة إنسانية حقيقية تكون مدخلاً إجبارياً للحل السياسي، نظراً لاستحالة استمرار الحرب في ظل عزلة دولية كاملة وانهيار اقتصادي داخلي.


خلاصات

1.    في الختام، يمكن القول أن جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة والمواجهة التي جرت فيها كشفت بوضوح عن اتساع الفجوة وتعارض الإرادات بين المجتمع الدولي الساعي لفرض تهدئة ووقف الحرب عبر مسارات الهدن الإنسانية والعقوبات الاقتصادية الزجرية، وبين الإرادة المحلية والإقليمية لأطراف النزاع المتمسكة بالخيار العسكري الصفري كطريق وحيد للحسم.

2.    وبينما تستغرق الآليات الدبلوماسية وأدوات الحصار الاقتصادي الدولي وقتاً طويلاً لتؤتي أكلها وتحدث تغييراً ملموساً على الأرض، يظل المواطن السوداني المغلوب على أمره هو الضحية الأولى والوحيدة في هذه المواجهة الوجودية.

3.    ومع استمرار المعارك وحصار المدن وتدمير البنى التحتية، يجد السودانيون أنفسهم في مواجهة كارثة إنسانية مرعبة ومجاعة وشيكة، تحول معها خريف البلاد من موسم للخير والنماء إلى مأساة حقيقية وخريف للغضب يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي وانهيار كيان الدولة السودانية برمتها والوصول بها إلى نقطة اللآعودة.