في يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة ، تصنيف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان منظماتٍ إرهابيةٍ، وأتبع ذلك قرار مشابه من الأرجنتين، بينما كشف تقرير حكومي فرنسي سابق في مايو 2025 عن انتشار "الإسلام السياسي" الذي ترعاه الجماعة وأنه يهدد القيم الأوروبية، حيث من المتوقع أن تعلن باريس الجماعة إرهابية أيضا. وهذه التطورات ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تشير إلى تحول استراتيجي عالمي قد يعيد تشكيل مستقبل الإخوان.

ماذا يستهدف التصنيف؟

جاء قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بتصنيف الفرع اللبناني والمصري والأردني للإخوان منظمة إرهابية أجنبية وكيانا إرهابيا عالميا، تنفيذاً للأمر الصادر في نوفمبر 2025، والذي يهدف إلى "القضاء على قدرات هذه الفروع التي تشكل تهديداً للولايات المتحدة". وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، التي رأت في تصريح إعلامي أن هذه الفروع تتظاهر بأنها منظمات مدنية، لكنها تدعم الإرهاب خلف الكواليس، مما يعرض العلاقات الأمريكية وحلفائها في المنطقة للخطر.

يستهدف هذا التصنيف (1) التمويل للجماعة، حيث يرى (معهد السياسة والمجتمع) في تحليل عن الإخوان في الأردن أنه سيؤدي إلى فرض عقوبات مالية صارمة، بما في ذلك تجميد الأصول ومنع الدعم المادي، ويجعل تقديم المساعدة لهذه الفروع جريمة جنائية.

وفي سياق منع التمويل أعلنت حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يوم 15 يناير 2026، تصنيف نفس الفروع (مصر، الأردن، لبنان) كمنظمات إرهابية، مستندة إلى تقارير توثق "أنشطتها غير القانونية". هذا القرار، الذي جاء بعد يوم واحد من الإعلان الأمريكي، يعزز آليات منع تمويل الإرهاب أيضاً، ويمنع أعضاء الجماعة من العمل بحرية في الأرجنتين. ويُرى كجزء من جهود مواجهة التهديدات الإسلامية المتطرفة.

كما يستهدف القرار (2) حماية القيم الغربية المهددة من قبل الإخوان الذين سيطروا على المراكز الدينية بحجة حماية الأقليات المسلمة، وأنشأوا مؤسسات فقهية ودعوية وفكرية لغرض السيطرة، وهذا وفق تقرير حكومي فرنسي، أعده مسؤولان كبار، في مايو 2025، تم التحذير فيه من انتشار أيديولوجيا الإخوان في فرنسا، واصفاً إياها بـ "تهديد طويل الأمد للوحدة الوطنية"، مشيرا إلى (مجلس مسلمي فرنسا) كفرع رئيسي، يخطط للتسلل إلى أوروبا عن طريق المدارس والمنظمات، والتحالف مع اليسار المتطرف، ومحددا أن هناك 139 مكان عبادة مرتبط بالجماعة، بالإضافة إلى 68 آخرين قريبين منها، مدعومين بأموال تركية وقطرية، وهو ما أوضحه تفصيليا (معهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية) في تقرير صدر في نوفمبر 2025، ذكر فيه أن الإخوان جزء من "خطة 100 عام" للتغلغل في المجتمعات الغربية، وأن التصنيف الأمريكي خطوة أولى لكنها غير كافية، ويجب أن تتبعها إجراءات لمنع استخدام الحريات الديمقراطية لأغراض معادية. ومتوقعا أن يؤدي ذلك إلى إضعاف شبكات الإخوان.

 

ورقة ضغط

ورغم أن تصنيف ترامب للجماعة جزئي، ويتضمن فروعا محددة، ويشير إلى أنه حتى الآن لا يرغب في تصنيف شامل لكل فروع الجماعة التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية صلات وثيقة في ملفات عديدة عبر سنوات طويلة فإن القرار (3) ورقة ضغط كي توافق الجماعة على شروطه، خاصة عدم دعم حماس، وتصيغ معه عقدا جديدا تستمر به علاقات التعاون بين الطرفين، فكلاهما يحتاج إلى الآخر؛ حيث أمريكا تحتاج الجماعة لابتزاز الأنظمة الوطنية، والجماعة بحاجة دائمة إلى الدولة العظمى التي من دونها لا تستطيع لعب دور فعال على مسرح الأحداث، وفق الباحث عمرو عبد الحافظ، في تصريحات إعلامية.

 

تأثيرات مستقبلية

يرى جواس واجيماكرز (أستاذ في جامعة أوتريخت، هولندا): في تحليل منشور في نوفمبر 2026 أن الإخوان تواجه مستقبلاً قاتماً، وأن هذا القرار والتقرير الفرنسي يشكّلان ضربة قاسية. كما يتوقع مركز السياسة والمجتمع أن هناك تأثيرات ستقع على جمعيات خيرية وشخصيات بارزة. ويرى فرصاً محدودة لإعادة التموضع السياسي خلال فترة الـ 75 يوماً للتقييم. وبالنسبة للجماعة، يعني ذلك انكماشاً في المساحات الآمنة، مع خطر انتشار الراديكالية بشكل أكبر.

ويرى الباحث مصطفى حمزة، وفق ما نشره في المركز العربي بالقاهرة أن التصنيف الأمريكي والأرجنتيني سيؤديان إلى تجميد الأصول المالية الإخوانية، ويؤدي إلى صعوبة في التمويل، خاصة أن الجماعة تعتمد على شبكات دولية لدعم فروعها. فيما أن هذا التصنيف سيجعل صورة الإخوان تهديداً أمنياً مستمراً، مما يحد من نفوذهم في أوروبا والأمريكيتين، ويفتح الباب لمزيد من التصنيفات في دول أخرى.

كما يرى الدكتور عماد أبو الرب، في مقال بالمركز الأوكراني للحوار أن الجماعة خاصة بآسيا ستخسر كثيرا بعد أن أدار لها الأمريكان ظهرهم؛ وبعد أن لفظتها معظم الدول العربية، فيما ستتأثر حركة قيادات الجماعة سلبا في الولايات المتحدة ودول أخرى متحالفة معها، وستتباطأ حركة التمويل، وربما تصادر بعض أموالها التي تمثل عصب نشاطها التنظيمي، وستوصم للمرة الأولى بالإرهاب في أمريكا وأوروبا الملاذ الآمن لها بعد أن فقدت الفاعلية في العديد من الدول.

ورغم كل أهداف القرار وتأثيراته على مركز وفروع الجماعة، فإن هناك صعوبات في تنفيذه، أولها معوقات إثبات الانتماء على مؤسسات ومنظمات تابعة للتنظيم العالمي، وكذا العديد من التحديات التي تواجه التطبيق الفعلي، أهمها عدم وجود تنظيم أو كيان قانوني أو غير قانوني يحمل اسم "الإخوان المسلمين" داخل العديد من الدول ومنها الولايات المتحدة، وإنما تمارس أنشطتها بشكل قانوني من خلال جمعيات ومؤسسات خيرية واجتماعية واقتصادية متبعةً استراتيجية التمكين الناعم، وهو ما يصعب عملية الحظر سوى في الفروع التي وردت بالقرار، وهي فروع محظورة فيها فعليا منذ سنوات. إضافة إلى احتمالية استمرار الصراع الشهير بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة بشأن التعامل مع الجماعة، حيث يتبع جهاز الأمن الداخلي FBI استراتيجية المواجهة حفاظًا على أمن المجتمع، بينما يفضل جهاز الاستخبارات CIA استراتيجية الاحتواء، حيث توظف هذه الجماعة كورقة في يد الولايات المتحدة لتنفيذ أهدافها في العديد من الدول التي بها فروع للتنظيم، ما عدا فروع دول الطوق مع إسرائيل.

خلاصة استشرافية

 نرى أن الجماعة، خاصة الفرع المصري لن تكون في عزلة أكبر لكن القرار سيجعلها ستتأثر اقتصاديًا لأن جزءًا كبيرًا من استثماراتها موجود في الداخل الأمريكي، كما أن عددًا من كوادرها في ملاذات أوروبية وآسيوية وإفريقية.

وخوفا من الأجهزة الأمنية الداخلية في أمريكا وأوروبا التي تعرف أنشطة الإخوان جيدًا، إضافة إلى قوة ترامب في تنفيذ قراراته المختلفة، ستتحول الجماعة جذريا في عملها اعتمادا على واجهات لا مركزية، لا تحمل اسمها: جمعيات خيرية، تعليمية، إغاثية، منصات إعلامية، وأنشطة رقمية. والانتقال من التنظيم الهرمي إلى الشبكات المرنة.

ويمكن أن يكون ما سبق يتطابق مع الرؤية التي تحدث عنها الإخوان أنفسهم يوم الأربعاء 14 يناير كانون الثاني 2026 في ندوة منتدى الحوار للثقافة، التابع للجماعة، بمدينة إستانبول، والذي ناقش قرار ترامب بحضور حلمي الجزار، نائب المرشد، وأنس التكريتي، عضو الأمانة العامة للتنظيم الدولي، حيث حاولوا تفكيك الأسس المعرفية والقانونية التي بني عليها قرار ترامب، واستهدفوا تقديم سردية لتهدئة الارتباك الداخلي، وأن تقسيم الإسلام السياسي إلى إسلام اجتماعي وسياسي واقتصادي سيواجه هذا القرار، وهو ما تحدث فيه الدكتور سامي العريان، رئيس مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم، داخل الندوة، وكيف يتحوّل التصنيف إلى أداة لهندسة المجال السياسي في الشرق الأوسط وفق أولويات تتداخل فيها المصالح الأمريكية مع حسابات إقليمية.

ويرى الباحث ديفيد أديسنيك، نائب رئيس قسم الأبحاث في مركز الدفاع عن الديمقراطية FDD الأمريكي، أن بعض الأعضاء قد يتحولون نحو الراديكالية، أو يعيدون تنظيم أنفسهم تحت أسماء جديدة لتجنب العقوبات. وقد تتحول الجماعة ذاتها إلى نموذج أكثر سرية وراديكالية، مما يعزز التهديدات الأمنية. ومع ذلك، إذا نجحوا في الطعن القانوني أو استغلال الخلافات السياسية (كما في الولايات المتحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين)، قد يحافظون على بعض النفوذ. وفي النهاية، يرى اعتماد التفكيك للإخوان بشكل تدريجي، حيث سيعتمد مستقبلهم على قدرتهم على التكيف مع عالم يرى في أيديولوجيتهم تهديداً للديمقراطية والاستقرار، مما يجعل 2026-2030 فترة حاسمة لتحديد ما إذا كانت الجماعة ستستمر كحركة سياسية أم تتحول إلى شبح إرهابي.

في الختام، ووفق عماد أبو الرب، فإن تصنيف ترامب يضعف الجماعة رسميًا لكنه لا يقضي عليها. والخطر الحقيقي في فروعها البعيدة، وليس في وجودها العلني فقط، بل قدرتها على التخفي، واستغلال الفراغات القانونية، والعمل عبر واجهات متعددة. والمواجهة الفعالة التي تتطلب تشريعات دقيقة، رقابة مالية ذكية، وتعاونًا إقليميًا مستمرًا، لا مجرد تصنيف سياسي.