بعد أن شهدت سوريا مؤخرًا تصعيدًا لافتًا تمثل في الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية قرب الحدود التركية، تحولت الساحة السورية المتشابكة إلى بؤرة مواجهة إقليمية خطيرة مع تصاعد مؤشرات الاحتكاك العسكري المباشر وغير المباشر بين تركيا وإسرائيل وسوريا، مدفوعة باستراتيجية المنع الإسرائيلية، ومحاولات أنقرة توسيع نفوذها العسكري شمالًا ووسطًا.

مظاهر الصدام المحتمل

قد لا يشير الموقف العسكري والسياسي الراهن إلى ترجيح الصدام الشامل بين الأطراف الثلاثة، لكن احتمالات المواجهة غير المباشرة والاحتكاكات الموضعية تظل قائمة نتيجة تداخل النفوذ، واستمرار العمليات العسكرية في الشمال والجنوب السوري، وتصاعد التوترات الإقليمية. وعلى الأغلب سوف يتشكل الصدام من خلال المظاهر التالية:

1)    حرب بالوكالة: من خلال هذا الطرح قد سوريا ميدانًا للصراع، فتركيا تدعم فصائل المعارضة المسلحة في الشمال، بينما تستهدف إسرائيل تمركزات النظام السوري والميليشيات الإيرانية وحزب الله في الوسط والجنوب. وبطبيعة الحال، فإن أي تغيير في خرائط السيطرة قد يدفع الأطراف للاصطدام.

2)    اشتباكات في مناطق التماس الإقليمي: قد يحدث صدام غير مقصود نتيجة خطأ في التقدير، مثل اعتراض الدفاعات الجوية السورية لمقاتلات إسرائيلية فوق مناطق قريبة من النفوذ التركي، أو سقوط قذائف إسرائيلية أو سورية داخل مناطق السيطرة التركية.

3)    الاشتباك البحري أو الجوي: تصاعد لغة العداء السياسية بين أنقرة وتل أبيب قد يترجم إلى مناوشات بحرية في شرق المتوسط، أو احتكاكات جوية فوق الأجواء اللبنانية أو السورية.

4)    استهداف الميليشيات الكردية: إن تركيا ترى في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تهديدًا لأمنها القومي، وقد ترى إسرائيل أيضًا في إضعاف هذه القوات التي تحظى بدعم أميركي فرصة لخلخلة الاستقرار واستهداف قوى أخرى، مما يخلق خلطًا في المصالح العسكرية على الأرض.

5)    توسيع الشريط الأمني: تقيم إسرائيل شريطًا أمنيًا عازلًا متدرج العمق داخل سوريا بمحاذاة الخط الفاصل لعام 1974 يصل عمقه إلى 12 كيلومترًا في بعض المناطق. ومع الأزمة الراهنة قد تقرر إسرائيل توسيعه للضغط على دمشق، وجعله جزءًا من معادلة الردع الإسرائيلية، بالعمل على تجريفه وتشكيله هندسيًا، وشق طرق عسكرية جديدة، وإقامة المزيد من قواعد ونقاط المراقبة والخنادق لمنع التموضع العسكري والمدني قرب الحدود.

تشير توقعات محللو معهد ستيمسون الأميركي إلى أن الصدام قد يتمحور حول محاولات إسرائيل منع تركيا من نشر منظومات دفاع جوي ورادارات متطورة داخل سوريا، لمنع مراقبة أنشطة سلاح الجو الإسرائيلي وتقييد حريته العملياتية. بينما يرى الخبير العسكري جورج نادر في حديثه لموقع المجلة أن الصدام لن يكون حربًا كلاسيكية، بل سيتمثل في تقييد حرية الحركة الجوية ومحاولات كبح النفوذ التركي في سوريا.

التداعيات المحتملة

إذا انزلقت الأطراف إلى مواجهة عسكرية، حتى وإن كانت محدودة، ستكون التداعيات كارثية على المستويات كافة:

أولًا: المستوى العسكري والأمني: ستؤدي أي مواجهة عسكرية بين الأطراف الثلاثة إلى انهيار قواعد الاشتباك التقليدية التي حافظت على توازنها طوال السنوات الماضية في سوريا، إذ سينجم عن الصدام تحول خطوط التماس الحالية إلى جبهات قتال مفتوحة، تفقد فيها القوى الدولية القدرة على ضبط إيقاع المعارك، مما يمهد الطريق لسيناريو مواجهة إقليمية شاملة تجبر قوى كبرى مثل روسيا وإيران على التدخل الميداني لحماية مصالحها الحيوية وقواعدها الإستراتيجية، الأمر الذي سينعكس على حركة الملاحة الجوية والبحرية في شرق المتوسط وتحويله إلى منطقة عمليات نشطة. وستؤدي هذه الفوضى إلى تشتيت جهود محاربة الإرهاب، مما يمنح داعش فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفه والسيطرة على مناطق جديدة وإحياء العمليات العابرة للحدود. كما سيفضي الصراع إلى تفكيك التفاهمات الأمنية المتعلقة بإدارة السجون التي تضم آلاف المقاتلين المتطرفين وعائلاتهم في الشمال السوري، بالإضافة إلى إشعال نزاعات مسلحة موازية بين الفصائل المعارضة وقوات قسد، ما يحول الجغرافيا السورية من صراع بالوكالة إلى ساحة فوضى مستدامة.

ويؤكد ذلك ما ذكره داني سيترينوفيتش، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، لصحيفة معاريف، من أن استمرار الغارات الإسرائيلية قد يجر تل أبيب إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أنقرة، وهي مواجهة ذات مستوى استراتيجي مختلف تمامًا، لأن تركيا عضو في الناتو، وليست كإيران، وتمتلك قدرات أضخم وأكثر تطورًا من أي خصم واجهته إسرائيل عسكريًا في العقود الأخيرة.

ثانيًا: المستوى الجيوسياسي: ستفجر المواجهة أزمة دولية معقدة تبدأ بالانهيار الكامل للعلاقات التركية الإسرائيلية والدخول في حقبة قطيعة ديبلوماسية ممتدة، كما ستضع حلف الناتو في مأزق تاريخي وأمني غير مسبوق، حيث ستجد بروكسل وواشنطن أنفسهما أمام معضلة المادة الخامسة للدفاع المشترك إذا تعرضت تركيا لضربات مضادة، وهو سيناريو تتجنبه القوى الغربية لعدم الرغبة في الصدام مع إسرائيل. على الجانب الآخر، ستؤدي هذه المواجهة إلى تصفية ما تبقى من توازنات القوى في سوريا، والإجهاز على فرص الحل السياسي للأزمة الداخلية السورية وتكريس تقسيم البلاد إلى كانتونات معزولة تخضع لوصايات دولية متناحرة، مما يعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط على أسس من عدم الاستقرار الدائم.

يرى معاذ العبد الله، المحلل في موقع تعقب النزاعات المسلحة ACLED ، أن إسرائيل في كافة الأحوال، ستحاول فرض معادلة جيوسياسية جديدة تمنع الترسخ التركي في سوريا. وإذا حدث ذلك بالقوة العسكرية ستتحول المنافسة السياسية الإقليمية بين الدولتين إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

ثالثًا: المستوى الاقتصادي والإنساني: قد يتسبب هذا الصدام في كارثة إنسانية غير مسبوقة عبر تفجير موجات نزوح ملايين المدنيين السوريين نحو الحدود التركية والمنافذ البحرية، مما يفرض ضغوطًا هائلة على دول الجوار ويعيد إحياء أزمة اللجوء. كما سيؤدي الصراع إلى شلل تام في حركة الملاحة والتجارة بشرق المتوسط، وتوقف مشروعات التنقيب عن الغاز والنفط، مما يدفع أسعار الطاقة العالمية نحو الارتفاع ويضاعف من تكاليف التأمين البحري، فضلًا عن تعميق الأزمات المعيشية لسكان المنطقة بسبب انهيار شبكات الإمداد.

آليات واشنطن لمنع الصدام

من المعروف أن واشنطن تمتلك شبكة معقدة من المصالح مع الأطراف الثلاثة، فهي حليفة لإسرائيل، وشريكة لتركيا في الناتو، وموجودة عسكريًا في سوريا، ولديها العديد من الآليات التي يمكنها منع الانفجار. فقد تقوم بتفعيل غرف عمليات لمنع الاحتكاك بين الجيشين التركي والإسرائيلي فوق الأجواء السورية، وتحديد مسارات الطيران. وبطبيعة الحال، يدعم الموقف الحالي حالة الإبقاء على القوات الأميركية شرق الفرات كقوة عازلة تمنع تمدد النظام السوري أو الميليشيات الإيرانية، وتكبح في الوقت نفسه أي اجتياح تركي واسع قد يخل بالتوازنات ويستفز إسرائيل أو روسيا، فضلًا عن استخدام واشنطن لثقلها السياسي كوسيط لنزع فتيل أي توتر فوري، والضغط على القيادتين في أنقرة وتل أبيب لتجنب التصعيد.

كما تمتلك واشنطن أوراق ضغط اقتصادية قوية، كالعقوبات ضد سوريا، وصفقات التسليح مع تركيا، والمساعدات العسكرية لإسرائيل، يمكن استخدامها كحوافز أو أدوات ردع لمنع اتخاذ قرارات عسكرية أحادية. بالإضافة إلى التنسيق مع موسكو، ورعاية تفاهمات أميركية روسية غير مباشرة لضبط سلوك سوريا، وضمان عدم قيامها بأي خطوة استفزازية تجاه تركيا أو إسرائيل قد تشعل الحرب.

وقد كشف مسؤولون في الإدارة الأميركية لأكسيوس، أن البيت الأبيض عبر عن غضبه الشديد من الغارات الإسرائيلية المفاجئة في سوريا دون تنسيق مسبق. وأنها تضغط حاليًا عبر قنواتها السياسية لفرض ضبط النفس على تل أبيب ومنع فتح جبهة إقليمية جديدة تؤثر على الاستراتيجية الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط.

وهكذا، يمكن الجزم بأن الصدام المباشر يظل مستبعدًا لأن تكلفته تفوق مكاسبه لجميع الأطراف. وأن الآليات الأميركية قد تنجح في حصر الصراع داخل قواعد الاشتباك المعروفة، وضمن جغرافيا سورية محددة، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة..