في 20 أغسطس هذا العام نشرت مجلة «إيكونوميست»  مقالا حول كيفية قياس العوائد من الذكاء الاصطناعي، جاء فيه: في البداية، ظهر الذكاء الاصطناعي، ففقد المدراء في كل مكان صوابهم وأصرّوا على ضرورة استخدام الجميع لهذه التقنية، بغض النظر عن مدى فائدتها أو تكلفتها. واستحدثوا قوائم لتصنيف الأداء (لوحات الصدارة) وبالفعل، ارتفعت معدلات الاستخدام. ثم تذكر هؤلاء المدراء مفاهيم أساسية للغاية -مثل "الميزانيات"- وأدركوا أن الفكرة ربما لم تكن بتلك الروعة في نهاية المطاف. وحينها، طُرح سؤال مختلف في قاعات اجتماعات مجالس الإدارة؛ سؤالٌ تمحور حول العوائد، وكان الإجابة عنه أكثر صعوبة.

 

مأزق إداري

يكشف المقتطف المنسوب إلى مجلة «إيكونوميست» عن مأزق إداري يتجاوز الذكاء الاصطناعي نفسه: كيف تتحول التكنولوجيا الواعدة من وسيلة لتحسين الأداء إلى غاية تتسابق المؤسسات لإثبات تبنيها؟ ففي المرحلة الأولى، طغى الانبهار بقدرات الأدوات الجديدة والخوف من التأخر عن المنافسين، فأصبح الاستخدام مؤشراً على الحداثة والكفاءة. لكن عودة الميزانيات إلى واجهة النقاش كشفت فجوة بين انتشار التقنية وقدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية. ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب: ما الذي كسبته المؤسسات بالفعل مقابل الأموال والوقت والجهد التي أنفقتها؟

تكمن المفارقة في أن بعض الإدارات بدأت بالإجابة قبل تحديد السؤال. فقد اشترت الأدوات، ووسعت الاشتراكات، وطالبت الموظفين باستخدامها، قبل تعريف المشكلات التي يفترض أن تعالجها. وهذا يقلب منطق الاستثمار الرشيد؛ إذ تنطلق المؤسسة عادة من حاجة واضحة، ثم تبحث عن الحل الأنسب. أما عندما يصبح تبني الذكاء الاصطناعي هدفاً مستقلاً، فإن المشكلات تُختار أحياناً لتبرير الأداة الموجودة، ويغدو نجاح المشروع مرتبطاً بقدرته على إظهار النشاط أكثر من تحسين النتائج.

 

بين التفاعل وجودة العمل

تجسد لوحات الصدارة هذا الخلل عندما ترتب الموظفين وفق كثافة استخدام الأدوات أو عدد الطلبات المرسلة إليها. فهذه المقاييس تكشف مستوى التفاعل، لكنها لا تثبت جودة العمل أو جدواه. وقد يستخدم موظف الأداة عشرات المرات لإنتاج نتيجة متواضعة، بينما يحقق آخر نتيجة أفضل باستخدام محدود ومدروس. وحين ترتبط المكافآت بالمؤشر، يتعلم الموظفون تحسينه، فتزداد الطلبات والمخرجات وربما النفقات، من دون زيادة مماثلة في القيمة. عندئذ تقيس المؤسسة امتثال العاملين للتوجيه الإداري أكثر مما تقيس إنتاجيتهم.

يرى مقال بعنوان : قياس أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على الإنتاجية نشره المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية: لا يعني ضعف القياس أن العوائد وهمية. فقد وجدت دراسة لباحثين، نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عام 2023، أن إتاحة مساعد توليدي لموظفي خدمة العملاء رفعت الإنتاجية بنحو 14% في المتوسط، وفق عدد المشكلات المحلولة في الساعة، وكانت الاستفادة أكبر لدى الأقل خبرة ومهارة. وتوضح هذه النتيجة إمكان تحقيق مكاسب فعلية عندما تتلاءم الأداة مع المهمة. لكنها لا تقدم نسبة جاهزة يمكن تعميمها على المؤسسات والمهن؛ فالعائد يتأثر بطبيعة العمل وخبرة المستخدمين وكيفية دمج التقنية.

 

الحذر من الانطباعات الذاتية

وتؤكد تجربة أخرى ضرورة الحذر من الانطباعات الذاتية. ففي دراسة عشوائية نشرتها مؤسسة «METR» في يوليو 2025، استغرق مطورون متمرسون وقتاً أطول بنسبة 19% عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهام ضمن مشروعات يعرفونها جيداً، رغم اعتقادهم أنها سرعت عملهم. وهذه نتيجة تخص عينة وسياقاً وأدوات تعود إلى أوائل 2025، وليست حكماً على جميع استخدامات البرمجة. وتكمن أهميتها هنا في إظهار أن الشعور بالسهولة أو السرعة قد يختلف عن الأداء المقاس فعلياً.

لذلك، ينبغي أن يبدأ قياس العائد بتحديد خط أساس يصف الأداء قبل إدخال التقنية: كم تستغرق المهمة؟ وما تكلفتها؟ وما معدل الأخطاء؟ وما مستوى رضا المستفيدين؟ ثم تُجرى مقارنة بعد التطبيق، ويفضل الاستعانة بمجموعات متشابهة، مع إتاحة الأداة لبعضها دون الآخر متى أمكن. أما المقارنة البسيطة بين فترتين فقد تنسب إلى الذكاء الاصطناعي تحسناً ناتجاً عن التدريب أو تغير الطلب أو إعادة التنظيم. وكلما كانت المقارنة أكثر انضباطاً، أصبحت قرارات التوسع أو التوقف أكثر استناداً إلى الأدلة.

وتظهر هنا مشكلة شائعة تتمثل في مساواة الوقت الموفر بالمال المكتسب. فإذا اختصر الموظف ساعتين من إعداد تقرير، فإن المؤسسة امتلكت وقتاً يمكن استثماره، لكنها لم تحقق بالضرورة وفراً نقدياً. يتحول هذا الوقت إلى عائد عندما يسمح بزيادة الإنتاج المطلوب، أو تحسين الخدمة، أو تقليل العمل الإضافي، أو تجنب نفقات كانت ستُدفع. أما إذا بقيت الطاقة المحررة بلا استخدام، فإن ضرب الساعات الموفرّة في أجور الموظفين يعطي تقديراً لقيمتها المحتملة، وليس دليلاً على تحقق أرباح فعلية.

كما ينبغي احتساب التكلفة الكلية، بما يتجاوز رسوم الاشتراك. فهناك نفقات دمج الأنظمة، وتنظيم البيانات، والتدريب، والدعم الفني، ومراجعة المخرجات، ومعالجة الأخطاء. وقد تكون الأداة رخيصة ظاهرياً، لكنها تستدعي إشرافاً بشرياً كثيفاً يقلص مكاسبها. وفي مثال افتراضي، إذا بلغت المنافع المالية المتحققة سنوياً 150 ألفاً، والتكاليف المرتبطة بها 100 ألف، فإن صافي المنفعة يبلغ 50 ألفاً، والعائد على التكلفة 50%. وتتوقف صدقية هذا الحساب على شمول النفقات وإثبات المنافع خلال الفترة نفسها.

 

الجودة والسرعة

لا تقل الجودة أهمية عن السرعة في هذه المعادلة. فقد تنتج المؤسسة تقارير ورسائل أكثر، لكنها تضطر إلى قضاء وقت إضافي في تصحيح المعلومات ومراجعة الاستنتاجات. وربما تنتقل التكلفة إلى أقسام أخرى تتولى التدقيق أو معالجة شكاوى العملاء، فتبدو الوحدة المستخدمة للتقنية أكثر كفاءة بينما تتحمل المؤسسة عبئاً أكبر. ولذلك يصبح قياس تكلفة المهمة المكتملة والمقبولة أكثر فائدة من قياس تكلفة المسودة الأولى. ويجب أن تدخل إعادة العمل والأخطاء المتأخرة ضمن التقييم، حتى لا تُسجل المكاسب مبكراً وتُهمل خسائرها اللاحقة.

كذلك تتفاوت العوائد بحسب موقع الاستخدام داخل سلسلة العمل. فتسريع كتابة مسودة لا يختصر دورة الإنتاج كاملة إذا ظلت الموافقات تمر عبر إجراءات بطيئة. وقد يؤدي توسيع الإنتاج الأولي إلى تراكم الملفات أمام المراجعين، فتنتقل نقطة التعطل إلى مرحلة لاحقة. ومن ثم، تتطلب الاستفادة إعادة النظر في توزيع المسؤوليات وتسلسل الإجراءات، وتحديد المراحل التي تقيد الإنجاز. فالتحسن المحلي في مهمة واحدة لا يتحول تلقائياً إلى تحسن شامل، ما لم تستطع بقية المنظومة استيعابه والاستفادة منه.

لكن الانضباط المالي لا يقتضي مطالبة كل تجربة بعائد فوري. فبعض الاستثمارات يهدف إلى بناء المعرفة، وتطوير مهارات العاملين، وتجهيز البيانات لاستخدامات لاحقة. ويمكن قبول هذه النفقات بوصفها استثماراً في قدرات مستقبلية، بشرط تحديد غرضها ومدتها ومعايير تقييمها. أما استخدام عبارة «القيمة الاستراتيجية» لتبرير الإنفاق المفتوح، فيعيد إنتاج المشكلة الأصلية. والتوازن المطلوب هو منح التجارب مساحة للتعلم، مع وضع نقاط مراجعة واضحة تسمح بتعديلها أو إنهائها إذا لم تحقق تقدماً مقنعاً.

 

خلاصات

1.    يظل العامل البشري مؤثراً في صدقية النتائج. فإذا اعتقد الموظفون أن كل تحسن سيؤدي مباشرة إلى الاستغناء عنهم، فقد يترددون في مشاركة خبراتهم أو الكشف عن الوقت الذي توفره الأدوات. وإذا شعروا بأن كثرة الاستخدام شرط للترقي، فقد يبالغون في الإبلاغ عن فوائده. ولذلك تحتاج المؤسسة إلى حوافز تشجع الوصف الصادق للتجربة، وإشراك العاملين في اختيار المهام المناسبة، وتدريبهم على التحقق من المخرجات. فالمستخدمون مصدر أساسي لفهم القيمة، لكن شهاداتهم تحتاج إلى مقارنتها ببيانات الأداء.

2.    تشير هذه الاعتبارات إلى أن السؤال عن عوائد الذكاء الاصطناعي هو أيضاً اختبار لجودة الإدارة. فالمؤسسة التي لا تعرف تكلفة عملياتها ولا تقيس جودة خدماتها ستجد صعوبة في معرفة أثر أي تقنية جديدة. والانتقال من حمى الاستخدام إلى اختبار القيمة يتطلب أهدافاً محددة، وتجارب قابلة للمقارنة، وحساباً شاملاً للتكاليف، واستعداداً لإيقاف التطبيقات الضعيفة وتوسيع الناجحة. وعندها تصبح التقنية جزءاً من استراتيجية إنتاج واضحة، وتُقاس أهميتها بما تضيفه إلى العمل وجودته وقدرة المؤسسة على خدمة احتياجاتها الفعلية.