يعكس الاستقبال الحافل الذي خصّ به الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ في البيت الأبيض رغبة مشتركة في احتواء التوتر بين القوتين، لكنه لا يكفي لإعلان تحول استراتيجي في علاقاتهما. فخلف خطاب الصداقة والتعاون، تتواصل المنافسة على التكنولوجيا والأسواق والنفوذ الدولي. وتكتسب القمة أهميتها من محاولة وضع قواعد لإدارة هذا التنافس، في مرحلة تتشابك فيها المخاطر التجارية مع تطورات الذكاء الاصطناعي والأزمات الإقليمية. ولذلك، يبدو معيار نجاحها الأقرب إلى الواقع هو قدرتها على منع الخلافات من التحول إلى مواجهة مفتوحة، وبناء تفاهمات محدودة قابلة للاستمرار والتنفيذ.

 

اختلاف في تعريف الاستقرار

تكشف مواقف الزعيمين عن اختلاف في تعريف الاستقرار المنشود. فترامب يركز على العلاقة الشخصية والإنجازات التي يمكن تقديمها بوصفها مكاسب اقتصادية وسياسية، بينما يشدد شي على مسؤولية الدول الكبرى وتعزيز التواصل وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية. ويوحي ذلك بأن بكين تسعى إلى إطار أكثر انتظاماً للعلاقات، فيما تفضل واشنطن الاحتفاظ بمرونة التفاوض والضغط. ومع ذلك، يتقاطع الطرفان عند الحاجة إلى تجنب صدمات اقتصادية وأمنية يصعب التحكم في تداعياتها، وهو تقاطع يوفر أرضية للتهدئة، دون أن يزيل التعارض بين مشروعيهما للقوة والنفوذ.

يمثل تمديد الهدنة التجارية حتى يناير 2027 أبرز تعبير عملي عن هذه المصلحة المشتركة. فالتمديد يمنح الشركات والأسواق قدراً من القدرة على التخطيط، ويخفف احتمال العودة الفورية إلى التصعيد الجمركي الشامل. لكنه يظل إجراءً مؤقتاً يؤجل اختبار الخلافات الأساسية بشأن النفاذ إلى الأسواق والسياسات الصناعية والتوازن التجاري. ومن منظور تقديري، تعكس المدة المحدودة رغبة في الإبقاء على الضغط المتبادل، وربط استمرار التهدئة بما يراه كل طرف تقدماً في تنفيذ الالتزامات. ولذلك، يصعب اعتبار الهدنة مقدمة تلقائية لتسوية تجارية واسعة.

 

معضلة التجارة

وتكمن معضلة التجارة في أن الطرفين يريدان الاستفادة من الترابط الاقتصادي وتقليص مخاطره في الوقت نفسه. فالصين تحتاج إلى أسواق مستقرة لتصريف منتجاتها، بينما تستفيد الولايات المتحدة من سلاسل إنتاج يصعب استبدالها سريعاً. غير أن الاعتبارات الأمنية تدفع كليهما إلى تنويع الموردين وتعزيز الإنتاج المحلي. والأرجح أن تتجه العلاقة نحو انفتاح انتقائي في السلع الأقل حساسية، بالتوازي مع تشدد في القطاعات الاستراتيجية. وهذا المسار يسمح باستمرار التجارة، لكنه يجعلها أكثر تعرضاً للقرارات السياسية، ويرفع تكاليف الامتثال والاستثمار والتحوط لدى الشركات العاملة بين السوقين.

 

ملف الذكاء الاصطناعي

وفي ملف الذكاء الاصطناعي، تتداخل فرصة التعاون مع أكثر ساحات المنافسة حساسية. فدعوة شي إلى الرقابة البشرية تفتح مجالاً للتفاهم حول مخاطر الاستخدام وفقدان السيطرة، لكنها لا تعني استعداد الصين لقبول ترتيبات تكرس تفوق الولايات المتحدة. وبالمثل، يمكن لواشنطن تأييد قنوات للإبلاغ عن الحوادث الخطرة، مع استمرار القيود على وصول الصين إلى التقنيات المتقدمة. وقد طُرحت بالفعل مناقشات بشأن آلية للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يوضح إمكان الفصل الجزئي بين إدارة المخاطر المشتركة والصراع على القدرات.

والتقدير الأقرب أن التعاون الممكن سيتركز في إجراءات محددة، مثل قنوات الاتصال وقت الأزمات وتبادل المعلومات عن حوادث ذات آثار عابرة للحدود، أكثر من اتفاق شامل يحكم تطوير النماذج. فالتفاهم على المبادئ أسهل من الاتفاق على تعريف المخاطر وآليات التحقق والالتزام. كما أن كل طرف سيخشى استخدام ترتيبات السلامة للوصول إلى معلومات حساسة أو تقييد تقدمه التقني. ومن ثم، ينبغي قياس نتائج الحوار بوجود مؤسسات وإجراءات متابعة واضحة، لا بمجرد توافق لغوي على ضرورة تطوير ذكاء اصطناعي آمن يخدم البشرية.

 

ملف المعادن النادرة

أما المعادن النادرة، فتجسد اعتماداً متبادلاً غير متكافئ يمنح بكين نفوذاً تفاوضياً ملموساً. وتتجاوز القوة الصينية امتلاك الخامات إلى قدرات المعالجة والتكرير وتصنيع مدخلات يصعب تعويضها سريعاً. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية شدة تركز معالجة المعادن الاستراتيجية في الصين، بما يجعل اضطراب الإمدادات تحدياً صناعياً واسعاً. لذلك، فإن الخلاف بشأن تدفق الصادرات يرتبط بقدرة واشنطن على تأمين صناعاتها الدفاعية والتكنولوجية، وبقدرة بكين على توظيف موقعها الصناعي في مواجهة القيود الأميركية.

لكن هذه الورقة تحمل حدوداً لاستخدامها. فالتشدد الصيني الواسع قد يدفع الولايات المتحدة وشركاءها إلى تسريع البدائل وزيادة الاستثمار في التكرير وإعادة التدوير، بما يضعف النفوذ الصيني تدريجياً. وفي المقابل، لا تستطيع واشنطن افتراض أن تنويع الإمدادات سيحقق نتائج فورية، نظراً إلى متطلبات التمويل والخبرة والوقت. ولهذا، تبدو الترتيبات الجزئية الخاصة بالتراخيص والكميات ومواعيد التسليم أكثر واقعية من تسوية نهائية. وستكون استمرارية الإمدادات الفعلية مؤشراً أدق على متانة التهدئة من الإعلانات العامة عن التعاون أو التعهدات غير المرتبطة بآليات تنفيذ واضحة.

 

تعقيدات الملف الإيراني

وفي الشرق الأوسط، يضيف الملف الإيراني بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية. فواشنطن تراهن على قدرة الصين على التأثير في حسابات طهران، مستندة إلى الروابط الاقتصادية وتجارة النفط. غير أن امتلاك النفوذ لا يعني القدرة على فرض القرار الإيراني، ولا الاستعداد لتحمل كلفة الضغط دون مقابل. وتملك بكين مصلحة في استقرار إمدادات الطاقة والملاحة، لكنها ستحاول حماية علاقاتها الإقليمية وتجنب الظهور طرفاً ينفذ مطالب أميركية. ومن ثم، قد يكون دورها الأكثر قابلية للتحقق تشجيع التهدئة وتسهيل التواصل، ضمن جهود دبلوماسية أوسع، بدلاً من التعهد بإنهاء الحرب.

 

تايوان.. الملف الأكثر تعقيدا

وتبقى تايوان الملف الأشد قدرة على تقويض أي تقدم في الملفات الأخرى. فبكين تنظر إليها باعتبارها قضية سيادة، بينما ترتبط السياسة الأميركية تجاهها باعتبارات الردع ومصداقية واشنطن أمام حلفائها، فضلاً عن الإطار القانوني لتوفير وسائل الدفاع الذاتي للجزيرة. وينص قانون العلاقات مع تايوان على إتاحة أسلحة ذات طبيعة دفاعية، وهو ما يجعل أي تغيير جوهري في هذا المسار أكثر تعقيداً من تفاهم شخصي بين الرئيسين. لذلك، فإن مساحة التسوية هنا أضيق بكثير من مساحة المقايضة التجارية.

ويزيد الخطر عندما يقرأ أحد الطرفين إشارات الآخر بصورة مفرطة في التفاؤل. فقد تفسر بكين تأجيل قرار تسليحي باعتباره تحولاً دائماً، بينما تعتبر واشنطن خفضاً مؤقتاً للنشاط العسكري الصيني التزاماً طويل الأمد. وتبرز هنا أهمية وضوح الرسائل وقنوات الاتصال العسكرية، مع تجنب ربط استقرار المضيق بمساومات اقتصادية سريعة. فأي حادث ميداني أو خطوة سياسية محسوبة بصورة خاطئة يمكن أن ينقل العلاقة من تفاوض تجاري قابل للضبط إلى أزمة أمنية تتداخل فيها اعتبارات السيادة والردع والضغوط الداخلية على القيادتين.

 

سيناريو التنافس المنضبط

بناءً على ذلك، يبدو سيناريو التنافس المنضبط الأكثر ترجيحاً في المدى القريب: استمرار الهدنة التجارية، وتفاهمات محدودة بشأن الإمدادات والسلامة التقنية، مع بقاء القيود الاستراتيجية. ويظل التقارب الأوسع احتمالاً مشروطاً بانتظام تنفيذ الالتزامات وتراجع المخاوف الأمنية. أما العودة إلى التصعيد فتظل ممكنة إذا تعطلت الإمدادات أو توسعت القيود التكنولوجية أو تفجرت أزمة حول تايوان. وستحدد المفاضلة بين هذه المسارات مؤشرات عملية، أبرزها انتظام التراخيص التجارية، واستمرار الحوار التقني والعسكري، وطبيعة القرارات الأميركية والصينية التالية للقمة. وعليه، تؤسس الزيارة فرصة لإدارة الخصومة بكلفة أقل، بينما يبقى تحولها إلى استقرار مستدام رهناً ببناء ترتيبات تستطيع الصمود أمام الأزمات وتبدل الحسابات السياسية.