أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ غارات جوية على "أهداف عسكرية" في غرب إيران ووسطها بعدما أطلقت الجمهورية الإسلامية صواريخ في اتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل.  وكان موقع "أكسيوس" الأميركي نقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ليطلب منه عدم الردّ على الصواريخ الإيرانية.

طهران قالت إن صواريخها ردّ على قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله المتحالف مع إيران، في اليوم المئة من الحرب في الشرق الأوسط. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان مقتضب "شنّ سلاح الجو الإسرائيلي قبل قليل غارات على أهداف عسكرية. فرانس برس

 

مرحلة جديدة من التوتر

أعلاه بدايات مرحلة خطيرة جديدة من التوتر بعد تبادل الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل، في تطور يعكس هشاشة وقف إطلاق النار القائم منذ الثامن من أبريل الماضي ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الإقليمي. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية في غرب إيران ووسطها، وذلك بعد ساعات من إطلاق إيران عدداً من الصواريخ باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ.

جاءت الضربة الإيرانية رداً على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الرئيسي لحزب الله، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. ومن خلال هذا الرد، سعت طهران إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أنها لن تسمح باستهداف حلفائها الإقليميين دون رد، وأن أمن حزب الله بات جزءاً من معادلة الردع التي تحاول فرضها في المنطقة. وفي المقابل، اعتبرت إسرائيل أن الهجوم الإيراني يمثل تجاوزاً جديداً للخطوط الحمراء، مؤكدة أنها ستواصل الرد على أي تهديد يستهدف أمنها.

 

عودة الصدام المباشر 

ورغم أن المواجهة الحالية تبدو محدودة نسبياً من حيث حجم العمليات العسكرية، فإن خطورتها تكمن في كونها أعادت الصدام المباشر بين إيران وإسرائيل إلى الواجهة بعد فترة من الهدوء النسبي. فالرد الإيراني تم عبر إطلاق صواريخ مباشرة، بينما جاء الرد الإسرائيلي من خلال غارات داخل الأراضي الإيرانية نفسها، وهو ما يعكس تصعيداً نوعياً يختلف عن المواجهات غير المباشرة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.

في الوقت ذاته، برزت الولايات المتحدة كلاعب يسعى إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة. فقد نقلت تقارير إعلامية أميركية عن الرئيس دونالد ترامب عزمه التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحثه على عدم تنفيذ ردود إضافية ضد إيران. ويعكس هذا الموقف رغبة الإدارة الأميركية في الحفاظ على مسار المفاوضات الجارية مع طهران، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن قرب التوصل إلى اتفاق جديد بين الطرفين.

 

نسف الجهود الدبلوماسية 

وتدرك واشنطن أن أي مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل قد تؤدي إلى نسف الجهود الدبلوماسية الحالية، فضلاً عن تداعياتها المحتملة على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. ولهذا السبب تسعى الإدارة الأميركية إلى إقناع جميع الأطراف بالاكتفاء بالضربات المتبادلة الحالية وعدم توسيع نطاق العمليات العسكرية.

من جانبها، تحاول إيران تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على صورتها كقوة إقليمية قادرة على الردع وبين تجنب الدخول في حرب مفتوحة قد تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية. كما أن طهران تدرك أن استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة يمنحها فرصة لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية قد تكون أكثر أهمية من أي تصعيد عسكري واسع النطاق.

أما إسرائيل فتجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي لا تريد أن تظهر بمظهر المتهاون أمام الهجمات الإيرانية، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الانخراط في حرب شاملة مع إيران قد يفتح جبهات متعددة في المنطقة ويضعها أمام تحديات أمنية وعسكرية كبيرة. لذلك يبدو أن تل أبيب تفضل في هذه المرحلة توجيه ضربات محسوبة تستهدف تعزيز الردع دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل.

 

مخاوف من احتمال توسع المواجهة

وتعكس الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول المنطقة، مثل إغلاق المجالات الجوية في إيران والعراق وسوريا، حجم المخاوف من احتمال توسع المواجهة. كما أن استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية يزيد من احتمالات حدوث تطورات غير محسوبة قد تدفع جميع الأطراف إلى دائرة تصعيد أوسع.

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في احتواء الأزمة ضمن إطار الردود العسكرية المحدودة، مع استمرار الجهود الأميركية لإعادة التركيز على المسار التفاوضي. ومع ذلك، فإن بقاء أسباب التوتر دون معالجة حقيقية، واستمرار المواجهات في لبنان، يعني أن المنطقة ستظل عرضة لاندلاع جولات جديدة من التصعيد في أي لحظة.

وبين الرغبة في تجنب الحرب والحاجة إلى الحفاظ على معادلات الردع، تقف المنطقة اليوم أمام اختبار جديد قد يحدد شكل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، ويكشف ما إذا كانت الأطراف المعنية قادرة على احتواء الأزمة أم أن الشرق الأوسط يتجه نحو فصل جديد من المواجهات المفتوحة.

 

سيناريوهات محتملة للأزمة

في ضوء التطورات الأخيرة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

السيناريو الأول: احتواء التصعيد والعودة إلى التهدئة

يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل الضغوط الأميركية الواضحة على إسرائيل، وحرص إيران على عدم تعريض مسار المفاوضات مع واشنطن للخطر. ووفق هذا السيناريو، تكتفي الأطراف بالضربات التي تم تنفيذها بالفعل، مع استمرار التوتر السياسي والتلويح بالردع دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. كما قد تشهد الفترة المقبلة تكثيفاً للجهود الدبلوماسية بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تكرار الهجمات المتبادلة.

السيناريو الثاني: تصعيد محدود ومواجهات متقطعة

يقوم هذا السيناريو على استمرار سياسة "الرد مقابل الرد"، بحيث تنفذ إسرائيل ضربات إضافية ضد أهداف مرتبطة بإيران أو حلفائها، بينما ترد طهران عبر إطلاق صواريخ أو من خلال أذرعها الإقليمية. وفي هذه الحالة ستبقى المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة، لكنها ستؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة، مع ارتفاع المخاطر على الملاحة الجوية والبحرية وأسواق الطاقة.

السيناريو الثالث: الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة

يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأخطر، وإن كان الأقل ترجيحاً في الوقت الراهن. وقد يتحقق في حال وقوع خسائر بشرية كبيرة نتيجة الضربات المتبادلة أو استهداف منشآت استراتيجية داخل إيران أو إسرائيل، أو في حال دخول أطراف إقليمية ودولية أخرى على خط المواجهة. وفي هذه الحالة قد تمتد العمليات العسكرية إلى عدة جبهات في المنطقة، بما في ذلك لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر، الأمر الذي ستكون له تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.