قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام ، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أضر البلاد أكثر مما أفادها معتبراً وإن العلاقة الحالية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ليست كافية لضمان النمو والازدهار على المدى. قال أيضا إن البريكست لم يمنح بريطانيا السيطرة التي كان مؤيدوه يتوقعونها وأن البلاد فقدت جزءاً من السيطرة على الاقتصاد والهجرة.

أضاف بيرنهام بأن عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي قد تكون أحد الخيارات من بين أخرى لمستقبل العلاقة الثنائية. وكان رئيس الوزراء البريطاني أعلن في خطاب خلال مؤتمر حزب العمّال في ليفربول ، إنّه يريد تقديم "خيارات مختلفة" للعلاقات طويلة الأمد مع الاتحاد الأوروبي قي قمة من المقرّر عقدها قبل نهاية العام. وردا على سؤال من راديو "بي بي سي 4" ، قال "تشمل الخيارات التي يمكن النظر فيها الآن الانضمام إلى السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، أو يمكننا الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك".

 

مراجعة البريكست

تقول فايننشال تايمز أن تصريحات بيرنهام بشأن أضرار البريكست تفتح مرحلة جديدة في النقاش حول علاقة المملكة المتحدة بأوروبا. فطرح العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، وصولاً إلى احتمال استعادة العضوية، ينقل النقاش من تحسين ترتيبات الخروج إلى مراجعة أساسها. ومع ذلك، فإن إدراج هذه البدائل ضمن الخيارات المطروحة لا يعني اتخاذ قرار بالعودة؛ إنه إعلان عن استعداد سياسي لاختبار مسارات كانت محكومة بخطوط حمراء، وربط العلاقة الأوروبية مجدداً بأولويات النمو والازدهار.

تكمن أهمية التحول في إعادة تعريف السؤال الذي هيمن على السياسة البريطانية منذ استفتاء 2016: ماذا تعني السيطرة؟ فقد ركز خطاب الخروج على استعادة صلاحيات التشريع وضبط الحدود وعقد الاتفاقات التجارية. لكن امتلاك الصلاحية القانونية لا يضمن القدرة الاقتصادية على تحقيق الأهداف. تستطيع الدولة وضع قواعد مستقلة، بينما تجد شركاتها نفسها مطالبة بالامتثال لقواعد السوق التي تصدّر إليها. وهنا تظهر المفارقة: قد تتسع حرية القرار رسمياً، فيما تضيق الخيارات العملية بفعل الاعتماد التجاري وحجم الشركاء.

 

كلفة الخروج

وتمنح التقديرات الاقتصادية هذه المراجعة أرضية تتجاوز السجال الحزبي. فمكتب مسؤولية الموازنة البريطاني يفترض أن العلاقة التجارية بعد الخروج تخفض الإنتاجية المحتملة على المدى الطويل بنسبة 4% مقارنة بسيناريو البقاء. وهذه النسبة ليست انكماشاً سنوياً مسجلاً، وإنما تقدير للفارق بين مسارين اقتصاديين. وتنبع أهميتها من أثر الإنتاجية في الأجور والإيرادات العامة والقدرة على تمويل الخدمات. لذلك، يصبح النقاش الأوروبي مرتبطاً بالموارد المتاحة للحكومة، وبقدرتها على تنفيذ وعودها الاجتماعية من دون زيادة مستمرة في الضرائب أو الاقتراض.

وفي تناولها للملف، عرضت الصحفية الاقتصادية هيذر ستيوارت في «الغارديان»، في يونيو 2026، بحثاً يشير إلى أن الصادرات البريطانية إلى الاتحاد أقل بنحو 12% مما كانت ستكون عليه دون البريكست. والأهم أن معظم الضرر يرتبط بالخروج من السوق الموحدة، وليس بالاتحاد الجمركي وحده. وتساعد هذه القراءة على تفسير حدود الحلول الجزئية: فتخفيف الإجراءات الجمركية لا يزيل بالضرورة اختلاف المعايير ومتطلبات اعتماد المنتجات والعقبات أمام الخدمات. ومن ثم، فإن اختيار المسار الأوروبي ينبغي أن يستند إلى طبيعة الخسائر المراد معالجتها.

 

خيارات التقارب

وتبرز هنا ثلاثة مستويات مختلفة للتقارب. يستطيع الاتحاد الجمركي تخفيف تعقيدات منشأ السلع، لكنه يقيد استقلال السياسة الجمركية تجاه الدول الأخرى. وتوفر السوق الموحدة اندماجاً أعمق، مقابل التزامات تنظيمية ومالية وقبول حرية الحركة وفق الصيغة المتفاوض عليها. أما العضوية الكاملة فتطرح استعادة المشاركة في مؤسسات صنع القرار، لكنها تتطلب تفاوضاً سياسياً أشمل. لذلك، لا يصح تقديم هذه البدائل باعتبارها درجات متشابهة من التعاون؛ فلكل منها توزيع مختلف للمكاسب الاقتصادية والالتزامات السيادية.

 

حسابات السياسة

وعلى المستوى السياسي، يرى روبرت شريمسلي في «فايننشال تايمز»، عقب خطاب بيرنهام، أنه أعاد فتح التسوية الأوروبية، وإن ظل تنفيذ التحول مؤجلاً،  وتكشف هذه القراءة عن مشكلة التوقيت: فإعلان الطموح قد يحرك التوقعات قبل توافر أدوات التنفيذ. وإذا طال النقاش دون تحديد أهداف قابلة للقياس، فقد يتحول إلى مصدر جديد لعدم اليقين لدى المستثمرين. ويحتاج بيرنهام، بالتالي، إلى وصل التصور البعيد بخطوات قريبة، توضح للشركات والمواطنين ما الذي سيتغير، ومتى، وبأي مقابل.

أما رافائيل بير في «الغارديان»، فيرى أن شراكة أوروبية أقوى تحتاج دفاعاً سياسياً صريحاً، ولا يكفي بناؤها بهدوء بعيداً عن الجدل العام. ويمكن استخلاص دلالة مهمة من هذا الرأي: تجنب الحديث عن التنازلات لا يلغيها، بل يترك تفسيرها للخصوم. وإذا أرادت الحكومة إقناع الناخبين بتقارب أوسع، فعليها شرح الصلة بين الالتزام بقواعد مشتركة وتحقيق مصالح ملموسة. فالسيادة العملية تقاس أيضاً بقدرة الدولة على التأثير وحماية الازدهار، إلى جانب استقلال مؤسساتها.

 

الهجرة والسيطرة

وتحتاج مسألة الهجرة خصوصاً إلى تدقيق. فقد أنهى البريكست حرية الحركة ووسع سلطة الحكومة على شروط الدخول، لكنه لم يُلغِ طلب الاقتصاد على العمالة أو حركة الطلاب والعائلات. وتوضح الإحصاءات أن الهجرة من خارج أوروبا قادت الارتفاعات السابقة، ثم تراجعت التدفقات مع تغييرات التأشيرات. وبلغ صافي الهجرة 171 ألفاً في 2025، مقارنة بـ331 ألفاً في 2024. ولذلك، ينبغي التمييز بين التحكم القانوني في الهجرة، والنتائج العددية للسياسات، وملف العبور غير النظامي؛ فهذه قضايا مترابطة، لكنها ليست قضية واحدة.

 

حدود العودة

في المقابل، تستحق الحجة المتحفظة على العودة اهتماماً. فقد شددت افتتاحية «فايننشال تايمز» في يونيو 2026 على أن استعادة العضوية ليست علاجاً شاملاً للركود البريطاني، وأن الإصلاحات الداخلية تظل ضرورية وفق فايننشال تايمز .وهذه ملاحظة أساسية: فتح الأسواق لا يبني المساكن تلقائياً، ولا يصلح البنية التحتية أو يعالج نقص المهارات. ومن الخطأ تحميل البريكست جميع الاختلالات، كما أن تجاهل تكلفته يضعف التشخيص. والسياسة الأكثر إقناعاً تجمع إزالة الحواجز الخارجية مع تحسين قدرة الاقتصاد المحلي على استثمار الفرص المتاحة.

وعليه، فإن اختبار مبادرة بيرنهام سيكون في جودة المقارنة بين البدائل، وفي بناء قبول عام للتكاليف المصاحبة لكل منها. يحتاج الجمهور إلى معرفة المنافع المتوقعة، ومدى زمني واقعي لتحقيقها، وما ستطلبه بروكسل مقابلها. كما يحتاج الطرف الأوروبي إلى الاطمئنان إلى استمرارية الالتزامات البريطانية عبر الحكومات. فالعلاقة المستقرة لا تقوم على رغبة لندن وحدها، وإنما على مصالح متبادلة وثقة قابلة للاستمرار. وقد تكون القيمة الأهم للنقاش الجديد أنه يعيد ربط الخيارات الأوروبية بنتائجها المعيشية، ويمنح السياسة فرصة لتصحيح المسار دون إعادة إنتاج الوعود المطلقة.

تقدير موقف

يُرجّح، في المدى القريب، أن تستخدم حكومة بيرنهام فتح باب الخيارات لتوسيع مساحة التفاوض وبناء تأييد داخلي لتقارب تدريجي، قبل الالتزام بالعضوية الكاملة. فالعودة الشاملة تتطلب تفويضاً سياسياً مستقراً وتوافقاً مع الأوروبيين، بينما يمكن لاتفاقات قطاعية أن تقدم نتائج أسرع وتختبر قدرة الطرفين على استعادة الثقة. وسيكون المؤشر الحاسم انتقال الحكومة من العبارات العامة إلى تحديد نموذج العلاقة الذي تفضله، والالتزامات التي تقبلها، والجدول الزمني للتفاوض. أما استمرار الغموض فقد يحوّل المبادرة إلى جدل انتخابي طويل يضعف أثرها الاقتصادي.

وعلى المدى المتوسط، يتوقف اتساع التقارب على قدرة الحكومة على تحويل المنافع المتوقعة إلى تحسن محسوس في الاستثمار والتجارة ومستويات المعيشة، مع إدارة حساسية الهجرة والقواعد المشتركة. فإذا نجحت الخطوات الأولى، فقد تمهد لتفويض انتخابي بعلاقة أكثر اندماجاً. وإذا قدمت الحكومة وعوداً كبيرة وعوائد محدودة، فقد يستعيد خصوم التقارب زمام المبادرة. والتقدير الأرجح هو إعادة تشكيل العلاقة تدريجياً، مع بقاء العضوية الكاملة احتمالاً مفتوحاً؛ إذ إن الاعتراف بكلفة الخروج أسهل سياسياً من الاتفاق على شروط العودة.