تقديرات
أوروبا واستراتيجية مواجهة التغلغل الإسلاموي
09-Oct-2026
في الثامن من أكتوبر 2026، صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة لصالح قرار يدعو إلى اعتماد استراتيجية أوروبية مشتركة لمواجهة «التغلغل الإسلاموي» ونفوذ شبكات الإخوان المسلمين. وحظي القرار بتأييد 381 نائباً، مقابل معارضة 167 نائباً وامتناع 15 عن التصويت. ويشمل التوجه المطروح تقييم إمكانية إدراج أفراد وكيانات مرتبطة بالجماعة على قائمة الإرهاب الأوروبية، وليس إعلان تصنيف شامل وفوري للجماعة.
وكانت فرنسا قد أسهمت في دفع القضية إلى الواجهة الأوروبية،
خصوصاً بعد عرض تقرير «الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا» في مايو 2025.
ونقلت صحيفة «الغارديان»، في تغطيتها آنذاك، أن الرئاسة الفرنسية أرادت توسيع الوعي
بالملف داخل الاتحاد الأوروبي، انطلاقاً من تقديرها أن نشاط الحركة يتجاوز الحدود الفرنسية.
وتوضح هذه الخلفية أن التصويت الأخير يأتي ضمن مسار سياسي وأمني متراكم.
أبرز الاتجاهات
تتلخص أبرز الاتجاهات التي يدفع نحوها القرار في:
- تقييم الإدراج على قائمة الإرهاب: دراسة مدى استيفاء أفراد
وكيانات مرتبطة بالإخوان المعايير القانونية الأوروبية، وفق الأدلة الخاصة بكل حالة.
- تشديد الرقابة على التمويل: مراجعة الدعم العام والمنح
والشراكات، وتعزيز التدقيق في الجهات المستفيدة وصلاتها التنظيمية والمالية.
- تطوير استراتيجية مشتركة: تحسين تبادل المعلومات وتنسيق تقييم الشبكات العابرة للحدود، وتعزيز حماية المؤسسات الديمقراطية. وهذه مطالب سياسية تستلزم إجراءات تنفيذية لاحقة، وليست جميعها تدابير نافذة بمجرد التصويت.
دلالات سياسية
يحمل التصويت دلالة سياسية تتمثل في توسيع النقاش حول
الشبكات المرتبطة بالإخوان، ونقله من إجراءات وطنية متفرقة إلى البحث عن مقاربة
أوروبية مشتركة. وقد ركزت تغطية «العربية» للقرار على الدعوة إلى تنسيق سياسات
الدول الأعضاء، ورصد ما يسميه النص ازدواجية الخطاب الديني والسياسي، والحد من
نفوذ الشبكات التي يتهمها بتقويض المؤسسات الديمقراطية.
ومن الناحية التحليلية، يعزز هذا التوجه قدرة الدول
الداعية إلى تشديد التعامل مع الإخوان على طرح مخاوفها ضمن الأجندة الأوروبية،
وحشد التأييد لمراجعة قواعد التمويل والشراكات مع منظمات المجتمع المدني. كما يمنح
المطالب بتطوير أدوات مشتركة للرصد والتدقيق وزناً سياسياً أكبر داخل مؤسسات
الاتحاد. وقد تترتب عليه زيادة الضغوط على المفوضية الأوروبية والحكومات لتوضيح
معايير اختيار الجهات الشريكة والمستفيدة من المنح، ومدى التحقق من روابطها
المالية والتنظيمية، بما يجعل الشفافية والمساءلة محورين أساسيين في النقاش المقبل.
غير أن اتساع التأييد البرلماني لا يعني بالضرورة
توحّد مواقف الحكومات الأوروبية أو اتفاقها على تعريف الشبكات المستهدفة وحدود
التعامل معها. ولذلك، يُرجّح أن يصبح القرار نقطة انطلاق لمفاوضات حول نطاق
الاستراتيجية وأدوات تنفيذها، خصوصاً في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات
الأمنية مع حرية التنظيم والعمل الأهلي. وسيعتمد أثره السياسي على قدرة مؤيديه على
بناء توافق مستدام يتجاوز لحظة التصويت، ويترجم المخاوف المطروحة إلى معايير
واضحة؛ إذ إن استمرار الخلاف بشأن طبيعة التهديد قد يحدّ من الانتقال إلى سياسة
مشتركة قابلة للتطبيق.
مسار قانوني
يظل الانتقال إلى الإدراج الفعلي مساراً قانونياً
منفصلاً؛ إذ يوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن إضافة أفراد أو جماعات إلى قائمة
الإرهاب تتطلب قراراً سابقاً من سلطة مختصة يتعلق بتحقيقات أو ملاحقات أو إدانة
متصلة بأفعال إرهابية. كما تخضع قرارات العقوبات لاعتماد مجلس الاتحاد بالإجماع،
بما يجعل الأغلبية البرلمانية عاملاً ضاغطاً سياسياً، دون أن تكون بديلاً عن
متطلبات الإثبات والإجراءات المؤسسية.
كذلك، لا تنتهي العملية القانونية عند صدور قرار
الإدراج؛ إذ تخضع القائمة للمراجعة الدورية كل ستة أشهر على الأقل، وتتاح للجهات
المدرجة إجراءات لطلب إعادة النظر والطعن أمام القضاء الأوروبي. وتزيد هذه
الضمانات أهمية تسبيب القرارات وإسنادها إلى ملفات متماسكة يمكن الدفاع عنها
قضائياً. وبناءً عليه، يُرجّح أن تكون الإجراءات المحددة بحق أفراد أو كيانات
تتوافر بشأنهم أدلة كافية أكثر قابلية للتنفيذ من تصنيف واسع يستند إلى توصيف
سياسي عام؛ بينما يظل نجاح أي مسار مرهوناً باجتماع الأساس القانوني والتوافق بين
الدول الأعضاء.
كتابات الخبراء والصحف
يرى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات،
في قراءته للقرار المنشورة في 9 أكتوبر 2026، أن أهميته تكمن في نقل الملف إلى معالجة
مؤسسية أوروبية تتناول التمويل والشفافية والعلاقات مع المؤسسات العامة. ويشير إلى
أن أثر التصويت سيُقاس بمدى قدرة المفوضية ومجلس الاتحاد والدول الأعضاء على تحويله
إلى آليات تعاون وتقييم واضحة، مع التمييز بين الدعوة السياسية وصدور قرار نافذ بالحظر
أو التصنيف.
وتساعد دراسة سابقة للباحث لورينزو فيدينو، نشرتها مؤسسة
كونراد أديناور في مارس 2020 بعنوان «ما الإخوان المسلمون في الغرب؟»، على فهم تعقيدات
هذا المسار. فهو يميز بين النواة التنظيمية، والمنظمات المتفرعة عنها، والجهات المتأثرة
بأفكارها، ويرى أن كثيراً من المؤسسات الأوروبية أقرب إلى أعضاء مستقلين ضمن عائلة
فكرية عالمية منها إلى فروع تابعة مباشرة لقيادات الشرق الأوسط. وتدعم هذه القراءة،
تحليلياً، ضرورة فحص طبيعة الروابط الفعلية لكل مؤسسة قبل تحديد المسؤولية القانونية.
ونقلت صحيفة «لوموند» في 22 مايو 2025 عن الباحث فرانك
فريغوزي تشكيكه في النبرة الإنذارية المصاحبة للتقرير الفرنسي، مع إقراره بضرورة اليقظة.
كما حذّر الباحث حواس سنيقر من تفسير واقع الجماعة الراهن بأدوات تعكس مراحل سابقة.
وهذه مواقف تتعلق بالنقاش الفرنسي السابق، وليست تعليقات على التصويت الأوروبي الأخير،
لكنها تكشف غياب الإجماع البحثي حول حجم النفوذ وطبيعته.
أما صحيفة «الغارديان» فربطت، في تغطيتها المنشورة في مايو
2025، الملف بمخاوف السلطات الفرنسية على التماسك الوطني والمؤسسات الجمهورية. وفي
المقابل، دعت افتتاحية «لوموند» بتاريخ 23 مايو 2025 إلى مواجهة تحديات الإسلام السياسي
مع تجنب توظيفها في المزايدات السياسية أو وصم المسلمين عموماً. وتبرز هاتان المعالجتان
أهمية الجمع بين بحث المخاطر المحددة والحفاظ على التمييز بين التنظيمات السياسية والممارسة
الدينية المشروعة.
تقدير موقف
يُرجّح أن تكون النتيجة الأقرب للتصويت تشديد التدقيق في
التمويل والشراكات والعلاقات المؤسسية، وتوسيع تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية،
قبل الوصول إلى تصنيف شامل للجماعة. فالقرار يوفر زخماً سياسياً لمراجعة السياسات القائمة،
لكن تحويل هذا الزخم إلى عقوبات يتوقف على توافر ملفات إثبات تستوفي المعايير القانونية.
وبناءً على ذلك، يبدو مسار الإجراءات الانتقائية بحق كيانات أو أفراد محددين أكثر قابلية
للتحقق في الأجل القريب، بشرط توافر الأدلة والتوافق المطلوبين.
ويواجه بناء استراتيجية موحدة عقبتين أساسيتين:
1. اختلاف تقديرات الدول الأعضاء لطبيعة التهديد.
2. وتعقّد الروابط بين الجمعيات والأشخاص والشبكات
الفكرية والتنظيمية.
لذلك، ستتحدد فاعلية التحرك بقدرة المؤسسات الأوروبية على
التمييز بين الانتماء التنظيمي المثبت، والتقارب الفكري، والنشاط المدني المشروع. وقد
يؤدي التوسع في الاشتباه دون أدلة كافية إلى طعون قضائية واستقطاب اجتماعي، بينما يمكن
للمعايير الدقيقة والشفافة أن تعزز شرعية الإجراءات واستمراريتها.
وعلى المدى المتوسط، قد يدفع تشديد الرقابة بعض الشبكات
المستهدفة إلى تعديل هياكلها أو تغيير قنوات تمويلها وشراكاتها، وهو احتمال يستدعي
متابعة العلاقات والموارد الفعلية، لا الاكتفاء بالأسماء والواجهات. وسيكون المؤشر
الحاسم لنجاح التوجه الأوروبي ظهور آليات تنفيذ مشتركة وقرارات قانونية قابلة للدفاع
عنها قضائياً. أما إذا بقيت الخلافات قائمة بشأن تعريف الجهات المستهدفة ومعايير التعامل
معها، فقد يظل التصويت مؤثراً في الخطاب السياسي أكثر من تأثيره في الواقع التنظيمي.