مقالات تحليلية

نصرة الإسلام بمنطقة الساحل.. من الهجمات المسلحة الى السياسة

03-Jul-2025

 بموازاة الفظائع التي ما زال أفراد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) يرتكبونها، تخوض هذه المجموعة مسارا تحوليا سعيا لفرض نفسها على الساحة السياسية في منطقة الساحل الإفريقي.

تلجأ هذه الجماعة الجهادية المتفرّعة من تنظيم القاعدة والتي تعدّ الأقوى نفوذا و"أكبر تهديد في منطقة الساحل" بحسب الأمم المتحدة، إلى استراتيجيات عسكرية وسياسية لتقويض مصداقية حكومات المنطقة وتقديم نفسها على أنها بديل موثوق. وتبّنت الجماعة الهجوم المنسّق الذي طال مواقع عسكرية في سبع مدن في غرب مالي مؤخرا.

تنفذ هذه الجماعة مجموعة واسعة من الأعمال الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، وتركز في الغالب على استهداف الحكومات المحلية، القوات الأجنبية، والمدنيين المتعاونين مع الدولة. وفي المناطق التي تسيطر عليها أو تؤثر فيها، تفرض ضرائب على السكان المحليين، كما قواعد سلوكية متشددة على المجتمعات (مثل اللباس، السلوك الديني).

 

أهداف معلنة

تأسست جماعة نصرة الإسلام بعد اندماج عدة جماعات مسلحة تابعة لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، أما الجماعات المندمجة لتشكيلها فتشمل : أنصار الدين ،  بقيادة إياد أغ غالي ، الذي أصبح قائدا لنصرة الإسلام والمسلمين، وكتائب المرابطون ،  جناح تابع للجزائري مختار بلمختار، وإمارة الصحراء الكبرى، وهي تابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ثم كتيبة ماسينا ، التي تضم مقاتلين من قبائل الفولاني بقيادة أمادو كوفا

أما الأهداف المعلنة فتشمل إقامة "دولة إسلامية" في الساحل الإفريقي وفقًا لأيديولوجية القاعدة، ومحاربة الحكومات المدعومة من الغرب، واستهداف القوات الفرنسية والأممية (خاصة قوات عملية برخان سابقًا، وقوات المينوسما).

ورغم الضربات الجوية والبرية من القوات الإفريقية والدولية، لا تزال الجماعة قوية ومرنة، وهي تتنافس وتتصارع أحيانًا مع تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى .

 

الاستراتيجية السياسية للجماعة

محورت الجماعة "دعايتها على الدفاع عن الفئات المهمّشة وضحايا العنف. وهي غالبا ما تنشر أشرطة فيديو تظهر أعمال عنف مرتكبة من قوى الأمن والقوات المساندة لها لإضفاء صبغة شرعية على خطابها"، وفق ما جاء في تقرير صدر عن الأمم المتحدة في فبراير.

وندّدت بـ “مجازر" ارتكبها جيش بوركينا فاسو ومجموعات مؤازرة له، وراح ضحيتها مدنيون من قومية الفولاني في مارس قرب سولينزو (غرب)، وظهر عناصر من الجماعة في شريط دعائي مصوّر وهم يقدّمون إعانات للناجين.

وردا على ما حصل، "شنّت الجماعة هجوما واسعا على معسكر للجيش في دياباغا (الشرق)، ما أودى بحياة أكثر من 30 عسكريا" ومدنيا رديفا للجيش، "معلنة بداية الثأر لسولينزو"، بحسب تقرير صدر عن نينا ويلين مديرة البرنامج المعني بالشؤون الإفريقية في معهد "إغمونت" الملكي للعلاقات الدولية.

لكن الجماعة قد تقرر "في حالات أخرى... قتل مدنيين أو تجويعهم من خلال محاصرتهم بغية إجبار السكان المحليين على إبرام اتفاقات معها"، ما يتيح لها بسط حكمها، بحسب ما قال ليام كار المحلّل لدى معهد "أميريكن إنتربرايز إنستيتوت" لفرانس برس.

 

المؤسس إياد أغ غالي

تم تعيين مؤسس جماعة أنصار الدين، إياد أغ غالي، أميرًا عامًا للجماعة بعد وقت قصير من تشكيل المنظمة ، وبعد تعيينه، أكد أغ غالي ولاء الجماعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتنظيم القاعدة، وحركة طالبان الأفغانية. أغ غالي، وهو من الطوارق، ينحدر من منطقة كيدال شمال مالي. شارك في تمردات الطوارق خلال التسعينيات، وقاد ثورةً قصيرةً للطوارق عام 2006 قبل أن ينضم إلى المجلس الأعلى للجماعات الإقليمية في مالي - وهو مؤسسةٌ دستوريةٌ في مالي تُقدّم المشورة للحكومة - عام 2007.

عمل أغ غالي كمفاوض رهائن لصالح الحكومة المالية حتى عام 2010. وخلال هذا الوقت، قام أغ غالي بتكوين العديد من الاتصالات الوثيقة داخل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وفي نهاية المطاف شجعه مسؤولو التنظيم على تشكيل جماعة أنصار الدين كوسيلة لمساعدة جهود التنظيم في توسيع أنشطته في شمال مالي. وقد أدرجت الأمم المتحدة أغ غالي في قائمة عقوبات داعش وتنظيم القاعدة في 25 فبراير 2013، وأدرجته الولايات المتحدة في قائمة "الإرهابي العالمي المعين بشكل خاص" في اليوم التالي.

 

القائد الأعلى: أمادو كوفا

وُلد أمادو كوفا في نيافونكي، مالي، وأسس جبهة تحرير مالي في يناير 2015. وكان كوفا، إلى جانب آغ غالي، أحد مؤسسي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. منذ تأسيس الجماعة، كان فصيل كوفا مسؤولاً عن أعمال عنف ووفيات مرتبطة بها أكثر من أي فصيل آخر تابع لها. كما استهدف فصيل كوفا المدنيين بمعدل أعلى من أي فصيل آخر في الجماعة. وقد أدرجت الأمم المتحدة كوفا في قائمة عقوبات داعش وتنظيم القاعدة في 4 فبراير 2020.

 

هكذا تحكم الجماعة

ليس في مقدور الجماعة إرساء حكمها في المدن الكبيرة مثل العواصم، لكنها تحكم البلدات بطريقة غير مباشرة عبر اتفاقات محلية تسمح لها بفرض الشريعة الإسلامية على السكان ومنعهم من التعاون مع الجيش وجباية إتاوات.

وفي أحيان كثيرة "يكون السكان المحليون منفتحين على بعض المساومات مع الجماعة، في ظلّ غياب مؤسسات الدولة وعجز الأخيرة عن توفير الحماية لهم"، بحسب ليام كار.

وبموجب هذه الاتفاقات، "ترفع الجماعة حصارها وتوقف هجماتها أو توافق على حماية السكان"، على حدّ قوله. ففي مالي مثلا، أنهت الجماعة حصارا فرضته على مدينة بوني (وسط) حوالى سنتين، إثر التوصّل إلى اتفاق مع الوجهاء المحليين الذين حصلوا على ضوء أخضر من الحكومة.

 

الفارق عن "ولاية الساحل"

يعتمد "تنظيم الدولة الإسلامية - ولاية الساحل"، وهو أحد خصوم الجماعة، استراتيجية سياسية أكثر عنفا للحكم عبر ترهيب السكان. وفي جنوب غرب النيجر مثلا، قتل 71 مدنيا في ماندا في يونيو و44 في فامبيتا في مارس.

كار أوضح أن تنظيم الدولة الإسلامية "يفرض سيطرته بالقوّة"، بينما تحاول الجماعة "التوفيق بين مقاربة قائمة على السكان وأخرى على القمع". وأشار الباحث إلى أن "هذا التباين ينمّ عن خلافات في العقيدة بين المجموعات المتفرّعة من القاعدة وتلك التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية".

 

 

مسيرة الإرهاب

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هي منظمة سلفية جهادية متحالفة مع تنظيم القاعدة، تسعى إلى بناء دولة إسلامية سلفية في غرب أفريقيا. تتخذ المنظمة من مالي مقرًا رئيسيًا لها، لكنها تنشط في معظم أنحاء غرب أفريقيا، بما في ذلك بوركينا فاسو والنيجر وتوغو.

تأسست الجماعة في 2 مارس 2017، عندما أعلن تحالف من الجماعات الجهادية العاملة في منطقة الساحل في غرب أفريقيا - أنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا، والمرابطون، وجماعة إمارة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي - اندماجها في كيان واحد تحت قيادة أمير واحد، مما أدى إلى إضفاء الطابع الرسمي على التحالف طويل الأمد بين الجماعات الأعضاء.

أدى سعي الجماعة ن للقضاء على النفوذ الغربي في المنطقة إلى دخولها في صراع مع بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، والدول الشريكة - وعلى رأسها فرنسا، من خلال عملية برخان الإقليمية لمكافحة الإرهاب، والتي اختُتمت في أغسطس 2022. على مدار العقد الماضي، قُتل أكثر من 300 من قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي نتيجة هجمات مستهدفة شنها المتمردون.

 

وضع أمني خطير

أدى الخطر الذي تشكله جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب التوترات بين البعثة وسلطات الدولة المضيفة، إلى وضع أمني وصفه تقرير لمجلس الأمن الدولي بأنه "خطير".

علاوة على ذلك، أدخلت أنشطة الجماعة نفسها في منافسة مع تنظيم داعش في المنطقة. واتسمت المواجهات بين عامي 2017 و2019 بين الجماعة وتنظيم الدولة الإسلامية بالتعاون في معظمها، ووُصفت بأنها "استثناء ساحلي" للصراع الأوسع بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. ومنذ عام 2019، تدهورت هذه العلاقة، حيث دخلت الجماعة وداعش في صراعات عنيفة متكررة للسيطرة على الأراضي. ومنذ اندلاع القتال في منتصف عام 2019، وردت تقارير عن وقوع ما يقرب من 200 اشتباك بين الجماعتين، أسفرت عن مقتل أكثر من 1100 مقاتل.

 

طموح لتولّي السلطة

يرى مراقبون أن الاستراتيجية السياسية للجماعة دفعتها مؤخرا إلى التحالف مع المتمرّدين الطوارق المحليين من جبهة تحرير أزواد. وفي رأي كار "تشكّل هيئة تحرير الشام (في سوريا) بطبيعة الحال مصدر إلهام" للجماعة التي ترى في تجربتها "نموذجا محتملا"، مضيفا "قد تطبّق الاستراتيجية عينها في شمال مالي إلى جانب جبهة تحرير أزواد، كما حصل في 2012".

كار لفت الى تحديات تحدّ من طموحات الجماعة، فهيئة تحرير الشام فكّت ارتباطها بالقاعدة وكانت تحظى بدعم شعبي كبير و"بجهة خارجية راعية، في حين ما زالت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" مرتبطة بالقاعدة "وتعتمد على تمويلها والأسلحة التي تسلبها من جيوش المنطقة". كما إنها مؤلفة من "أقليات، مثل الفولان والطوارق"، بحسب المحلّل.

وما زالت الجماعة "راهنا تسترشد باستراتيجية حركة طالبان. لكن استراتيجية هيئة تحرير الشام قد تؤتي بثمارها"، على حدّ قول دانييليه غاروفالو المتخصّص في الحركات الجهادية. ولفت إلى إنه "لا بدّ بداية من فكّ الارتباط بالقاعدة بالكامل وتغيير أسلوب شنّ الهجمات واعتماد نمط مختلف في الحوكمة. وهو أمر قد يستغرق سنوات".

 

255