يمثل التغير المناخي التهديد الهيكلي الأبرز للبيئة والتوازن الحيوي على سطح الأرض في العصر الحديث؛ وهو مفهوم يُعبر عن الاختلالات والتغيرات الطويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس التي تحكم كوكب الأرض. وعلى الرغم من أن التغيرات المناخية قد تحدث بصورة طبيعية جراء التغيرات في الدورة الشمسية أو الثورانات البركانية الضخمة، إلا أن الأنشطة البشرية منذ انطلاق الثورة الصناعية باتت المحرك الأساسي والأول لهذه الظاهرة، وتحديداً عبر استهلاك الوقود الأحفوري كالفحم والنفت والغاز الطبيعي.

ينتج عن هذه الأنشطة انبعاثات غازية مكثفة - تُعرف بغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان - تشكل غلافاً عازلاً يحتجز حرارة الشمس داخل الغلاف الجوي ويمنع ارتدادها إلى الفضاء الخارجي، فيما يُعرف بظاهرة الاحتباس الحراري. إن هذا الارتفاع المتواصل في متوسط درجات الحرارة العالمية لا يقتصر أثره على جعل الطقس أكثر دفئاً فحسب، بل يؤدي إلى اضطراب شامل في المنظومة المناخية الهيدرولوجية للكرة الأرضية، مما يفرز ظواهر طقسية متطرفة تشمل موجات الحر الشديدة والجفاف الممتد وانخفاض معدلات الهطول المطري في مناطق محددة، مقابل فيضانات وأعاصير مدمرة في مناطق أخرى.

 

قبة حرارية

 شهد الموسم الحالي موجة حرارية استثنائية لم يسبق لها مثيل في سجلات الأرصاد الجوية، حيث تجاوزت التداعيات مجرد الارتفاع الإقليمي العابر لدرجات الحرارة لتصبح أزمة مناخية عابرة للحدود والقارات. يعود السبب العلمي المباشر لجزء كبير من هذه الموجة إلى تشكل ما يُعرف بـ القبة الحرارية (Heat Dome)؛ وهي ظاهرة مناخية تنشأ عندما تتسبب مناطق ذات ضغط جوي مرتفع في حجز الهواء الساخن قادماً من مناطق مثل شمال أفريقيا ومحاصرته في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي فوق مناطق جغرافية واسعة.

تمنع هذه القبة الحرارية الهواء الساخن من التصاعد والبرودة، وتصدم أي أنظمة جوية قد تعطي أمطاراً أو تجلب رياحاً لطيفة. تسبب هذا الانحباس الحراري المتواصل في رفع درجات الحرارة بمعدلات تراوحت بين 10 إلى 15 درجة مئوية فوق المعدلات الموسمية الطبيعية في أجزاء واسعة من أوروبا، مما أدى إلى جفاف شديد وانخفاض حاد في نسب الرطوبة في التربة والغطاء النباتي، وهي الظروف المثالية التي تحول الغابات والمساحات الخضراء إلى وقود سريع الاشتعال أمام أقل شرارة.

 

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

امتداذاً من جنوب المتوسط إلى واحاته الشرقية، انعكست موجة الحر الخانقة على تفاصيل الحياة اليومية للشرق الأوسط، مستنزفة البنى التحتية المتداعية أصلاً في بعض الدول:

العراق: وصلت درجات الحرارة في محافظات الوسط والجنوب إلى مستويات الغليان بمجاوزتها حاجز 50 درجة مئوية. ترافقت هذه الحرارة مع تصاعد العواصف الترابية الناجمة عن انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات وضمور المساحات الزراعية. كما فرض هذا الارتفاع ضغطاً هائلاً على شبكة الكهرباء الوطنية، مما أدى إلى انقطاعات متكررة تسببت في أزمات إنسانية وحوادث مأساوية.

الجزائر: سجلت البلاد ارتفاعاً متواصلاً في معدلات درجات الحرارة التي تجاوزت 48 درجة مئوية. ارتفع عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 35 درجة مئوية بشكل لافت، وسجل الطلب على الطاقة لاستخدامات التبريد أرقاماً قياسية (تجاوزت 19 غيغاواط)، ناهيك عن اندلاع حرائق الغابات وتضرر الموارد المائية والزراعية.

لبنان: أدت موجات الحر المقترنة بالرطوبة العالية إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المحطات الرئيسية، ما تسبب بدوره في توقف مضخات المياه الرئيسية. دفع هذا الوضع السكان إلى الاعتماد المكثف على المولدات الخاصة، ما رفع نسب التلوث وشكل عبئاً اقتصادياً إضافياً على المواطنين.

مصر: شهدت البلاد تفاوتاً جوهرياً في خريطة الطقس؛ حيث سجلت المناطق الجنوبية في أسوان والأقصر أرقاماً قياسية ناهزت 49 درجة مئوية، امتدت معها الموجات الحارة لفترات زمنية أطول من المعتاد بفعل تزحزح الحزام المداري وتغير منظومة الضغط الجوي.


أوروبا.. جفاف وحرائق

لم تكن قارة أوروبا - المعروفة بمناخها المعتدل - بأحسن حالاً؛ فقد أدت القبة الحرارية الممتدة من غرب القارة إلى شرقها إلى وضع مئات الملايين تحت تحذيرات صحية حمراء:

شبه الجزيرة الأيبيرية : في إسبانيا والبرتغال التهبت آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الطبيعية، مما اضطر السلطات لإخلاء آلاف السكان والسياح من القرى والمنتجعات.

فرنسا وإيطاليا: سجلت المدن الكبرى مثل باريس وروما وميلانو تحطيم أرقام قياسية في مؤشرات الحرارة، ما تسبب في تعطيل وسائل النقل، وإغلاق المدارس، وتقليص ساعات عمل المعالم السياحية، علاوة على رصد ارتفاع حاد في مستويات تلوث الأوزون الناجم عن استقرار الهواء الساخن.

ألمانيا والمملكة المتحدة: واجهت البنى التحتية والتنقلية اختباراً صعباً؛ حيث أدت الحرارة إلى انثناءات في الأسفلت وقواعد القضبان الحديدية للسكك المجهزة لمناخات أكثر برودة، مما فرض قيوداً على الحركة وتخوفاً من نقص مائي مصنف كـ "أزمة وطنية".

يعود سبب هذا الطقس الحار غير المعتاد إلى ما يعرف باسم " قبة الحرارة "، التي تعمل تمامًا كغطاء فوق قدر يغلي، إذ يحبس نظام الضغط الجوي المرتفع، القادم من شمال أفريقيا، الهواء الساخن فوق أوروبا داخل الغلاف الجوي. وبسبب حركة الهواء البطيئة للغاية، يستمر هذا الطقس في أوروبا. وبحسب معلومات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، فقد ازدادت هذه الأنظمة الجوية في أوروبا خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية وأدت إلى زيادة موجات الحرّ وشدتها.

وحول ذلك قالت فريدريكه أوتو، أستاذة علوم المناخ في كلية إمبريال كوليدج لندن لدويتشه فيلا: "لقد كان في السابق بلوغ درجات الحرارة هذا المستوى أمرًا استثنائيًا حتى في ذروة الصيف". وأضافت أنَّ "هذه الموجة الحارة القياسية تحمل بصمات تغير المناخ". ولكن مع ذلك "لا يزال من المبكر جدًا تحديد مدى زيادة موجة الحر الشديدة هذه بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري الناتجة عن انبعاثات الوقود الأحفوري".

وتعمل مؤسسة "إسناد الطقس العالمي" (World Weather Attribution)، ومقرها في بريطانيا وقد شاركت في تأسيسها عالمة المناخ فريدريكه أوتو، على دراسة موجات الحر في أوروبا منذ عام 2003. وقد أظهرت أبحاثها أنَّ الطقس المتطرف كان "أكثر احتمالًا وكثافة" بسبب تغير المناخ نتيجة النشاط البشري.

وبحسب خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي فإنَّ متوسط درجات الحرارة بالقرب من القطب الشمالي ارتفع الآن بأكثر من 3.3 درجة مئوية بالمقارنة مع بداية الثورة الصناعية. وبينما يعكس الجليد الأبيض في منطقة القطب ضوء الشمس، تمتص المحيطات الخالية من الجليد بلونها الداكن نسبة أكبر من الإشعاع الحراري من ضوء الشمس. وهذه العملية تعرف باسم "تأثير البياض"، ويمكن ملاحظتها أيضًا في أوروبا.

لقد كانت بعض أجزاء القارة الأوروبة في السابق متجمدة طوال العام أو حتى أواخر فصل الصيف، مثل المناطق الجبلية المرتفعة في جبال الألب، ولكنها أصبحت اليوم خالية من الثلوج بشكل متزايد. ولأنَّ التربة الداكنة تعكس كمية أقل من شعاع الشمس إلى الفضاء فقد زادت سرعة الاحتباس الحراري.

 

غليان محيطات العالم

وفق سي ان ان شهدت محيطات العالم درجات حرارة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام، إذ حطّمت الرقم القياسي المسجّل لشهر يونيو 2026 على الإطلاق، وفقًا لبيانات جديدة، ما ينذر بتداعيات مقلقة على الطقس العالمي والحياة البحرية. وبتاريخ 21 يونيو الماضي، بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحار عالميًا 69.5 درجة فهرنهايت (20.86 درجة مئوية)، متجاوزًا الرقم القياسي السابق لشهر يونيو / حزيران، والذي سجّل في عام 2024، وذلك وفقًا لبيانات خدمة "كوبرنيكوس" لمراقبة تغير المناخ، التي تجمع القياسات من الأقمار الصناعية، والسفن، والعوامات.

في ذلك قال مايكل ميريديث، عالم المحيطات في المسح البريطاني للقارة القطبية الجنوبية إن "ارتفاع درجات حرارة سطح البحار ليس أمرًا غير متوقع، لكن الوتيرة التي نشهد بها هذا الاحترار الآن تثير القلق". وأكدت مجموعة بيانات أخرى هذا الرقم القياسي إذ أظهرت بيانات خدمة كوبرنيكوس البحرية، التي تديرها المنظمة غير الربحية "ميركاتور أوشن إنترناشيونال"، أن درجات حرارة البحار بلغت 69.38 درجة فهرنهايت (21 درجة مئوية) في 21 يونيو، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2024 بمقدار 0.18 درجة فهرنهايت. وقد جاء هذا الارتفاع غير الطبيعي في درجات الحرارة نتيجة بداية ظاهرة "إل نينيو"، وهي نمط مناخي طبيعي يتميز بارتفاع غير اعتيادي في حرارة المياه على امتداد المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ. ورغم أن ظاهرة "إل نينيو" بدأت للتو، فإنها قد تتطور لتصبح واحدة من أقوى الظواهر التي شهدها العالم منذ عقود.

يضاف إلى ذلك تأثير أزمة تغير المناخ الناجمة عن الأنشطة البشرية، والتي تسهم أيضًا في ارتفاع درجات الحرارة. فعلى مدى عقود، لعبت المحيطات دور الخزان الرئيسي لحرارة الكوكب، إذ امتصت نحو 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن حرق البشر للوقود الأحفوري.

كوارث متقاطعة

إن التغير المناخي لا يعبر عن نفسه بالحرارة والجفاف فحسب، بل يعيد تشكيل كامل المنظومة المناخية نحو "التطرف الجوي". وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا والشرق الأوسط تحترق، شهد جنوب الصين وهوبي وقانسو فيضانات وأمطاراً قياسية نتيجة بقايا عواصف استوائية وأعاصير متعاقبة، مما أسفر عن انهيار سدود، وانزلاقات أرضية، وجرف للقرى والبنى التحتية. يوضح هذا التباين الحاد القوة التدميرية لاختلال التوازن الحراري للكوكب.

على صعيد آخر، وعلى الرغم من أن الزلازل والهزات الأرضية - مثل تلك التي شهدتها مناطق في الشرق الأوسط أو دول أمريكا اللاتينية الواقعة على "حزام النار" - تعود أساساً للحرص التكتوني وحركة الصفائح القارية العميقة، إلا أن تزايد الكوارث الطبيعية وتتابعها يضع الجوامع السكانية والاقتصادات العالمية في حالة "إجهاد مركّب". إن تقاطع مخاطر الأحداث الجيولوجية مع الأزمات المناخية المتمثلة في الحرائق والفيضانات يقلل من قدرة المجتمعات على الاستجابة والتعافي، ويؤكد ضرورة بناء استراتيجيات إدارة كوارث شمولية ومستدامة.

 

المواجهة المستقبلية

تظهر الأحداث المتعاقبة لصيف هذا العام أن التغير المناخي والارتفاع المتواصل في درجات الحرارة لم يعودا مجرد تنبؤات علمية مستقبليّة أو تحذيرات أكاديمية، بل واقع ملموس يهدد الأمن الغذائي، والمائي، والصحي، والبنية التحتية لمختلف دول العالم دون استثناء.

إن مواجهة ظاهرة القبة الحرارية واتساع رقعة الحرائق والجفاف تتطلب انتقالاً جاداً وحاسماً نحو إزالة الكربون، وتعزيز الاستثمار في الطاقة النظيفة، وإعادة هيكلة المدن والبنى التحتية لتكون أكثر قدرة على التكيف مع المناخ القاسي. إن الكوكب يبعث برسائل تحذيرية صريحة؛ والتباطؤ في اتخاذ خطوات دولية ملزمة للتخفيف من الاحتباس الحراري سيعني ببساطة مواجهة فصول صيف أكثر قسوة واشتعالاً في القادم من السنوات.