فرضت الحرب الإيرانية ، نتائج مباشرة على الأرض، حتى قبل أن تصل إلى نهاية أو مسار معين. وربما يمكن القول إن أهم هذه النتائج هو أنها كشفت بوضوح المشروع التخريبي الذي تتبناه إيران والأذرع الموالية لها في المنطقة، والذي بدا جلياً في عدوانها الغاشم على دول مجلس التعاون الخليجي.

فحتى فترة ما قبل الحرب، كانت إيران تتخفى خلف ستار من الشعارات الزائفة التي تتمثل في أهمية إقامة العلاقات مع دول المنطقة، خاصة دول الجوار، على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام الآخر. كما كانت إيران دائماً تنفي باستمرار نفوذها لدى الأذرع، معتبرة أن هؤلاء يتبنون سياسات ومواقف محددة بشكل مستقل عن حساباتها ومصالحها. وحتى الأذرع أنفسهم كانواً دائماً ما يروجون لهذه المزاعم، التي ثبت أنها لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض.

هنا، بدا واضحاً خلال الحرب الحالية أن كل تلك المزاعم كانت مجرد شعارات حاولت من خلالها إيران تعزيز نفوذها على مستوى المنطقة والنفاذ إلى داخل دولها بهدف نشر الفوضى وتأجيج حالة من عدم الاستقرار، على نحو انعكس في توالي الكشف عن خلايا تخريبية تابعة لإيران وبعض المليشيات الإرهابية، مثل حزب الله اللبناني، في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، على غرار الإمارات العربية المتحدة والكويت.

تباين واضح

في اللحظة الأولى من اندلاع الحرب الحالية، بدا واضحاً أن الأذرع الموالية لإيران سوف يكون لهم دور رئيسي فيها. ورغم أن ذلك بدا مختلفاً إلى حد كبير عن مواقف الأذرع خلال حرب الإثنى عشر يوماً التي اندلعت بين الأطراف الثلاثة (إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل) في الفترة من 13 إلى 24 يونيو/حزيران 2025، حيث لم يكن للأذرع دور بارز في إدارة العمليات العسكرية، فإن ذلك يمكن تفسيره في ضوء اختلاف طبيعة وأهداف الحربين.

ففي الأولى، لم يكن النظام الإيراني نفسه مهدداً بالسقوط، حيث ركزت الحرب على تدمير قسم من القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وانتهت باتفاق الأطراف الثلاثة، بعد إثني عشر يوماً، على وقف إطلاق النار. لكن في الثانية، بدا الوضع مختلفاً، ففي اللحظة الأولى، تم اغتيال رأس النظام ممثلاً في المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي والعديد من القيادات الرئيسية الأخرى، على المستويات المختلفة العسكرية والأمنية والسياسية.

هنا، بدا أن ثمة تحولاً في مواقف إيران والأذرع. ففي الحرب الأولى، ركزواً على الترويج لمزاعم حول "قدرة" إيران على مواجهة الهجمات العسكرية الأمريكية والإيرانية بمفردها، وعلى أن الأذرع مقيدون بحسابات وتوازنات سياسية داخلية تحول دون انخراطهم في تلك الحرب وكان الهدف من ذلك هو الترويج إلى أن إيران لا تقود محوراً مليشياوياً في المنطقة وأن الأذرع غير موالين بالضرورة لها. لكن في الثانية، كان واضحاً أن ذلك لا يعبر عن المواقف الحقيقية. وبدا وكأن الطرفين سارعوا منذ اللحظة الأولى إلى نزع "القناع" والظهور بالوجه الحقيقي.

فقبيل الحرب الحالية مباشرة، كان المرشد الأعلى للجمهورية السابق علي خامنئي حريصاً، في أول فبراير/شباط 2026، على توجيه تهديد مباشر بأن تعرض إيران لهجمات عسكرية أمريكية أو إسرائيل سوف يدفعها إلى تحويل المواجهات العسكرية إلى حرب إقليمية بامتياز. (سي إن إن، 1 فبراير/شباط 2026). كما حرص المرشد الجديد مجتبى خامنئي، في أول كلمة تم بثها له في 12 مارس/آذار 2026، على التلويح بـ"فتح جبهات جديدة" في حالة استمرار الحرب الحالية. (روسيا اليوم، 12 مارس/آذار 2026).

انخراط مباشر

المليشيات الموالية لإيران بدورها لم تتوان عن الكشف عن وجهها الحقيقي، عندما بدأت في الاستعداد مبكراً للانخراط في الحرب الحالية، حيث أدركت من البداية أنها سوف تكون مختلفة عن حرب الإثنى عشر يوماً. فعلى سبيل المثال، أعلن ناظم السعيدي رئيس المجلس التنفيذي لحركة النجباء العراقية، في 29 يناير/كانون الثاني 2026، فتح باب التطوع في كافة عموم العراق "من أجل الدفاع عن الإسلام والمستضعفين" (حساب حركة النجباء على اكس، 29 يناير/كانون الثاني 2026). ووجهت المليشيات العراقية الأخرى، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، رسائل مشابهة تفيد أنها لن تكون على الحياد في الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وقد اعتبرت تلك المليشيات أن اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، في 28 فبراير/شباط 2026، يمثل متغيراً يمكن من خلاله تبرير الانخراط في الحرب إلى جانب إيران ومواجهة الانتقادات والاعتراضات الداخلية. فقد أصدر حزب الله اللبناني، في أول مارس/آذار 2026، بياناً أكد فيه أنه سوف يقوم "بأداء واجبه في التصدي للعدوان" (مونت كارلو، 1 مارس/آذار 2026)، على نحو يخالف السياسة العليا للدولة اللبنانية التي تسعى إلى تجنب الانخراط في الحروب الإقليمية أو التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.

 

اعتبارات أربعة رئيسية

انخراط المليشيات الموالية لإيران في الحرب الحالية يمكن تفسيره في ضوء اعتبارات أربعة ثلاثة:

الأول، أن هذه المليشيات حصلت على الضوء الأخضر من جانب إيران من أجل "فتح جبهات" جديدة في الحرب الحالية، وبالتالي مساعدة إيران في تحقيق الهدف الأساسي الذي يتمثل في العمل على رفع كُلفة العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ويبدو أن إيران كانت في الأساس تستعد لهذا المسار حتى قبل اندلاع الحرب الحالية، على نحو يبدو جلياً في تواجد قيادات وكوادر من فيلق القدس التابع للحرس الثوري في لبنان لمساعدة حزب الله على إدارة التصعيد العسكري مع إسرائيل.

وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن الحرس الثوري قام بدعم حزب الله في الحرب الحالية، عبر نقل 100 ضابط من الحرس إلى جنوب لبنان لإدارة العمليات العسكرية، إلى جانب إعادة ترميم القدرات العسكرية للحزب التي تعرض القسم الأكبر منها للتدمير خلال المواجهات العسكرية مع إسرائيل في الفترة من سبتمبر/أيلول وحتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024. (يورونيوز، 21 مارس/آذار 2026). وربما يكون ذلك هو المتغير الذي دفع الحكومة اللبنانية، في 24 مارس/آذار 2026، إلى إصدار قرار بسحب الاعتماد من السفير الإيراني لدى بيروت محمد رضا شيباني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، ومطالبته بمغادرة لبنان في 29 من الشهر نفسه.

والثاني، أن هذه الأذرع اعتبرت – على غرار إيران - أن الحرب الحالية أشبه بـ"حرب وجود"، من شأن نتائجها أن تؤثر على بقاء نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في السلطة، وهو ما سوف تكون له ارتدادات مباشرة على الوكلاء، باعتبار أن سقوط النظام الإيراني سوف يستتبعه إضعاف مواقعهم واتجاههم إلى الانزواء تدريجياً وربما الخروج نهائياً من مناطق ومساحات النفوذ التي يسيطرون عليها في الدول التي يتواجدون بها على غرار العراق ولبنان واليمن. ومن هنا اتجهت هذه المليشيات إلى مهاجمة القواعد والمصالح الأمريكية إلى جانب إسرائيل خلال فترة ما بعد اندلاع الحرب. إذ تُصدِر ما يسمى بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" بيانات متكررة عن عمليات تقوم بتنفيذها ضد الولايات المتحدة الأمريكية داخل العراق وفي المنطقة. وعلى سبيل المثال، أصدرت هذه المليشيا بياناً في 24 مارس/آذار 2026، ادعت فيه أنها قامت في يوم واحد بتنفيذ 21 عملية "ضد قواعد العدو" داخل العراق وخارجه. (روسيا اليوم، 24 مارس/آذار 2026)

والثالث، الرد على الدعوات التي تطلقها قوى سياسية داخلية وأطراف إقليمية ودولية من أجل نزع سلاح تلك المليشيات وتعزيز قدرة الحكومات على فرض سيادتها. وقد بدا ذلك واضحاً في حالتي العراق. إذ أعلنت كتائب حزب الله، في 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، رفضها دعوات نزع السلاح وتسليمه للحكومة، (سكاى نيوز عربية، 21 ديسمبر/كانون الأول 2025) وتعمدت الربط بين هذه الخطوة وعدد من الاستحقاقات السياسية التي يبدو تنفيذها صعباً في العراق، على غرار منع التدخلات الخارجية في إشارة إلى الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية سواء لحصر السلاح في يد الدولة أو لمنع رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي من الوصول إلى منصب رئيس الوزراء بعد أن قام الإطار التنسيقي – الذي يضم معظم القوى السياسية التي تنتمي لهذه المليشيات – بترشيحه للمنصب في 24 يناير/كانون الثاني 2026. (فرانس 24، 24 يناير/كانون الثاني 2026)

والرابع، الاستعداد لاحتمال انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، على غرار تنفيذ عمليات إنزال بري من جانب القوات الأمريكية على بعض الجزر الإيرانية، مثل جزيرة "خارك" التي تمثل المصدر الأساسي لعمليات معالجة وتصدير 90% من النفط الإيراني، بهدف إجبار إيران على وقف تهديد حركة التجارة والملاحة في مضيق هرمز. وهنا، فإن المليشيا الحوثية يمكن أن يكون لها دور في هذا الصدد.

وقد كان لافتاً أن المليشيا وجّهت رسائل عديدة بالفعل تفيد أن انخراطها في الحرب الحالية بات "مسألة وقت". وهنا، فإن الهدف سوف يكون مضاعفة أزمة الطاقة على مستوى العالم وإحكام الحصار حول الممرات المائية الرئيسية في المنطقة، سواء في مضيق هرمز والخليج العربي أو في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

وقد كان لافتاً أن إيران بدأت في التلويح بهذا الخيار بالفعل، حيث أشارت وكالة أنباء تسنيم – المحسوبة على الحرس الثوري – على لسان ما أسمته "مصدر عسكري" إلى أنه "إذا أقدم العدو على أي تحرك بري ضد الجزر الإيرانية أو أي جزء من أراضينا، أو حاول عبر تحركات بحرية فرض تكاليف ضد إيران في الخليج العربي وبحر عمان، فسنفتح له جبهات أخرى كمفاجأة، بحيث لا يقتصر الأمر على تجريده من أي مكسب، بل ستتضاعف خسائره وتكاليفه بشكل هائل"، مضيفاً أنه "إذا كان الأمريكيون يسعون عبر إجراءات حمقاء لإيجاد حل لمعضلتهم في مضيق هرمز، فعليهم الحذر لكي لا يضيفوا مضيقاً آخر إلى قائمة أزماتهم ومآزقهم". (وكالة أنباء تسنيم، 25 مارس/آذار 2026)

على ضوء ما سبق، يمكن القول في النهاية إن ما سبق في مجمله يؤكد أن المليشيات الموالية لإيران تشارك بشكل واضح في العدوان الإيراني على دول المنطقة، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، وأنها أصبحت تمثل خطراً ومصدر تهديد قوياً لحالة الاستقرار والأمن الإقليمي في المنطقة برمتها.