في منتصف مايو 2026 وأمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، أدلى قادة القيادتين المركزية (سنتكوم) الجنرال براد كوبر والأفريقية (أفريكوم) الجنرال داغمين أندرسون بشهادات بالغة الحساسية، كشفت عن خارطة النفوذ المشترك لشبكات طهران والجماعة الحوثية في عمق القارة الأفريقية.

أكد قائد "أفريكوم" في إفادته أن الاستراتيجية الإيرانية باتت تعتمد بشكل مكثف على وسائط تهريب محلية متمرسة، مستغلة الممرات البحرية والبرية التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، والتي لم تعد تقتصر على السواحل اليمنية بل تمددت لتشمل كامل ساحل البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي.

هذا التنسيق اللوجستي أفضى إلى رصد تصعيد نوعي وصفه القائد العسكري بأنه يمثل التهديد الأخطر في المنطقة، حيث بدأت حركة الشباب الإرهابية في الصومال بتلقي شحنات سلاح إيرانية نوعية، وحصلت عناصرها على تدريبات ميدانية متقدمة مكنتها من استخدام طائرات مسيّرة هجومية في عملياتها ضد قوات الاتحاد الأفريقي.

في ذات السياق، رسم قائد "سنتكوم" الصورة الأشمل للمواجهة، موضحاً أنه على الرغم من الضربات العميقة والمركزة التي وجهت للبنية التحتية الإيرانية وخطوط إمداد وكلائها التقليديين في الشرق الأوسط، إلا أن الخلايا والشبكات الناشطة التابعة لطهران على الجانب الأفريقي لا تزال تمتلك القدرة على المناورة وتشكيل خطورة حقيقية على الملاحة الدولية، وهو ما يستدعي وضعها على رأس أولويات الردع العسكري للولايات المتحدة وحلفائها لمنع انهيار المنظومة الأمنية للممرات المائية.

تقارب إيراني إخواني في السودان

  التحذيرات الاستخباراتية الأمريكية تجد صداها المباشر في تفاصيل الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل عام 2023، حيث أحدثت الفوضى الميدانية فراغاً أمنياً سمح ببروز تحالفات أيديولوجية وعسكرية كانت تدار في الظل. في الآونة الأخيرة، تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أحدثت ارتدادات سياسية واسعة، يظهر فيها مقاتلون سودانيون ينتمون علناً إلى الحركة الإسلامية السودانية (الفرع السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين)، وهم يعلنون جهوزيتهم الكاملة للتوجه إلى إيران والقتال في خندقها إذا ما اندلعت حرب برية مباشرة بين طهران والولايات المتحدة أو إسرائيل.

هذا الإعلان المباشر أطلق نقاشاً محلياً وإقليمياً محتدماً حول منسوب الاختراق الإيراني للمكونات العسكرية والسياسية في السودان. ورغم مسارعة المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني إلى إصدار بيان ينفي فيه أي علاقة للمؤسسة العسكرية بهذه المواقف، مؤكداً أن هذه الدعوات لا تعبر عن عقيدة الجيش أو توجهات الدولة الرسمية، فإن القراءات الأمنية المتقاطعة تؤكد أن عناصر التيار الإسلامي يحوزون نفوذاً واسعاً داخل غرف اتخاذ القرار العسكري والأمني، مما يجعل صلاتهم الخارجية عاملاً حاسماً في توجيه دفة الأحداث ومستقبل التحالفات الإقليمية للبلاد.

حسابات الجغرافيا وشريان الملاحة الدولية

    تنطلق طهران في اندفاعتها نحو الخرطوم من تقدير موقف أعده الحرس الثوري يرى في السودان موقعاً جيوسياسياً لا يمكن تعويضه في الاستراتيجية البحرية الإيرانية. يتوفر السودان على واحد من أطول السواحل المطلة على البحر الأحمر، وهو الممر المائي الحيوي الذي يمثل عقدة الوصل بين التجارة الآسيوية والأسواق الأوروبية، وتتدفق عبره ما لا يقل عن 12 بالمئة من حركة الملاحة وناقلات النفط العالمية.

السعي الإيراني لبناء شراكة مع المكونات العسكرية والإسلامية الحاكمة في السودان يستهدف بالدرجة الأولى تحويل هذا الساحل إلى ركيزة لوجستية متقدمة تسمح للبحرية الإيرانية بمراقبة واعتراض خطوط الملاحة الدولية عند الضرورة، وهو ما يمنح طهران أوراق ضغط استراتيجية فائقة الأهمية في صراعها المفتوح مع القوى الإقليمية والدولية، لا سيما إسرائيل ودول الخليج العربي، ويجعل من أي تحرك عسكري إيراني في هذه البقعة جزءاً لا يتجزأ من معركة السيطرة على المضائق الحاكمة.

مسيّرات طهران وصناعة الفارق الميداني

   لم يتأخر الدعم العسكري الإيراني للجيش السوداني في صراعه ضد قوات الدعم السريع، حيث سعت طهران إلى استغلال حاجة المؤسسة العسكرية للاستطلاع الجوي الدقيق والقوة النارية المركزة. أكدت تقارير استخباراتية غربية وعسكرية محلية أن الترسانة العسكرية للجيش السوداني استقبلت شحنات متتالية من الطائرات المسيرة الإيرانية الصنع، وفي مقدمتها طرازات "أبابيل 3"، والمسيرة الهجومية "مهاجر 6"، بالإضافة إلى نماذج من عائلة "شاهد".

هذا التدفق التسليحي توازى مع وصول مستشارين وخبراء فنيين من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني لإدارة غرف العمليات وتقديم الاستشارات التقنية وتدريب الكتائب المقاتلة (مثل فيلق البراء بن مالك والميليشيات المرتبطة بالتيار الإسلامي) على آليات التوجيه وجمع المعلومات والاستخبارات، وهو الدعم الذي أحدث تحولاً ملموساً في بعض جبهات القتال الرئيسية، ومكن الجيش من استعادة المبادرة الهجومية في مناطق استراتيجية بالعاصمة وولايات أخرى.

 

هواجس واشنطن تجاه بورتسودان

    أمام هذا الزخم، يتصاعد القلق بشكل حاد في الدوائر الأمنية بواشنطن وتل أبيب، حيث يرتكز هذا التوجس على هواجس رئيسية تتصدرها الخشية من تحول مدينة بورتسودان الساحلية، التي باتت المقر الإداري والعسكري الفعلي للحكومة السودانية خلال الحرب، إلى قاعدة ارتكاز إيرانية غير معلنة تدار بواسطة وكلاء محليين، مما يضع الصواريخ والمسيرات الإيرانية على مسافة خطيرة من خطوط الملاحة العالمية ويهدد بتغيير ميزان القوى في حوض البحر الأحمر. هذا القلق يتغذى أيضاً على الذاكرة الأمنية الإسرائيلية التي تحتفظ بسجل طويل من العمليات العسكرية داخل الأراضي السودانية لإحباط ممر السلاح التاريخي الذي أقامته إيران لنقل العتاد لقطاع غزة.

 ففي عام 2009 نفذ الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة استهدفت قافلة شاحنات محملة بالصواريخ في شرق السودان، وفي أبريل 2011 جرى تدمير سيارة عبر ضربة جوية دقيقة قرب مطار بورتسودان أسفرت عن تصفية مهربين، وصولاً إلى الهجوم الأكبر في 26 أكتوبر 2012 الذي دمر مصنع اليرموك للذخائر والأسلحة في قلب الخرطوم والذي شُيد بإشراف وتمويل مباشر من مهندسي التصنيع الحربي الإيراني. المخاوف الحالية تتركز في إمكانية إعادة إحياء هذه الشبكات والمسارات اللوجستية المعقدة لتصبح بورتسودان مجدداً نقطة الانطلاق لتغذية الصراعات الإقليمية.

 

سقوط امرأة الظل في لوس أنجلوس

   في أبريل من عام 2026، تلقت شبكات التهريب الإيرانية ضربة قضائية وأمنية موجعة في الداخل الأمريكي، عندما أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي ومكتب المدعي العام توقيف سيدة الأعمال الإيرانية شميم مافي، البالغة من العمر ٤٤ عاماً، في مطار لوس أنجلوس الدولي أثناء محاولتها الصعود على متن رحلة متجهة إلى إسطنبول.

أوراق القضية الفيدرالية كشفت أن مافي، التي تقيم في ولاية كاليفورنيا بصفة دائمة بموجب "الجرين كارد" منذ عام 2016، كانت تدير واجهة استخباراتية معقدة وتعمل كوكيل أجنبي غير مسجل لصالح وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية. بينت التحقيقات المرصودة وسجلات المكالمات والتحويلات المالية أن المتهمة نجحت في إبرام وإدارة صفقات تسليح كبرى تجاوزت قيمتها ٧٠ مليون دولار، تركزت في تأمين وشحن طائرات مسيّرة هجومية من طراز "مهاجر 6"، وصواعق قنابل، وقذائف مدفعية وصاروخية متطورة جرى تسليمها للميليشيات الإخوانية والوحدات العسكرية التي تقاتل في صفوف الجيش السوداني، عبر مسارات شحن تلتف حول العقوبات الدولية وتمر عبر محطات وسيطة.

وقد أوضحت وثائق الادعاء أن الاستخبارات الإيرانية تمكنت من تجنيد مافي في عام 2020 بالضغط عليها في ملف ممتلكات وعقارات موروثة في طهران، لتبدأ منذ ديسمبر2022 وحتى يونيو 2025 نشاطاً سرياً كثيفاً لتهريب الموت إلى السودان، في حين كانت تستعرض على حساباتها الشخصية في منصات التواصل الاجتماعي حياة بالغة البذخ والرفاهية كغطاء مثالي لتمويه نشاطها الاستخباراتي الذي قد يكلفها حكماً بالسجن يصل إلى 20 عاماً.

 

تجفيف منابع المحور المالي

  امتداداً لجهود ملاحقة الأذرع المالية والعسكرية لهذا التحالف، اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية في 12 سبتمبر 2025 خطوة تصعيدية لافتة بفرض عقوبات مالية واقتصادية شاملة على وزير المالية السوداني وقائد حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، شملت تجميد أرصدته وحظر أي تعاملات تجارية مع الشركات التي يديرها.

هذه العقوبات جاءت لتوثق دور الرجل كحلقة وصل مالية وعسكرية محورية بين الخرطوم وطهران؛ إذ كشفت المعلومات الاستخباراتية المرافقة للقرار أن جبريل إبراهيم قام بزيارة سرية وبأمر مباشر من القيادي الإسلامي علي كرتي إلى العاصمة الإيرانية طهران، لتنسيق وتأمين الغطاء المالي لصفقات مسيرات الحرس الثوري الإيراني لصالح فيلق البراء والتيارات الإسلامية المسلحة، بعيداً عن القنوات والموازنات الرسمية للجيش السوداني. وبحسب الحيثيات الأمريكية، فإن جبريل إبراهيم ، يمتلك سجلاً دموياً مثبتاً بجرائم حرب وإدانات أممية بموجب قرار مجلس الأمن 2113 لعام 2013.

 

خلاصات

  1. تكشف المعطيات أن السودان مرشح للتحول إلى مركز ارتكاز إيراني متقدم في البحر الأحمر، مستفيداً من حالة الانهيار السياسي والعسكري التي أفرزتها الحرب الداخلية. وإذا استمرت طهران في توسيع حضورها عبر المسيّرات والتحالفات مع التيارات الإسلامية والفصائل المسلحة، فإن بورتسودان قد تصبح نقطة نفوذ حساسة تهدد أمن الملاحة الدولية وتعيد رسم معادلات الردع في المنطقة، بما يضع السودان في قلب صراع إقليمي مفتوح يتجاوز حدوده الوطنية.
  2. وتتجه أفريقيا، وخاصة القرن الأفريقي، لتكون الساحة البديلة للصراع الإيراني ـ الغربي بعد تضييق الخناق على شبكات طهران في الشرق الأوسط. فاعتماد إيران على الوكلاء المحليين وشبكات التهريب العابرة للحدود يمنحها قدرة على التمدد منخفض الكلفة وعالي التأثير، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد أنشطة الجماعات المسلحة، وتزايد استخدام المسيّرات، واتساع دائرة الحروب غير التقليدية في الممرات البحرية الحيوية الممتدة من خليج عدن حتى البحر الأحمر.
  3. وفي المقابل، توحي المؤشرات الواردة بأن الولايات المتحدة ودولاً إقليمية لن تسمح بترسيخ هذا التموضع الإيراني دون رد. لذلك يُتوقع تصاعد العقوبات والعمليات الاستخباراتية وربما الضربات العسكرية الوقائية ضد شبكات الإمداد والتمويل المرتبطة بطهران داخل السودان ومحيطه. ومع استمرار هذا الاستقطاب، قد يتحول السودان من ساحة حرب داخلية إلى بؤرة مواجهة دولية معقدة، يصبح فيها الأمن البحري والطاقة والتوازنات الجيوسياسية جزءاً من معركة نفوذ طويلة الأمد.
  4.  
  5.