دراسات اجتماعية
تنظيم القاعدة.. والتحول في خارطة النشاط الإرهابي بأفريقيا
28-Sep-2026
شهدت قارة أفريقيا تحولا كبيرا في خريطة النشاط الجهادي، حيث
تراجعت القدرات المركزية للتنظيمات المتشددة على إدارة عمليات واسعة النطاق خارج
مناطق نفوذها، وبرزت فروع محلية أكثر استقلالاً وقدرة على استثمار هشاشة الدول
والنزاعات المحلية لتوسيع حضورها، خصوصاً في منطقة الساحل. وقد كشفت منظمة ACLED المعنية برصد النزاعات، واقع
التحولات الجيوسياسية والأمنية الأخيرة في القارة الإفريقية. وأشارت إلى تبني تنظيم
القاعدة استراتيجية "اللامركزية الإقليمية"، واعتماده على فروع محلية
تمتلك مرونة أكبر في الحركة والتمويل واتخاذ القرار. وهو ما نتناوله بالتفصيل.
(1) من المركزية إلى الفروع:
وفق تقديرات مديرية الاستخبارات الوطنية (DNI)، مجلة CTC Sentinel من أكاديمية ويست بوينت،
بالإضافة إلى تقرير CSIS حول الإرهاب العالمي. يحتفظ تنظيم القاعدة المركزي ببنية لا تزال
مستمرة رغم الضربات التي تعرض لها، لكنه تراجع مركزيا مع نمو في الفروع الإقليمية،
خاصة في أفريقيا. ورغم أن القدرات المركزية أصبحت محدودة، بسبب قلة أعداد
المستقطبين الجدد، والضغط العسكري المستمر. لكنه يحافظ على شبكات عالمية لجمع
الأموال. إنتاج الإعلام. وإلهام الهجمات، مع إعلام قوي مثل "السحاب"
ومجلة "Inspire" التي أعيد إطلاقها في 2023 لتقديم تعليمات صنع القنابل
واستهداف الطيران المدني.
في تقرير لمجلة (المجلة 2026) أن التنظيم تمكّن في فترة (2022 – 2026)
من الصمود في وجه التهديدات، والعديد من النكسات التي تعرض لها، وثمة من يعتقد أنّ
التنظيم نجح في بناء قدراته القتالية، وتوسيع تحالفاته، والانتقال من جهاد
"النكاية" إلى "التمكين"، واستطاع دمج فروعه والمجموعات
المُرتبطة به، وترسيخ تحولاته الأيديولوجية بالجنوح لمزيد من التشدد والتطرف، ونقلت
عن الباحث منير أديب أن التنظيم المركزي تراجع لصالح الفروع دون أن ينهار،
لأنه نجح خلال السنوات الماضية في التحول من نموذج التمكين إلى الشبكة اللامركزية،
معتمدًا بصورة أكبر على الفروع والتنظيمات المحلية. التي اعتمدت على إعادة إنتاج
نفسها داخل البيئات الهشة ومناطق الصراعات والفوضى، بصور جديدة وأسماء مختلفة.
ويمكن ببساطة أن نشير إلى ساحات التنظيم الرئيسية، والتي أهمها: فرع
شرق أفريقيا (حركة الشباب)، الذي تمدد إلى أثيوبيا وأوغندا وكينيا، ويسيطر على
مساحة جغرافية شاسعة في جنوب شرق الصومال، ويحافظ على تواجد كبير بالمحيط من أجل
التهريب والانتقال البحري، إلى الحوثي باليمن. ثم فرع الساحل والصحراء (نصرة
الإسلام والمسلمين). فرع غرب أفريقيا، تحت قيادة جماعة أنصارو وقادتها مثل “أبو
بكر آدم كمبر”، وخالد برناوي الملقب بـ“أبو أسامة الأنصاري، واسمه الحقيقي "محمد
أول إبراهيم غُمْبَيْ". ثم فرع شمال أفريقيا، بقيادة أبو عبيدة العنابي.
يقول الباحث ماهر فرغلي في دراسة نشرها مركز (استراتجكس) إن القاعدة
دمجت ما بين القتال المعولم والمحلي، ونزعت إلى بناء إمارات خاصة بها، وفق
استراتيجيات الحفاظ على البقاء، لأنه لم يكن يومًا مجرد تنظيم يقوم على مركز واحد
أو قيادة تتحرك في مساحة جغرافية محددة، بل كان أشبه بشبكة تتبدل أشكالها كلما
اشتدت عليها الضربات. وعلى الرغم من سنوات الاستهداف الأمني والعسكري التي طالت
قياداته وهياكله، فإن التنظيم المركزي لم يختفِ تمامًا، وإنما انحسر حضوره وتأثيره
تدريجيًا، تاركًا وراءه بنية تنظيمية قادرة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها في
ظروف أكثر تعقيدًا.
(2) من الجهاد المعولم إلى المحلي:
في الوقت الذي بدا فيه المركز أقل قدرة على فرض إيقاعه على المشهد
الجهادي العالمي، كانت فروعه الإقليمية، خاصة الأفريقية، تتحرك في الاتجاه
المعاكس؛ إذ وجدت في هشاشة بعض الدول، والصراعات المحلية، والفراغات الأمنية،
والاضطرابات الاجتماعية، بيئة مواتية لتوسيع نفوذها، حيث لم تعد مجرد امتدادات
هامشية للمركز، بل أصبحت في بعض المناطق أكثر حضورًا وتأثيرًا من التنظيم الأم
نفسه. وهو ما يمكن أن ينطبق عليه القول (إن القاعدة تحولت من الهجوم المباشر إلى
استراتيجيات البقاء. ومن القتال المعولم إلى المحلي. ومن جهاد النكاية إلى
التمكين).
وتعتبر منطقة الساحل الإفريقي وفق منظمة ACLED (بؤرة التركيز الجديدة) عن طريق جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تُعد
الفرع الأبرز الموالي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل (خاصة في مالي، وبوركينا
فاسو، والنيجر). وكذا بشرق إفريقيا حيث حركة الشباب المجاهدين: التي تعتبر أحد
أغنى فروع القاعدة وأكثرها استقلالية مالية وتنظيمية. وتعتمد على شبكات جباية
ضرائب محلية معقدة وتمويل ذاتي يتيح لها الاستمرار بشكل مستقل تماماً عن دعم
القيادة المركزية للتنظيم.
وهناك تطور غير اعتيادي في فروع التنظيم الأخرى في أفريقيا، ومنها:
كتيبة سرما. وجماعة أنصار الإسلام، التي انفصلت عن بوكو حرام في غرب أفريقيا،
والفرع الأكبر القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي JNIM، بعد أن تحولت من الجهاد
المعولم، إلى عمليات أكثر محلية، واستقلالية عن المركز الرئيسي للتنظيم. وأصبحت
تركز على أهداف قريبة وواقعية (السيطرة على طرق التجارة، ومناجم الذهب التقليدية،
وفرض الإتاوات) بدلاً من التخطيط لعمليات عابرة للقارات تستهلك الكثير من الموارد
وتجلب ردود فعل دولية ساحقة. وأيضا القاعدة في بحيرة تشاد، التي يمثلها قسم من
جماعة بوكو حرام أطلق على نفسه (أهل السنة للدعوة والجهاد)، ويقودها الآن إبراهيم
محمدو (باكورا دورو).
وقد أدى النهج الذي عمل به التنظيم إلى خلق جماعات أكثر مرونة قادرة
على التكيف لاستراتيجيات قطع رأس الأفعى (القيادة)، لكنه في ذات الوقت جعل التنظيم
ليس له وحدة مركزية واحدة، وجعل هناك تنازعا بين القتال المحلي والمعولم، وأثّر في
سياسات التنظيم، التي بدت منقسمة بين القيادة العامة لـ (سيف العدل)، وبين
القيادات المحلية الممسكة بشكل أكبر بخيوط التنظيمات الإقليمية مثل (إياد أغ غالي)
قائد جماعة نصرة الإسلام.
(3) بيئة التمدد:
وجدت الجهادية بشكل
عام، والقاعدة بشكل خاص في دول أفريقيا مناخا خصبا لتطوير استراتيجيتها التي تشمل
الإطاحة بحكومات تعتبرها "مرتدة" لتقيم دولة الخلافة، وكان هناك مناخ وأسباب
في هذا التوسع والتمدد، ومن أهمها: انتشار السلفية
الحركية وخطاب المساواة الذي تطرحه وما وفره من فرصة مثالية للتحرر من
الفقر في مالي ودول الساحل، وساهم ذلك في
انتشار التطرف العنيف والمشروع الإسلاموي، المتمثل في إنشاء إمارات إسلامية،
وفي العاصمة التشادية وحدها كمثال، أكثر من ثلاثين
جامعاً للسلفيين، ولهم مدارس في جميع مراحل التعليم بدءاً، من الابتدائية، مروراً
بالمتوسطة، والثانوية، ودور نسائية وحلقات تحفيظ قرآن على مستوى الدولة كلها وفق دويتشه فيلا، وساهم هذا في تشكيل
فضاءات جهادية تتجاوز الانتماء من الدولة القومية إلى دولة الخلافة، وهذا
استفادت منه على سبيل المثال جماعة نصرة الإسلام، وجماعة أنصارو، الذين
احتلوا مساحات وصفوها بـ “المحررة”، وبدأوا ينظمونها
ويديرونها ويؤمنون معاقلهم، ويهددون ويغتالون ممثلي الدولة لكي يتمكنوا من
فرض نظامهم السياسي والديني، وفي هذه المساحات الجغرافية قاموا بدعم السكان
المحليين والمواطنين المهمشين البعيدين عن العواصم، ليوفروا لهم حماية وفرص عمل من
خلال دعوتهم للقتال في صفوفهم. وهكذا بإضفاء الشكل الديني على الصراعات العرقية
والقبلية في أفريقيا، تصاعدت الصراعات بشكل لم يسبق له مثيل، حيث اختلط العنف
والإرهاب الذي تمارسه القبائل والجماعات المجتمعية والعنف الذي تمارسه الجماعات
الإسلاموية، وفق مركز افريقيا للأبحاث.
ونجحت
التنظيمات في تبني القضايا المحلية، مثل الصراعات على الأراضي والمعارك بين
المجتمعات المحلية، على سبيل المثال، ما أعطى جاذبية لهم وقوة مكنتهم من إجبار
السكان المحليين على قطع علاقاتهم مع قوات الأمن الموجودة وإلا تعرضوا لعمليات
انتقامية مميتة، وأدى هذا أيضاً إلى أن الجماعات الجهادية دفعت السكان المحليين
إلى عصيان الحظر الذي فرضته السلطات فيما يتعلق بالصيد في المناطق المحمية، وصيد
الأسماك، ونقل الماشية، واستخراج الذهب، وهذه الإيرادات جذبت العديد من الأشخاص
إليهم.
وقد
وفّر أتباع القاعدة للعصابات الإجرامية شرعية دينية لممارساتهم الإجرامية،
بل والحماية للعديد من الهاربين منهم، الذين فروا لتلك الجماعات وحصل تبادل بينهم
في الأموال والحماية والانتقال بين الطرق الوعرة وعداء الجيوش الوطنية، وبسبب السيطرة على أجزاء كبيرة كان الجهاديون وجماعاتهم الإرهابية.
كما قدموا نموذجا لإدارة تلك المناطق وحل النزاعات حول المراعي والأراضي
والموارد، يقول د. حمدي عبد الرحمن: اكتسبت القاعدة حول بحيرة تشاد، وفي شرق
أفريقيا والساحل، نفوذًا من خلال التدخل في النزاعات على الأراضي والمراعي، ومن
خلال الانحياز إلى المجتمعات الرعوية التي تسعى إلى الدفاع عن أراضيها أو
استعادتها، وكانت هذه التنظيمات تنزل بشكل منتظم في دوريات بالقرى من أجل حماية من
استعانوا بهم، أو من أجل شراء الإمدادات، وهذا خلق لهم حاضنة كبيرة بين القرويين،
ويمكن القول إجمالاً إن الانتشار الأوسع للجماعات الجهادية له جذوره في ديناميكيات
بالغة التعقيد والتشابك، بما في ذلك تصاعد التوترات العرقية. فقد أدت التهم
الموجهة ضد مجتمعات بأكملها، وخاصة الفولاني، بارتباطها بالأنشطة الجهادية، إلى
علاقات صراعية ومميتة بين المجتمعات المحلية".
في بحث للمركز
الأفريقي للأبحاث 2022، أن القاعدة اخترقت المجتمعات عن طريق تأليب الطوائف،
ثم قدمت الحلول بديلاً عن قوات الأمن من أجل حماية السكان، ما وفر لهم حاضنة
واستغلال الضحايا وتجنيدهم في صفوفهم، فعندما يحلون
يضمنون الحماية وسهولة تسليم البضائع وتداولها.
ومع
القوانين التي فرضتها بعض حكومات دول الساحل حول المراعي وحظر دخول الماشية
الأجنبية عبر الحدود، دخل الجهاديون من أجل تقويض المؤسسات الأمنية والسماح
بنقل الماشية وحماية مناطق الرعي وتشغيل المهمشين، الذين يكافحون من أجل إبقاء
حيواناتهم على قيد الحياة خلال موسم الجفاف، والانحياز إلى المجتمعات الرعوية التي
تسعى إلى الدفاع عن أراضيها أو استعادتها. كما استفادوا من المناطق البرية الشاسعة
التي في الأغلب تكون بدون حماية أمام قاطعي الطرق،
الذين ينصبون كمينًا للمركبات ويسرقون الركاب في المناطق الريفية غير الآمنة، حيث
يتدخلون فيقدمون الدعم للمواطنين.
وأدت الهجمات التي قامت بها التنظيمات
الإرهابية في دول الساحل إلى مزيد من التدخل الأجنبي، كما قال الباحث أحمد
عسكر في مجلة السياسة الدولية 2023: لم تكن القوات الفرنسية فقط هي لاعب أجنبي
رئيسي، قبل أن تنسحب من بعض الدول، بل دخلت فاغنر على الخط، وهذا أعطى شرعية
للتنظيمات تحت بند مكافحة الاحتلال الأجنبي، وكان من الواضح أن
تدخل القوات الأجنبية لا يشكل حلا بل على العكس من ذلك، فإنه حفّزهم على حمل
السلاح.
وتسبب انتشار
ميليشيات الدفاع عن النفس "العرقية" (الفولاني، بامبارا، دوجون،
موسي) في صعوبة تحديد الجماعات المسلحة العاملة ومسؤوليتها عن العمليات الإرهابية
والمجازر، بسبب الانتشار الكثيف للميليشيات التي قامت الحكومات المتعاقبة بتسليح
ودعم بعضها، مثل الصيادين التقليديين، المعروفين باسم دوزو، ومجموعة دان نا
أمباساغو، الذين شكلوا قوات كانت تدافع عن القبائل، بل في تأمين الانتخابات، عندما
استدعتهم الجيوش لمعرفتهم الجيدة بالتضاريس خلال المهام العملياتية، وهذا أضفى
الشرعية على وجود تنظيم القاعدة والتنظيمات الفرعية الموالية له كميليشيا مسلحة
تدافع عن مصالحها، وحماية نفسها من قبائل التي ارتكبت في حقهم مجزرة عام 2017،
وهكذا استفاد التنظيم من عسكرة المجتمع في دول الساحل، ونشوء مجموعات للدفاع عن
النفس، في غياب تام للدولة، التي عجزت عن حماية المزارعين والصيادين والرعاة وتدخل
الجهاديون وتقاطعت هجماتهم مع تصفية الحسابات الجارية بين أفراد المجتمع، وأدى ذلك
إلى تعقيد التمييز بين المنظمات المتطرفة العنيفة والعصابات الإجرامية، وهذا في
مقال تحليلي للدكتور حمدي عبد الرحمن.
وتمددت
التنظيمات الفرعية للقاعدة في افريقيا بسبب السيولة الحدودية وسهولة التمويل
القائمة على الفدية (البشر وأيضا الحيوانات)، والاتجار. يقول محمد ماضي في فصلية
مستجدات سويسرية: (يمكن للمجموعات أحيانًا المشاركة في تنظيم الاتجار، ولكن في
أغلب الأحيان، تكسب المال عن طريق تأمين القوافل، وفرض الضرائب على تداول هذه
المنتجات، وبسبب وجود أدوات التمويل فإن التنظيمات تفاعلت اجتماعيا بين أفراد
المجتمع الذين تقوم بتشغيلهم وتوظيفهم كمقاتلين أو معاونين لها، وهنا تكمن المشكلة
في مهاجمين جدد يتوالدون ويفلتون من أي مراقبة تقليدية، ويقومون بعمليات إرهابية
يستهدفون فيها المدنيين لترهيب المجتمعات المحلية من أجل السيطرة على عائدات الذهب
وشبكات الاتجار).
وبسبب عدم
قدرة الحكومات على فرض سلطتها خارج المدن، تعاظم الإرهاب، وعانت مجتمعات تلك
الدول من الفشل السياسي والفساد ونقص خدمات التعليم وندرة الفرص الاقتصادية، مما
فتح الباب على مصراعيه لتفشي جرائم الإتجار بالبشر والمخدرات وتهريب السلاح، وهكذا
تمكنت فروع القاعدة من استغلال تلك الثغرات والقدرة على التنقل بحرية في المنطقة
في عقد تحالفات مع الجماعات المحلية والاستعانة بقبائل الطوارق المتمردة على الحكم.
وتعتبر مشكلة
التحيز الإثني، التي وصلت لأعلى المستويات في المؤسسات العسكرية الأفريقية من
الأسباب المباشرة لوجود التنظيمات الإرهابية وتوسعها، يقول د. أحمد أمل في مجلة
الدراسات الأفريقية جامعة القاهرة 2021: في مالي على سبيل المثال كان هناك حضور
محدود لأبناء جماعة الطوارق في مقابل الحضور المكثف لجماعتي زارما وسونجاي، وعلى
الرغم من اتخاذ حكومة النيجر إجراءات أكثر تقدما في احتواء الطوارقية في البنية
العسكرية، إلا أن جماعة الفولاني التي تشكل نحو 7% من البلاد لا تزال غير ممثلة
على نحو متناسب، وبهذا تشهد دول الساحل ظاهرة الجيوش الإثنية، الأمر الذي استغلته جماعة
نصرة الإسلام والمسلمين في أغلب موادها الإعلامية.
وكان تشظي
بنية القيادة العسكرية، سبب رئيسي في مشكلات اخترقت فروع القاعدة
الواقع من خلالها، مثل قوات النخبة والقوات الخاصة، التي حصلت مساحة أكبر من
الاستقلالية، مكنت بعضها من قيادة انقلابات في بلدانها، وهذا ما أثّر على قدرة دول
أفريقيا في مكافحة الإرهاب، بسبب تعدد الهياكل العسكرية، وغياب الاستراتيجيات
والتباينات بين القوات المختلفة، وانتشرت ظاهرة القوات الموازية، وميليشيات الدفاع
الذاتي، منذ عام 2012، ففي مالي دعمت الحكومة ميليشيا جاندا ايزو، في مواجهة تمرد
الطوارق في تمبكتو، قبل أن تدعم ميليشيا قبيلة إمغاد الطوارقية، وتدعم حركة إنقاذ
أزواد التابعة لقبيلة دوساهاك، من أجل الضغط على جماعة أنصار الدين المعبرة عن
قبيلة إيفوغاس الطوارقية، إضافة إلى الضعف الهيكلي للتسليح ومحدودية الإنفاق
العسكري، والاعتماد المفرط على الدعم الخارجي.
وفاقمت الانقلابات العسكرية الاضطراب
السياسي، وأدت وفق ما كتبه ادواردوا بالدارو، عن مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل
بمركز General Enquiries إلى انقسامات
كبيرة في صفوف العسكريين بالجيوش الأفريقية، تزامنًا مع تحول لدى الرأي العام
الأفريقي في بعض دول أفريقيا من مرحلة التأييد للعسكريين الجدد إلى مرحلة السخط
والاحتجاجات بسبب سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، وهذا ما صب في مصلحة
فروع القاعدة التي وجدت فرصتها لتوسيع نفوذها ورقعة سيطرتها الجغرافية.
يقول د. أحمد
أمل في محددات أمن الحدود في السياسة الدولية 2022: ساعد توافر التمويل
وسهولة الحصول الدائم عليه في تموضع فروع القاعدة بأفريقيا، ومنه تجارة الأسلحة
والذخائر، التي حصلوا منها على أموال طائلة، وكذلك الارتباط بين الاتجار غير
المشروع بالأسلحة النارية والعصابات والجماعات الرعوية، ما أنشأ عصابات وطرق توريد
أسلحة غير مشروعة، وأصبحت قنوات مهمة للتنظيمات وللاتجار غير المشروع بين مناطق
الصراع في دول الساحل ومنطقة البحيرات الكبرى وأفريقيا الوسطى، وساعد على تأجيج
الصراعات في المنطقة. ويضاف إلى الأسلحة تجارة المخدرات والمستحضرات غير المشروعة،
التي انتقلت من دول الساحل إلى حركة الشباب وشبكاتها في مدينتي كيسمايو وبوساسو
لمعالجة الكوكايين القادم من أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى الهيروين من الهلال
الذهبي في آسيا والمثلث الذهبي.
كما استفادت فروع
القاعدة المحلية بأفريقيا من تجارة الأدوية غير المشروعة، والتي تقدر قيمتها بنحو
200 مليار دولار أمريكي سنوياً، وكذلك التجارة في العاج "الذهب الأبيض"،
وعمليات الصيد الجائر، وتجارة السكر غير المشروعة، والتجارة في المعادن والموارد
الطبيعية، وعائدات نقل الفحم في الطرق التي سيطرت عليها تنظيماتها، بجانب
(الضرائب) وعمليات الابتزاز والإكراه على (الزكاة)، والفديات على المخطوفين.
يقول ادواردوا بالدارو، عن مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بمركز General Enquiries: لقد ساهمت الخرائط
الطبيعية الوعرة للصحراء والكثبان الرملية والهضاب العميقة التي تتخللها كهوف
متعددة، على خلق وسائل تواصل مأمونة بين التنظيمات والمنظمات الإجرامية الأخرى،
فالساحل والصحراء يتميز بالسلاسل الجبلية -بلورية أو بركانية -وبأشكال خشنة،
وبالتالي فإن ذلك يساعد على تمويه المجموعات الصغيرة المتنقلة، وتوفر للعناصر
الإرهابية الذين يتنقلون عبرها العديد من الملاجئ (الوديان والكهوف والصخور
المتدلية)، وتوفر الخرائط الطبيعة غير الساحلية مساحة للتواصل.
كما مكّن التأثير المتنامي للجريمة
المنظَّمة، وتسامح السلطات تجاه النشاط الإجرامي، وتواطؤ وضلوع بعض المسؤولين،
واستعداد الحكومات الغربية لدفع الفدية، في ازدهار صناعة الاختطاف والتهريب، وهنا كما
في مقال الجريمة المنظَّمة والصراع في منطقة الساحل والصحراء بمركز مالكوم كارنيجي
(وقع التداخل بين الإرهاب المؤدلج والجريمة المنظمة للبحث عن المال والتمويل، وتوسّع
تهريب صمغ الحشيش المغربي، وتهريب الكوكايين، وعمليات الاختطاف للحصول على فدية،
وقد حوّل الأفراد والشبكات الضالعة في هذه الأنشطة ثرواتهم إلى نفوذ سياسي وقوة
عسكرية، ووضعت التجارة في السلع المهرّبة المشروعة، والتي تطوّرت في جميع أنحاء
المنطقة في العقود السابقة، الركيزة المؤسّسية لتطوير هذه الأنشطة ذات الربحية
العالية، وأسفر ارتفاع الأرباح التي يمكن تحقيقها بفضل تهريب المخدرات عن حملة
قامت بها شبكات مختلفة للسيطرة على طرق التهريب أو لفرض رسوم عبور على المهربين من
المجموعات الأخرى).
وفي السياق تظهر الشخصيات الإرهابية نفسها كوسطاء في قضايا الرهائن،
وتتنافس مع بعضها بعضاً في بعض القضايا، وتتعاون في قضايا أخرى مثل إياد غالي،
وإبراهيم أغ الصالح – وهو عضو في الجمعية الوطنية عن بوريم، والذي أصبح في وقت
لاحق قيادياً بارزاً في الحركة الوطنية لتحرير أزواد الطوارقية، ومصطفى ولد الإمام
شافي، المستشار السابق لرئيس بوركينا فاسو، وهناك أدلّة دامغة أن الوسطاء استقطعوا
جزءاً كبيراً من مبالغ الفدية وتقاسموه مع السياسيين ممن يوفرون لهم الحماية، ولقد
تعاونت جماعة نصرة الإسلام مع قيادة القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، ووفر تنظيم
القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والمرابطون، الأقل تواجدًا محليًا، إمكانية
الوصول إلى عمليات تهريب راسخة عبر هذه المناطق، مما أدى إلى تحقيق إيرادات كبيرة لتنظيماتهم.
خلاصات
1.
يتبين مما سبق أن تنظيما عابرا للحدود مثل القاعدة تخلى عن مركزيته
الشديدة، واعتمد اللامركزية لصالح الفروع المحلية، التي استغلت المظالم المحلية
وأسباب أخرى متنوعة للتمدد، ما يستدعي إنشاء منظومة أفريقية موحدة لتحليل التهديد.
2.
كما يجب أن تنتقل سياسات مكافحة الإرهاب في أفريقيا من نموذج «ملاحقة
الجماعة داخل حدود الدولة» إلى نموذج أكثر انسيابية يقوم على إدارة الأزمات
المحلية، وتجفيف شبكات التمويل، والتعاون عبر الحدود، وبناء قدرة الدولة
والمجتمعات المحلية في المناطق الهشة.
3.
هذا التحول أصبح أكثر أهمية لأن جماعات مسلحة عديدة تستفيد من الحدود
المفتوحة، وضعف حضور الدولة، والنزاعات المحلية، والاقتصاد غير الرسمي والتعاون مع
عصابات الجريمة المنظمة.