يُشكل ارتباط إنتاج الذهب بالصراعات المسلحة ظاهرة معقدة تُعرف عالمياً بظاهرة ذهب الدم، حيث يتحول هذا المعدن النفيس في مناطق النزاع إلى رافد رئيسي لتمويل الميليشيات والجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة التي تسيطر على المناجم العشوائية وغير القانونية لشراء الأسلحة وإطالة أمد الحروب وتوسيع نفوذها الميداني. وتكتسب ظاهرة التمويل بالذهب أبعاداً خطيرة مستمدة من الخصائص المادية والاقتصادية الاستثنائية للمعدن النفيس،فهو مرتفع القيمة الاقتصادية، صغير الحجم، سهل النقل والتخزين والتخفي، وقابل للصهر وإعادة التشكيل بسهولة ودون أن يترك أي أثر كيميائي أو وثائقي يربطه بمنطقة استخراجه الأصلية.

تتفرع عن هذه التجارة المظلمة آثار مدمرة تتمثل في التهريب الدولي الواسع عبر نقل المعدن من مناطق النزاع إلى مراكز عبور إقليمية لتنقيته وصهره وإضفاء صفة الشرعية عليه ليصعب تتبع أصله، إلى جانب انتهاكات إنسانية جسيمة تفاقم معاناة المدنيين عبر فرض السخرة وعمالة الأطفال واستخدام المواد الكيميائية السامة كالزئبق والسيانيد دون أدنى معايير لحماية البيئة أو الإنسان. ومع تصاعد الهجمات المسلحة في مناطق الإنتاج وانعدام الرقابة المؤسسية، باتت دراسة اقتصاديات الذهب مدخلاً تحليلياً جوهرياً لفهم آليات تشكل النزاعات المعاصرة، وتفكيك الشبكات المالية غير المشروعة التي تربط بين المناجم النائية والأسواق العالمية.

 

خريطة الذهب اليوم:

  تتوزع الخريطة العالمية لإنتاج الذهب بين دول كبرى مستقرة تخضع لرقابة صارمة وقوانين بيئية ومؤسسية مثل الصين وأستراليا وكندا، ودول تخضع لعقوبات جيوسياسية توظف الذهب كأداة مالية للالتفاف على القيود الغربية مثل روسيا، وبؤر مشتعلة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية تمول فيها عائدات التنقيب العشوائي النزاعات الأهلية والجريمة المنظمة.

وتتصدر الصين قائمة أكبر الدول منتجة للذهب في العالم بحصة تزيد عن 10% من الإنتاج العالمي، حيث يتراوح إنتاجها السنوي بين 380 و384 طناً، تليها روسيا بإنتاج يبلغ 330 طناً، ثم أستراليا بـ 284 طناً، وكندا بـ 202.1 طناً، والولايات المتحدة الأمريكية بـ 158 طناً، وغانا بـ 140.6 طناً، والمكسيك بـ 140.3 طناً، وإندونيسيا بـ 140.1 طناً، وبيرو بنحو 137 طناً، وأوزبكستان بنحو 129 طناً.

وتبرز في خريطة إنتاج الذهب العالمية مناجم كبرى تتصدر المشهد، من أبرزها منجم مورونتاو في أوزبكستان الذي يُعد من أكبر المناجم عالمياً بإنتاج يقارب 2.7 مليون أونصة أو ما يعادل نحو 73.7 مليون جرام، ومناجم نيفادا في الولايات المتحدة الأمريكية بطاقة إنتاجية تبلغ حوالي 2.7 مليون أونصة، ومنجم غراسبيرغ في إندونيسيا بإنتاج يصل إلى 1.9 مليون أونصة، إلى جانب منجم أوليمبيادا في روسيا الذي يعد أحد أكبر المناجم الروسية.

وعلى صعيد الوطن العربي وإفريقيا، تستحوذ القارة الأفريقية على نحو ربع الإنتاج العالمي، وتبرز فيها دول مثل غانا والسودان ومالي وجنوب إفريقيا وموريتانيا، حيث يتصدر السودان قائمة أكبر المنتجين في العالم العربي بإنتاج يقارب 73.8 طناً، بينما شهدت مصر ارتفاعاً في إنتاجها خلال العام المالي 2024–2025 ليصل إلى نحو 17.26 طناً أو ما يعادل 555 ألف أونصة، مع امتلاكها احتياطيات مؤكدة تقدر بنحو 227 طناً تتركز بشكل رئيسي في الصحراء الشرقية عبر منجم السكري ومناجم أخرى واعدة، وتسجل موريتانيا بدورها إنتاجاً سنوياً يقارب 21.9 طناً عبر مناجم بارزة مثل تازيازت.

 

الموارد والعنف المسلح:

 يقدم الإطار النظري للاقتصاد السياسي للنزاعات تفسيراً شاملاً لآليات تحول الذهب من مجرد مورد طبيعي تنموي إلى عامل ممتد لاشتعال العنف واستدامته. فقد طور الباحثون عدة مقتربات مفاهيمية تشرح هذه الديناميكية:

  1. أوضحت أطروحات فيليب لو بيلون حول البيئة السياسية للحرب أن الموارد القابلة للنقل والبيع بسهولة، كالذهب، لا تكتفي بتمويل الحروب، بل تعمل على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للصراع؛ إذ تمنح الفاعلين المسلحين استقلالية مالية كاملة عن سلطة الدولة وحواضنها التقليدية، مما يتيح لهم بناء قدرات قتالية ذاتية مستمرة.
  2. وسلطت دراسات مايكل روس الضوء على دور الموارد الطبيعية في إطالة أمد الحروب الأهلية عبر رفع الحوافز الاقتصادية لاستمرار القتال وإضعاف مؤسسات الدولة التنظيمية والرقابية، مما يجعل إنهاء الحرب خياراً مكلفاً اقتصادياً لأمراء الحرب والشبكات المستفيدة.
  3. وفي ذات السياق، صاغ بول كوليير وأنكي هوفلر نموذج الجشع والمظلومية، مؤكدين أن وجود الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال المباشر يوفر الفرصة التمويلية لبدء التمرد واستمراره، بغض النظر عن الدوافع أو الشعارات السياسية والإثنية المعلنة.
  4. وأثبتت الدراسات الكمية المكانية، مثل دراسة نيكولا بيرمان وزملائه، وجود علاقة طردية بين ارتفاع الأسعار العالمية للمعادن وتصاعد معدلات العنف المسلح حول مواقع التعدين في إفريقيا؛ حيث تتجه الجماعات المسلحة فور ارتفاع قيمة المورد إلى فرض سيطرتها الميدانية بالقوة لتأمين تدفقات مالية أكبر.

 

مناطق إنتاج الذهب وبؤر الصراع المسلح:

تتحول مناجم الذهب في القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية إلى هدف استراتيجي للجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة في ظل غياب أو ضعف سيطرة الحكومات المركزية على مناطق التعدين البعيدة والمناطق الحدودية الهشة.

 

السودان: الذهب في قلب الحرب الأهلية:

  يعوم السودان على كميات كبيرة من الذهب باحتياطيات تُقدر بـ 1550 طناً، ليصنف كثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا بعد غانا وجنوب إفريقيا، والمرتبة الثالثة عشر عالمياً. وعقب انفصال جنوب السودان عام 2011، اعتمد  شمال السودان على الذهب كمصدر رئيسي للدخل والعملة الصعبة بدلاً عن النفط. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحول الذهب إلى المحرك الأساسي لاستمرار القتال، إذ ينتج السودان أكثر من 100 طن سنوياً يعود منها 30 طناً فقط لخزينة الدولة، بينما يُتقاسم الباقي بين طرفي الصراع لشراء الأسلحة والعتاد وتوفير الاتصالات العابرة للحدود.

وقد شكل استيلاء قائد قوات الدعم السريع على منجم جبل عامر بشمال دارفور في عام 2017 حجر الزاوية لبناء إمبراطورية اقتصادية بمليارات الدولارات تضم شبكة من 50 شركة دفعت ثمن الأسلحة والمقاتلين والنفوذ، قبل أن يعيد السيطرة عليه عند اندلاع الحرب ويحصل من مصفاة الذهب الوطنية بالخرطوم على سبائك ذهب بقيمة 150 مليون دولار. وفي المقابل، تعتمد القوات المسلحة على مناجم حديثة وصناعية كمنجم كوش في الشمال لتوليد إيرادات حيوية لاستمرار العمليات العسكرية.

 

شرق الكونغو الديمقراطية:

  تُمثل الزاوية الشمالية الشرقية وإقليم كيفو في جمهورية الكونغو الديمقراطية موطناً لأغنى حقول الذهب في إفريقيا، والتي كانت سبباً في إشعال حرب دموية ممتدة منذ عام 1998. وتسيطر فصائل مسلحة، وعلى رأسها حركة 23 مارس (إم 23) والقوات الديمقراطية المتحالفة التابعة لتنظيم الدولة، على مناطق التعدين ومنافذ التهريب. وتؤكد البيانات الميدانية أن نحو 27 بالمئة من عمال المناجم في شرق الكونغو يعملون في مواقع تخضع لسيطرة غير قانونية من الجماعات المسلحة أو عناصر عسكرية.

وتحصل حركة إم 23 شهرياً على نحو 800 ألف دولار من سيطرتها على المناجم وفرض الضرائب، حيث شن مسلحوها هجمات عنيفة على مناجم كبرى مثل منجم موتشاتشا وسيطروا عليه، فضلاً عن ارتكاب فظائع وانتهاكات واسعة ضد السكان وإجبارهم على العمل تحت تهديد السلاح.

 

 

الساحل الإفريقي: تمويل التنظيمات المتطرفة

في دول الساحل الإفريقي (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر)، أصبحت السيطرة على مناجم الذهب الحرفية شريان الحياة المالي المباشر لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش بفضلاً عن المجموعات الإرهابية الأخرى. ويكشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن 87 بالمئة من الذهب الذي تنتجه مالي، بقيمة 6.3 مليار دولار، يُهرب خارج البلاد عبر مجموعات إرهابية.

وتشهد بوركينا فاسو وقوع 75 بالمئة من حوادث العنف المرتبطة بالتعدين بالمنطقة، حيث تحاصر الجماعات المسلحة مواقع التنقيب والشركات وتفرض إتاوات وضرائب على المنقبين لتأمين سيولة سريعة وتخزين كميات ضخمة من الذهب المغسول لتحديث عتادها العسكري وتوسيع نفوذها الميداني.

 

إثيوبيا وكولومبيا:

 شكل الذهب المهرب من إقليم تيجراي في إثيوبيا مصدراً مالياً لحفظ سيولة التسليح خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2020، ولا تزال الصراعات المسلحة مستمرة بعد توقف القتال حول مناجم مثل راوا وهينتسات وأوروميا، حيث يُهرب أكثر من 6 أطنان من الذهب سنوياً.

وفي كولومبيا بأمريكا اللاتينية، اقتحم عمال مناجم ينتمون لـ "عشيرة الخليج" (EGC) أنفاق منجم زيجين في بوريتيكا بحفر شبكة أنفاق طولها 84 كيلومتراً تحت الأرض، مما أدى إلى معارك مسلحة وتلوث بيئي خطير بالزئبق والسموم التي تسربت للمياه الجوفية وسلسلة الغذاء.

 

شبكات التهريب والتجارة:

تُدار تجارة الذهب غير المشروع عبر شبكات تهريب دولية بالغة التعقيد تستغل النقاط الحدودية الهشة وغياب الرقابة لإيصال الذهب من مناجم النزاع إلى الأسواق العالمية. وتقدر منظمة "سويس إيد" أن ما بين 32% و41% من الذهب المُنتج في إفريقيا جنوب الصحراء لعام 2022 كان غير مشروع وخارج الأطر الرسمية.

تبدأ مرحلة التهريب بنقل الذهب استخراجياً عبر مسارات برية أو حقائب يد أو رحلات جوية من دول المنشأ إلى دول عبور إقليمية مجاورة. وفي شرق الكونغو، يُهرب الذهب نحو رواندا وأوغندا اللتين تدعمان حركة إم 23، حيث أنشأت رواندا مصفاة ذهب وصدّرت ذهباً بقيمة 1.5 مليار دولار عام 2024 رغم انعدام إنتاجها المحلي، بينما صدّرت أوغندا ذهباً بقيمة 3.4 مليار دولار يتضمن ذهباً من مناجم النزاع. وفي غرب إفريقيا، يُهرب الذهب من مالي وبوركينا فاسو نحو توغو أو غانا لإعادة معالجته.

وتنتهي معظم شحنات الذهب المهرب في المراكز العالمية للتكرير والتجارة، وهناك يُصهر الذهب المهرب ويُخلط بسبائك قانونية أو يُصنف كـ "ذهب معاد تدويره"، مما يمحو أثره الجغرافي تماماً، إذ لا توجد تقنية أو اختبار كيميائي للحمض النووي يحدد المصدر الأصلي للسبائك المصهورة. وعقب عملية الصهر والدمج، ينفذ الذهب بصورة قانونية إلى الأسواق والمصانع ومتاجر المجوهرات في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي وآسيا دون إمكانية لتتبع ارتباطه بالجماعات المسلحة.

 

مسارات تحويل الذهب إلى سلاح:

 تتبع الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة مسارات متعددة وآليات محكمة لتحويل الذهب الموجود تحت سيطرتها إلى سلاح ومعدات قتالية، حيث تكتفي هذه الجماعات في مسارها الأول بفرض إتاوات وضرائب حماية مباشرة على المنقبين التقليديين والتجار ومشغلي المعدات مقابل السماح لهم بالعمل، مما يضمن لها سيولة مالية مستمرة دون مجازفة قتالية أو تكاليف تشغيلية. وفي المسار الثاني، تفرض الميليشيات سيطرتها على طرق التجارة والنقاط الحدودية الضعيفة لجباية رسوم عبور قوافل الذهب، واستخدام ذات الطرق الآمنة في الاتجاه المعاكس لإدخال شحنات الأسلحة والذخائر والوقود.

 أما المسار الثالث فيتمثل في غسيل الذهب والشركات الواجهة، حيث يتم صهر الذهب المنهوب وتحويله عبر شركات واجهة ونظام الحوالات غير المصرفية إلى حسابات مالية تُستخدم لشراء الطائرات المسيرة، وأنظمة التشويش، والأسلحة الحديثة. وفي المسار الرابع المتعلق بتجنيد المقاتلين وبناء الحواضن الاجتماعية، تستغل الجماعات المتطرفة ندرة الوظائف وغياب خدمات الدولة لتقديم الحماية لأعمال التنقيب غير الرسمية وتأمين دخل للمنقبين، مما يسهل استقطاب الشباب وتجنيدهم مقابل أجور نقدية أو حصص ذهبية.

وأخيراً، يتجسد المسار الخامس في الصفقات المباشرة والامتيازات مقابل الخدمات الأمنية، إذ تعتمد بعض الحكومات والأنظمة العسكرية في مناطق النزاع على منح امتيازات تعدينية سريعة ودفع سبائك ذهبية مباشرة لشركات أمنية خاصة ومجموعات مسلحة مثل مرتزقة "فاغنر" و"فيلق إفريقيا" الروسي مقابل تقديم الخدمات القتالية والاستشارية لمواجهة التمرد.

 

تعدين العصابات في كولومبيا وفنزويلا:

  لا يقتصر هذا النمط على القارة الإفريقية، بل يمتد إلى غابات الأمازون وأنديز أمريكا اللاتينية. في كولومبيا، اقتحمت ميليشيات عشيرة الخليج أنفاق منجم زيجين للذهب في بوريتيكا، وحفرت أكثر من 84 كيلومتراً من الأنفاق العشوائية تحت الأرض لسرقة الذهب وتحصيل الإتاوات بالقوة المسلحة لتمويل السلاح وتجارة المخدرات، مع التسبب في كارثة بيئية تسربت فيها مادة الزئبق والسموم إلى المياه الجوفية والغطاء النباتي.

 

  

الذهب وصناعة النفوذ:

 لا تتوقف القيمة الاستراتيجية للذهب عند حدود التسلح التكتيكي، بل يمثل الأداة الأبرز لصناعة النفوذ السياسي وتأسيس كيانات موازية للدولة. يمنح الذهب الجماعات المسلحة استقلالية مالية كاملة عن أي تمويل خارجي مشروط، ويحول قادة الميليشيات إلى أمراء حرب أصحاب نفوذ اقتصادي عابر للحدود قادرين على فرض شروطهم والتأثير في مستقبل التسويات السياسية.

وعلى المستوى الدولي والإقليمي، يوظف الذهب كأداة رئيسية للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية ونظام المراسلات المصرفية الغربية. وتستفيد القوى الدولية والإقليمية من هذه المعادلة لبناء تحالفات استراتيجية مع السلطات العسكرية والجماعات النافذة في الدول الهشة لتأمين الوصول الحصري لمصادر الطاقة والمعادن، مما يعمق ارتهان القرار الوطني ويحول الموارد الطبيعية للشعوب إلى أداة لترسيخ الهيمنة وتأجيج الصراعات الإقليمية المتشابكة.

 

دور المجتمع الدولي في الرقابة :

  تتعدد المبادرات والجهود التي يبذلها المجتمع الدولي ومؤسساته الرقابية لتجفيف منابع التمويل القائمة على ذهب الدم، إلا أن هذه الجهود تتفاوت في مدى نجاحها الميداني أمام معقدات سوق الذهب العالمي. وتبرز في هذا السياق إرشادات العناية الواجبة لسلاسل التوريد المسؤولة للمعادن الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي الإطار المعياري الأبرز لتحديد وتقييم المخاطر المرتبطة بتداول ذهب النزاعات وإلزام الشركات بتقديم إثباتات واضحة حول خلو سلاسل التوريد من أي صلة بالجماعات المسلحة أو الانتهاكات الحقوقية.

وعلى المستوى الدولي، يوظف مجلس الأمن الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نظام العقوبات الاستهدافية والعقوبات الاقتصادية المباشرة ضد مصافي التكرير وشركات التعدين المتورطة في التعامل مع الذهب المنهوب، كما حدث مؤخراً في فرض العقوبات على مصافٍ في رواندا وشركات واجهة مرتبطة بتسليح حركة إم 23 في شرق الكونغو. إضافة إلى ذلك، تشرف جمعية سوق السبائك في لندن على معايير التوريد المسؤول لمصافي الذهب الكبرى في العالم لمنع المهربين من استخدام الأطر الرسمية للتداول.

غير أن هذه الرقابة تواجِهه ثغرات حقيقية ينفذ منها الذهب غير المشروع، إذ أن العديد من معايير الرقابة لا تزال ذات طابع طوعي في بعض مراكز التكرير الإقليمية، مما يمنح التجار والمهربين قدرة على الالتفاف على الضوابط الدولية بصهر الذهب وإعادة وسمه. ويستلزم التغلب على هذه التحديات تحويل معايير العناية الواجبة إلى قوانين ملزمة عالمياً، وتطبيق تقنيات التتبع الرقمي والتحليل الجيولوجي الدقيق لشحنات الذهب، وتنسيق الرقابة الحدودية والمصرفية لردع القوى والشبكات العابرة للحدود التي تقتات على النزاعات.

 

الذهب كأداة للالتفاف على العقوبات الدولية:

 على المستوى الدولي ايضاً يُستخدم الذهب كأداة للالتفاف على العقوبات الغربية ونظام المراسلات المصرفية الدولية، حيث تلجأ دول مثل روسيا إلى بناء شراكات أمنية وعسكرية في إفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو عبر شركات أمنية ومجموعات مسلحة مثل فيلق إفريقيا لتقديم الخدمات الأمنية وتدريب القوات مقابل الحصول على امتيازات تعدينية وتسهيلات لتصدير الذهب.

ويؤدي هذا التداخل بين النفوذ الأمني والموارد الطبيعية إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية في إفريقيا، ويصنع بيئة تتراجع فيها مؤسسات الدولة الرسمية لصالح سلطة السلاح والموارد، مما يجعل تحركات القوى الدولية والإقليمية محكومة بالوصول إلى مناجم الذهب والمعادن الاستراتيجية.

 

التداعيات الاقتصادية والإنسانية للتعدين غير المشروع:

يتعدى الأثر المدمّر لـ "ذهب الدم" حدود الميدان العسكري ليطال البنية التحتية والاجتماعية والبيئية للدول المنتجة، صانعاً حلقة مفرغة من الفقر والعنف وتتعرض المجتمعات المحلية في مناطق التعدين الحرفي لانتهاكات حقوقية خطيرة تشمل فرض العمل القسري (السخرة)، وعمالة الأطفال في ظروف شاقة، والتعرض الدائم للمواد الكيميائية السامة كالزئبق والسيانيد دون حماية، مما يؤدي إلى ملوثات بيئية دائمة في المياه الجوفية والتربة، وانتشار الأمراض المزمنة.

وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، تُحرم خزائن الدول النامية من ملايين الدولارات من عائدات الضرائب والرسوم الجمركية نتيجة التهريب، مما يضعف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية، وهو ما يغذي حالة التهميش ويدفع الشباب نحو الانضمام إلى الجماعات المسلحة كخيار اقتصادي أخير.

 

آليات الحوكمة ومواجهة التمويل غير المشروع:

صممت المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي عدة أطر وسياسات للحد من وصول ذهب الصراعات إلى الأسواق النظيفة، إلا أن تطبيقها يواجه ثغرات هيكلية:

1.    تعد إرشادات العناية الواجبة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،  المعيار الدولي الأكثر شمولاً لمعالجة سلاسل التوريد المسؤولة للمعادن من المناطق المتأثرة بالنزاعات. غير أن الاعتماد على التطبيق الطوعي لهذه الإرشادات في بعض المراكز التجارية يضعف فعاليتها.

2.    وعلى عكس "عملية كيمبرلي" المخصصة لإصدار شهادات المنشأ للماس، يفتقر سوق الذهب العالمي لإطار قانوني دولي ملزم يمنع تداول السبائك ذات المنشأ المشبوه بشكل كامل، لا سيما بعد إعادة صهر الذهب في المصافي الوسيطة.

3.    ويحتاج إصلاح هذا القطاع إلى الاستثمار في التقنيات الحديثة لتتبع سلاسل التوريد، مثل تقنيات البلوكشين والوسم الرقمي، إلى جانب دعم تقنين التعدين الحرفي لدمج العمال الفقراء في الاقتصاد الرسمي بدلاً من تركهم تحت سيطرة الشبكات الإجرامية.

 

خاتمة:

1.    تثبت المعطيات والأرقام الميدانية أن الذهب في مناطق النزاع بات يشكل المورد الأكثر خطورة في تمويل الإرهاب وإطالة أمد الحروب الأهلية. وخلافاً للنجاح الذي حققته عملية كيمبرلي في الحد من تجارة "الماس الدموي" عبر إصدار شهادات المنشأ، فإن السيطرة على "ذهب الدم" تصطدم بعقبات تقنية وهيكلية حادة، أبرزها سهولة صهر الذهب ومحو أثره الجغرافي، وغياب التنسيق بين المراكز التجارية العالمية، وتعارض المصالح الجيوسياسية للدول الكبرى، فضلاً عن هشاشة المؤسسات التنظيمية في دول المنشأ التي تجعل من استغلال الموارد أمراً متاحاً لشبكات الجريمة المنظمة وأمراء الحرب.

2.    إن مواجهة هذه الظاهرة المدمرة تتطلب حتماً تجاوز المقاربات الأمنية التقليدية والعقوبات الموسمية نحو إستراتيجية دولية متكاملة وعميقة المدى. وتستوجب هذه الإستراتيجية تقنين قطاع التعدين الحرفي ودمجه في الاقتصاد الرسمي لحماية ملايين العمال والمنقبين من الابتزاز والاستغلال والسخرة، وإلزام جميع مصافي التكرير والمراكز التجارية الكبرى بتطبيق معايير صارمة وعابرة للحدود للعناية الواجبة وتتبع مسار المعادن، وفرض عقوبات رادعة ومشددة على الدول والشركات والأفراد المتورطين في شبكات غسل الذهب المهرب وتجارة النزاعات.

3.    إن تكاتف الجهود الدولية للرقابة ووقف الاستغلال يظل الضمانة الأساسية لقطع شريان تمويل الميليشيات، وإعادة توجيه ثروات الشعوب لتكون رافداً حقيقياً للتنمية المستدامة والبناء السلمي بدلا من أن تظل وقوداً مشتعلاً للحروب والدمار.