استشرافات
دعوة البرهان لحوار سوداني في ظل العمليات العسكرية
19-Aug-2026
حمل خطاب رئيس سلطة بورتسودان عبد الفتاح البرهان، بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش السوداني، في ظاهره مبادرة سياسية لإطلاق حوار سوداني شامل يتعهد فيه بتوفير الضمانات اللوجستية والقانونية والأمنية وتسهيل الحريات ومنح حصانات مؤقتة للمشاركين.
غير أن هذا الطرح السياسي، جاء مقترنًا بتمسك
عسكري صارم بمواصلة العمليات حتى ما وصفه بتطهير البلاد وتشكيل مؤسسات السلطة
الانتقالية مع القوى المساندة للجيش، وهو ما عكس تناقضًا بنيويًا بين لغة السلام
المعروضة ومتطلبات الميدان المشتعل، خاصة وأن الدعوة لم تقترن بإعلان واضح لوقف
إطلاق النار أو معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي تحاصر ملايين السودانيين.
هذا الطرح السياسي لم يكن مقطوعًا عن سياقه
الميداني المتفجر، إذ جاء في أعقاب تصعيد عسكري واسع انطلق عقب إطلاق قائد قوات
الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي لقواته وتوعده بالهجوم على الخرطوم، كرد
مباشر على سيطرة الجيش على مناطق أم سيالة وأم قرفة وبارا وفتح طريق الصادرات
الاستراتيجي.
فقد شهدت جبهات القتال تحولات ميدانية متسارعة،
تمثلت في تقدم قوات الدعم السريع وحلفائها في تحالف تأسيس وقوات الحركة الشعبية
بقيادة عبد العزيز الحلو واستيلائهم على مناطق استراتيجية في إقليم النيل الأزرق
وشمال كردفان وغرب شمال دارفور، فشملت
السيطرة مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق أُغرو وأمورو وخور الذهب المحاذية لطريق
الدمازين فضلا عن السيطرة على البان جديد وأم عردة وحامية جبل هشابة القريبة من
الأبيض لتزيد الضغط العسكري على خطوط إمداد الجيش وتضع مركز ثقله بمدينة الدمازين
جنوب شرق السودان، تحت القصف والتهديد المباشر.
انقسام وتباين:
أثارت دعوة
البرهان موجة عارمة من الانقسام والتباين الحاد داخل المشهد السياسي السوداني، حيث
رأت قوى محددة ومساندة للجيش في مقدمتها تحالف الكتلة الديمقراطية أن المبادرة
تمثل مسارًا وطنيًا استحق الشكر والترحيب وخطوة نحو التوافق الوطني بشرط الحفاظ
على الملكية الوطنية واستقلالية القرار السياسي، بينما قوبلت الدعوة برفض قاطع من
غالبية القوى المدنية والتحالفات الثورية المناهضة للحرب.
فقد اعتبر
الناطق الرسمي لتحالف القوى الثورية الديمقراطية صمود جعفر حسن أن هذا الحوار يهدف
عمليًا للتعايش مع الحرب، وتأسيس سلطة أمر واقع، تكرس تقسيم البلاد مشددًا على أن
العفو والتصاريح المؤقتة مجرد مهزلة تلتف على العدالة الدولية ومطالباً بمسار
سياسي تشرف عليه لجنة تحضيرية مستقلة، تبدأ بوقف الحرب أولاً. ويقول أشار القيادي
بقوى إعلان المبادئ وجدي صالح إن دعوة البرهان زائفة وتهدف لإعادة شرعنة السلطة
الانقلابية للهروب من استحقاقات وقف القتال ومعالجة الأزمة الإنسانية، وهو ما أيده
المتحدث باسم حركة جيش تحرير السودان محمد عبد الرحمن الناير بوصم الدعوة بحوار
الوثبة (جديد) يُراد منه إيجاد شرعية شكلية لسلطة بورتسودان .
ويرى القيادي بتحالف
صمود خالد عمر يوسف أن خطاب البرهان ليس سوى تلخيص مستنسخ من ورقة أجندة المستقبل
التي طرحها القيادي بالنظام السابق أحمد هارون في فبراير 2025 بتفاهمات جرت في
اجتماعات إسلامية بتركيا، بغرض صياغة واجهة مدنية ديكورية تعيد تمكين عناصر النظام
البائد من إدارة الدولة من خلف الستار.
موقف الإخوان :
لم تكن الجبهة الإسلامية نفسها بعيدة عن هذه
الهزات والارتدادات، حيث كشف الخطاب عن تصدعات وتباينات عميقة داخل المعسكر
الإسلامي وداعمي عمليات الجيش الميدانية. فقد تمثل الموقف الرسمي للحزب المحلول في بيان
مقتضب وقاسي أصدره أحمد هارون يثمن فيه تضحيات الجيش ويهاجم البرهان بشدة ويتهمه
بالتزلف والتقرب لقوى هشة على حساب الحزب مؤكدًا أن القواعد الشعبية للحركة لن
تتنازل عن حريتها وسيادتها وستخوض الاستحقاق الانتخابي فور انتهاء الحرب.
في مقابل هذا الموقف المتشنج، ظهر الموقف
المتمايز للمهندس إبراهيم محمود متبرئًا من بيان هارون ومحملا إياه مسؤولية الفوضى
التي آلت إليها البلاد، بينما وجه الصحفي الإسلامي عبد الماجد عبد الحميد نقداً
لاذعاً لقيادة التيار الإسلامي، داعياً إياها للخروج من منطقة الراحة ومواجهة
التحدي الوجودي، المتمثل في شخص البرهان نفسه، الذي يتكئ على نصائح مستشارين
لتقليم أظافر الإسلاميين وحرمانهم من التمثيل السياسي.
في خضم هذا الارتباك جاء إعلان قائد كتيبة
البراء بن مالك المصباح أبوزيد طلحة عودته إلى الحياة المدنية عبر حسابه الشخصي
بـ(الفيسبوك)، ليبث حالة من الغموض حول مستقبل القيادة الميدانية لهذه الكتائب
المسلحة ويطرح تساؤلات ملحة حول مدى قدرة البرهان أو رغبته الفعلية في خوض مواجهة
حقيقية ومباشرة مع الشبكات الأمنية والعسكرية للإسلاميين المترسخة داخل أجهزة
الدولة.
تحذيرات من التقسيم:
على الضفة الأخرى، انطلقت تحذيرات سياسية
وأكاديمية قاطعة من أن الطريقة التي يدير بها البرهان عملية الحوار ستفضي حتمًا
إلى تفتيت ما تبقى من السودان وتمزيق نسيجه الوطني، حيث شدد الأمين العام لمبادرة
المجتمع المدني بالنيل الأزرق علي هجو، على أن الحوار تحت أزيز الطائرات المسيرة ،
وفي ظل تشريد ملايين المواطنين، يفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية، بل يشبه
محاولات التجميل الفاشلة لنظام الرئيس السابق عمر البشير.
المحلل السياسي
قرشي عوض قال: إن هذا الحوار يمثل محاولة بائسة لإنقاذ الدولة القديمة ومصالح
النخب الحاكمة، دون التنازل عن المؤسسة العسكرية أو تقديم إصلاحات جذرية، مما يجعل
قمة فشل الحوار مكمونة في إمكانية نجاحه بهذه الآلية التي تطبع مع واقع السلاح.
أما الناطق
الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني فتحي فضل، فقد نبه إلى أن القراءة الدقيقة
للمبادرة، تسلط الضوء على وجود دفع ورعاية إقليمية لفرض وصاية سياسية وتهيئة فترة
انتقالية جديدة تعيد تقديم سلطة الأمر الواقع، وإعادة إنتاج النظام القديم
بترتيبات مدنية شكلية محذرًا القوى الراديكالية من السقوط في فخ التهدئة وتجاهل
التغيير الجذري المطلوب.
خلاصات:
أمام هذه
التعقيدات الميدانية والانسدادات السياسية يتكشف المشهد السوداني عن ثلاثة خيارات
ومآلات لا مناص من مواجهتها وفق المعطيات الراهنة.
1. الخيار
الأول يتجسد في مضي القيادة العسكرية في عقد الحوار بشكله الحالي بمن حضر من القوى
المساندة واستبعاد الأطراف الفاعلة والمعارضة للحرب وهو سيناريو يسير بالبلاد نحو
تعميق حالة الانقسام السياسي والميداني وتأسيس سلطة أمر واقع خاضعة لنفوذ الدولة
القديمة وشبكات الحركة الإسلامية مما يحول الصراع المسلح إلى حرب استنزاف طويلة
الأمد تدفع السودان بشكل متسارع نحو التفتت الجغرافي والتحول إلى مناطق نفوذ
معزولة تحكمها المليشيات والكتائب المسلحة على غرار النموذجين الليبي واليمني.
2. الخيار
الثاني يتمثل في نجاح الضغوط الدولية والإقليمية الخماسية والرباعية بالتوازي مع
اتساع جبهات الرفض المدني في إجبار طرفي النزاع الجيش والدعم السريع على التفاوض
المباشر للوصول إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية وتدشين
عملية سياسية مدنية مستقلة تشرف عليها لجنة تحضيرية محايدة تعمل على تفكيك بنية
التمكين وحظر الكتائب الأيديولوجية وبناء جيش مهني وقومي واحد وتأسيس انتقال
ديمقراطي حقيقي يلبي تطلعات ثورة ديسمبر.
3. الخيار
الثالث يكمن في استمرار سياسة شراء الوقت عبر المناورات السياسية والحوارات
الشكلية بالتزامن مع اتساع رقعة المواجهات العسكرية وتمدد الدعم السريع وتحالف
تأسيس في أقاليم النيل الأزرق وكردفان ودارفور وهو سيناريو يؤدي عمليا إلى انهيار
كامل لمؤسسات الدولة المركزية وغرق البلاد في أتون حرب أهلية شاملة تتجاوز حدود
السودان لتلقي بظلالها على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتحول المنطقة برمتها
إلى بؤرة صراع إقليمي ودولي مفتوح على كل الاحتمالات.