في التاسع من يوليو 2026 كتب رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف على حسابه في منصة إكس، أن مضيق هرمز لن يُفتح إلا بموجب "ترتيبات إيرانية" عقب ضربات متبادلة بين طهران وواشنطن ، وقال قاليباف : "الولايات المتحدة لم تتعلم بعد أن ممارسات الترهيب ونكث الوعود لم تعد تمر دون عواقب" مضيفا "سأكون واضحا: إذا ضربتم، ستُضربون".

لقد أدى التصعيد العسكري الجاري إلى تهديد محادثات السلام ومفاعيل مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو 2026، والتي كانت تنص على إعادة فتح المضيق مجانًا لمدة 60 يومًا، حيث قفزت حركة الملاحة فور توقيعها (موقع قناة الغد). وهكذا تسلك إيران مسارا خطرا باستهدافها السفن العابرة في مضيق هرمز، لكنها تراهن على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يرغب في العودة إلى حرب شاملة من شأنها أن تؤدي إلى تحليق أسعار النفط .

 

ورقة إيران

عقب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، أدرك الإيرانيون أن ورقتهم الرابحة الكبرى تكمن في مضيق هرمز الاستراتيجي. وقال أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، لفرانس بريس إن طهران "تريد اعترافا بأن إيران تسيطر فعليا على مضيق هرمز... إنه ورقة الضغط التي يملكونها في مواجهة الولايات المتحدة والغرب، حيث حلّت هذه السيطرة محل تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى لتصبح ورقة المساومة الرئيسية لديهم". وأوضح "من حيث الجوهر، يعتقدون أن عامل الوقت يعمل لصالحهم؛ إذ يمكنهم الصمود لفترة أطول من الأميركيين ودول الخليج، وهذا هو الرهان الذي يعتمدون عليه".

ومنذ الثامن من أبريل، أعلن دونالد ترامب مرارا عن وقف لإطلاق النار مع على وقع الارتفاع الكبير في أسعار النفط والصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة في إزاحة القوات الإيرانية عن مضيق هرمز.

ورغم المعارضة الأميركية، تدّعي إيران حقها في فرض ما تسميه بدل خدمات في الممر المائي، وقد هاجمت ما لا يقل عن ثلاث سفن تجارية الثلاثاء، وفق الجيش الأميركي. وردت الولايات المتحدة بشن ضربات ، وذلك بعدما صرح ترامب في وقت سابق بأن اتفاق وقف إطلاق النار قد انتهى.

 

حالة الردع

لقد أدت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو بين طهران وواشنطن إلى إعادة فتح المضيق. مع ذلك، تسعى إيران أيضا لإثبات قدرتها على التحكم بمجريات الأمور في المنطقة ومعارضتها لعمليات المواكبة البحرية الأميركية أحادية الجانب، وفق ما ذكرت نغار مرتضوي، من مركز الأبحاث الأميركي "مركز السياسة الدولية" ، وقالت مرتضوي "تحاول إيران تجنب حرب شاملة أخرى، لكنها تعتقد أيضا أن عدم الرد ينطوي على مخاطر؛ إذ قد يُفسَّر ذلك على أنه ضعف ويفتح الباب لمزيد من الضغوط". وأضافت "ترى إيران أن التصعيد المدروس والمحدود يمكن أن يعيد حالة الردع من دون تجاوز الخط الفاصل نحو حرب شاملة".

 

استعراض قوة

قد ترى طهران أنها لم تعد تملك الكثير لتخسره في مواجهة ضربات محددة، وذلك بعد حرب أودت بحياة مرشدها الأعلى علي خامنئي. غير أن استراتيجية طهران هذه تنطوي على مخاطر. فقد سبق لدونالد ترامب أن اتخذ قرارات غير متوقعة، وهدد بمحو "الحضارة" الإيرانية بأكملها. كما يمكن لترامب أن يعطي الضوء الأخضر لحليفه الإسرائيلي لشن هجمات جديدة.

من جانبه، شكك الخبير في مؤسسة "مجموعة الأزمات الدولية"  البحثية علي واعظ في احتمال العودة إلى حرب شاملة بين طهران وواشنطن، إذ اعتبر أن ترامب يعتقد بأنّ تصعيدا كهذا ستترتب عليه تكاليف عسكرية واقتصادية باهظة. وقال "أعتقد أن خطاب دونالد ترامب يتسم بالمبالغة، كعادته". ورأى واعظ أن إيران تعتبر السيطرة على المضيق "أكبر إنجازاتها في هذه الحرب"، مضيفا "لقد سفكوا الدماء من أجل ذلك، وهم ليسوا مستعدين للتخلي عنه".

 

حدود الحرب

لقد استبعد الرئيس ترامب إمكانية اندلاع حرب جديدة وشاملة مع إيران، على الرغم من الشكوك المثار حول مدى متانة وصمود اتفاق وقف إطلاق النار بين البلدين عقب التوترات الأخيرة وفق القاهرة الإخبارية .

وفي مؤتمر صحفي عقده بالعاصمة التركية أنقرة علي هامش قمة الناتو وردًا على سؤال بشأن احتمالات استئناف الأعمال العدائية: قال ترامب "لا أعتقد أن الحرب ستستأنف، وأعتقد أن أي شيء قد يحدث سينتهي بسرعة كبيرة".

وفيما بدا أنه تحول نسبي نحو نبرة أكثر إيجابية مقارنة بتصريحاته السابقة التي أعلن فيها "انتهاء" هدنة الأسابيع الثلاثة مع طهران، لم يتراجع ترامب عن تهديداته بشن ضربات إضافية، لكنه ركز على الأهداف الإستراتيجية للتحركات الأمريكية.

أضاف ترامب: "سنتحرك فقط لتعزيز أمن المنطقة، بما في ذلك تأمين حركة الملاحة النفطية؛ حيث ستصبح إمدادات النفط حرة وسلسة للغاية، وسينبثق هذا الواقع سريعا"، مختتما حديثه بالإشارة إلى العقيدة العملياتية الحالية للإدارة الأمريكية بقوله: "نحن لا نبحث عن حلول طويلة الأجل".

 

أجندة عالمية

خلال قمة الناتو في أنقرة أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو، مارك روته، على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً بالكامل، معتبراً الضربات الأميركية الأخيرة ضد إيران "ضرورية للغاية" رداً على الهجمات ضد السفن التجارية.

وتصدر أمن الملاحة في مضيق هرمز جدول أعمال الاجتماعات لضمان حرية إمدادات الطاقة العالمية، حيث ناقش وزراء خارجية الحلف الملف مع نظرائهم الخليجيين. وأبدت دول مثل ألمانيا وفرنسا استعدادها للمساهمة في تأمين الممر المائي وإزالة الألغام، بينما تحاول القوى الدولية الموازنة بين حماية خطوط التجارة وتجنب الانخراط في حرب واسعة.

 

استشرافات

1.    من المرجح أن يؤدي أي إغلاق إيراني كامل لمضيق هرمز إلى انتقال الحرب من مواجهة أمريكية–إيرانية إلى أزمة أمن دولي، مع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد الأطراف المشاركة. ومع ذلك، يبقى السيناريو الأكثر احتمالاً هو استمرار إيران في استخدام المضيق كورقة ضغط عبر تعطيل الملاحة ورفع مستوى المخاطر، بدلاً من الإغلاق الكامل، لتجنب استدعاء تدخل عسكري دولي واسع النطاق.

2.    سيؤدي ذلك إلى تغيير طبيعة الحرب، إذ لن يبقى الهدف محصوراً في الضغط على طهران أو الرد على تحركاتها، بل سيتحول إلى حماية الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. فاستمرار إغلاق المضيق سيجعل إعادة فتحه هدفاً عسكرياً دولياً، وليس أمريكياً فقط، نظراً لما يمثله من تهديد مباشر لتدفقات النفط والغاز والتجارة العالمية.

3.    كما أن إغلاق المضيق سيؤدي إلى اتساع دائرة المشاركين في الحرب، حيث من المرجح أن تنخرط قوات بحرية من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول خليجية، وربما دول أخرى تعتمد على نفط الخليج، في عمليات مشتركة لتأمين الملاحة. وبذلك تنتقل المواجهة من نطاق محدود إلى تحالف أوسع يهدف إلى منع إيران من التحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

4.    ولكن رغم خطورة إغلاق مضيق هرمز، فإن هناك عوامل قد تمنع انزلاق الأزمة إلى حرب شاملة، أبرزها امتلاك الولايات المتحدة وحلفائها قدرات بحرية وجوية كبيرة تمكّنهم من إعادة فتح الممر بالقوة خلال فترة محدودة. كما أن وجود هذه القدرات قد يشكل رادعاً لإيران، ويجعلها تتردد في الذهاب إلى إغلاق كامل وطويل الأمد.

5.    كما أن إيران نفسها تعتمد على المضيق في جزء مهم من صادراتها ووارداتها، وهو ما يجعل الإغلاق الكامل مكلفاً لها اقتصادياً وسياسياً. فتعطيل المضيق بصورة شاملة قد يضر بمصالحها المباشرة، ويزيد من عزلتها، ويدفع قوى دولية أوسع إلى الاصطفاف ضدها.