شهدت العاصمة التركية أنقرة انعقاد القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في لحظة فارقة تختبر تماسك الحلف التاريخي وبنيته الدفاعية، وتأتي هذه القمة وسط أجواء مشحونة بملفات جيوسياسية حارقة، تلتقي فيها ضغوط الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع إعادة طرح ملفات أمنية واستراتيجية مثيرة للجدل، ما يضع مفهوم "الأمن الجماعي" أمام مقصلة الحسابات الرقمية والمصالح القومية الضيقة.


تحديات وجودية

   تتبلور في هذه القمة ستة تحديات وجودية ترسم ملامح القراءة الاستشرافية لمستقبل الحلف، حيث يبرز التحدي الأول في اهتزاز يقين الالتزام الأمريكي بمبدأ الدفاع المشترك (المادة 5)، مدفوعاً بالخطاب التصعيدي للرئيس دونالد ترامب الذي وصف الحلف بـ "نمر من ورق" ولوح بالانسحاب، مدخلاً أبعاداً جديدة للصراع عبر ربط التزامه العسكري بملفات غير تقليدية كاستحواذ بلاده على جزيرة غرينلاند، وانتقاد سياسات أوروبا في ملفي الهجرة والطاقة.

وقال مايكل أوهانلون، الباحث في مؤسسة «بروكينغز»، في تصريحات لـ س ان بي سي، إن القمة تواجه العديد من التحديات، مشيراً إلى أن نجاحها يتوقف على إحراز تقدم في تقاسم أعباء الإنفاق العسكري بين الدول الأعضاء، إلى جانب التوصل إلى وسائل إضافية لزيادة الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف أن تحقيق تقدم في ملف الإنفاق الدفاعي يبدو ممكناً، بعدما أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في مايو ، أن الهدف من القمة هو تحويل التزامات الدول الأعضاء إلى نتائج ملموسة.

يتشابك هذا التحدي مباشرة مع التوجه الأمريكي نحو نقل العبء الدفاعي التقليدي بالكامل إلى القارة الأوروبية، ليتفرغ البنتاغون لمواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما بدأ يترجم عملياً بسحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا نحو الجناح الشرقي في بولندا، وتقليص القدرات المتاحة للحلف وقت الأزمات.

معضلات سياسية واقتصادية

  أمام هذا الانكفاء الأمريكي، يواجه الحلفاء الأوروبيون معضلة اقتصادية وسياسية تتمثل في التحدي الثالث الخاص بالإنفاق الدفاعي، حيث يطالب الحلف برفع الميزانيات العسكرية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عقد من الزمن، وهو ما يثير انقسامات داخلية حادة تجسدها معارضة إسبانيا ودول أخرى بسبب الضغوط الاقتصادية المحلية، وفي حين تلتزم كندا والدول الأوروبية بتمويل عسكري مستقل لأوكرانيا يصل إلى 140 مليار يورو لعامي 2026 و2027، فإن المعضلة لا تتوقف عند توفير المال، بل تمتد لتشكل التحدي الرابع المتمثل في بطء وتيرة تحويل هذه الميزانيات إلى قدرات عسكرية حقيقية وذخائر وصواريخ منظومات الدفاع الجوي في ظل بطء خطوط الإنتاج الحربي واستنزاف المخزونات.

الصعيد الميداني

 على الصعيد الميداني، يبرز التحديان الخامس والسادس في كيفية صياغة استراتيجية ردع طويلة الأمد لروسيا واستدامة دعم أوكرانيا، فبينما يوجه الكرملين نصف ميزانيته للإنفاق العسكري ويشن هجمات صاروخية مكثفة على كييف عشية القمة، يجد الناتو نفسه مجبراً على إدارة دعم عسكري معقد في وقت تتزايد فيه التوترات الإيرانية والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط، والتي يرى مسؤولون أنها قد تشتت أجندة الدفاع والردع الأساسية للحلف، لا سيما مع عتب واشنطن على حلفائها لرفضهم تقديم تسهيلات جوية أو قواعد عسكرية خلال حربها في الشرق الأوسط وتأمين مضيق هرمز.

تفاؤل حذر

 في قراءتهم لمخرجات القمة ومستقبل الأطلسي، يبدي الخبراء والباحثون الاستراتيجيون تفاؤلاً حذراً ممزوجاً بالواقعية، ويرى المحللون أن الناتو يمر بأكبر عملية تحول هيكلي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث يسير مجبراً نحو "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" جزئياً، للتخلص من نموذج الاتكال الكامل على المظلة الأمريكية.

في هذا السياق، يشير باحثو مؤسسة "بروكينغز"، ومنهم مايكل أوهانلون، إلى أن سقف التوقعات من هذه القمة يجب ألا يكون مرتفعاً للغاية، وأن مجرد تحقيق تقدم محدود في ملف تقاسم الأعباء المادية وتجنب حدوث صدع علني حاد بين الحلفاء يمثل في حد ذاته نتيجة إيجابية ونجاحاً ملموساً، كما يرى الباحثون أن المبادرات الأمريكية المرتقبة للإعلان عن مشاريع دفاعية ومبيعات أسلحة استراتيجية كصواريخ "توماهوك كروز" لأوروبا، ليست سوى خطة لتعويض الانخفاض التدريجي للوجود العسكري الأمريكي على الأرض.

من جهة أخرى، يبدي القادة الأوروبيون في الدول القطبية، كفنلندا والدنمارك، رباطة جأش ديبلوماسية تجاه تهديدات ترامب بشأن جزيرة جرينلاند والأمن القطبي، مؤكدين على جهوزيتهم العسكرية الذكية وقدرتهم على التعامل مع التحديات الأمنية الإقليمية بتركيز وهدوء، وبالرغم من أن عقلية "الآلة الحاسبة" التي تدار بها السياسة الأمريكية الحالية تضعف الثقة المتبادلة، فإن القراءة الاستشرافية تؤكد أن الناتو سيبقى حاجة استراتيجية للجميع، لكنه سيخرج من قمة أنقرة بهوية جديدة تتحمل فيها أوروبا الكلفة الأكبر لحماية أمنها.

قراءة استشرافية

  1. بالنظر إلى خارطة التوازنات المستقبلية، تشير القراءة الاستشرافية الدقيقة إلى أن حلف الناتو يقترب من مرحلة انقسام وظيفي حتمي بين ضفتي الأطلسي، حيث ستتحول الولايات المتحدة تدريجياً من دور "الشريك الميداني المباشر" في أوروبا إلى دور "المورد الاستراتيجي والتقني"، مما يجبر القارة العجوز على تسريع وتيرة اندماجها العسكري الذاتي وبناء منظومة تصنيع دفاعي مستقلة قادرة على سد الفجوة الحرجة في غياب الغطاء الأمريكي التقليدي.
  2. هذا التحول لن ينهي الحلف بل سيعيد تعريفه كشراكة تجارية وتسليحية قائمة على المصالح المتبادلة بدلاً من الالتزام الإيديولوجي المطلق، كما أن هذا الانقسام التشغيلي سيعيد صياغة مفهوم المادة الخامسة نفسها، بحيث لا تصبح شيكاً على بياض، بل التزاماً مشروطاً بمدى مساهمة كل دولة في الأعباء المادية وبمدى مواءمة سياساتها الإقليمية مع التوجهات الأمريكية الفوقية.
  3.   إن هذا التحول البنيوي سيفضي بالضرورة إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لأوروبا، حيث ستجد العواصم الأوروبية نفسها مدفوعة لإنشاء تكتلات دفاعية مصغرة وأكثر مرونة داخل الإطار العام للحلف، مثل تعزيز المحاور القطبية ومحاور أوروبا الشرقية لمواجهة التهديدات المباشرة، مما يعني بزوغ فجر جديد للصناعات العسكرية الأوروبية التي ستحاول التحرر من التبعية التقنية الكاملة لواشنطن، رغم الصعوبات الاقتصادية والسياسية الداخلية التي تواجهها الحكومات الأوروبية في تبرير رفع ميزانيات التسليح لشعوبها.
  4. في المقابل، قد تستغل واشنطن هذا الوضع لتكريس هيمنة شركات المقاولات الدفاعية الأمريكية عبر عقود تسليح ضخمة طويلة الأجل تشمل صواريخ كروز والأنظمة الاستراتيجية، مما يحول الحلف في عمقه إلى سوق تجارية عسكرية متطورة يديرها البيت الأبيض بعقلية الاستثمار والمقايضة الأمنية الحذرة.
  5. تؤكد الرؤية الاستشرافية أن اختبار أنقرة يمثل البداية الفعلية لعصر "الأطلسي المتعدد السرعات"، حيث سيتعين على الدول الأوروبية مواجهة صعود التهديدات الشرقية من روسيا والصين بقدراتها الذاتية، مستفيدة من التكنولوجيا الأمريكية المبيعة لا الممنوحة.
  6. في نهاية المطاف هذا يعني أن بقاء الناتو وتماسكه مستقبلاً، لم يعد رهناً بقرارات البيت الأبيض أو حساباته المادية، بل بمدى شجاعة العواصم الأوروبية في تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية الباهظة لسيادتها العسكرية، والتخلي نهائياً عن ترف الانتظار الطويل تحت مظلة حماية أمريكية باتت تتقلب مع كل دورة انتخابية في واشنطن، مما يضع القارة أمام خيار تاريخي وحيد: إما بناء ركيزة دفاعية أوروبية حقيقية وقادرة على الصمود الذاتي، أو القبول بتبعية أمنية مجزأة وهشة تجعل أمن القارة رهينة للتقلبات المزاجية والسياسية في الساحة الأمريكية.