مقالات تحليلية

الأمم المتحدة: أزمات المياه في قلب تغير المناخ

04-Apr-2023

أصدرت الأمم المتحدة تقريرا يضم نتائج مجموعة من الدراسات حول الماء، وارتباط الأزمات المتعلقة بها بتغير المناخ وتداعياته السلبية. يبين تقرير المنظمة الدولية، أن مشاكل الماء ترتبط ارتباطا وثيقا بتغير المناخ، الذي يؤثر على مياه العالم بطرق معقدة، من أنماط هطول الأمطار غير المتوقعة إلى انكماش الصفائح الجليدية، وارتفاع مستوى سطح البحر. يتضح من ذلك أن تغير المناخ هو في الأساس أزمة مياه، نشعر بآثاره من خلال تفاقم الفيضانات، وارتفاع منسوب مياه البحر، وتقلص حقول الجليد، وحرائق الغابات، والجفاف.

مع ذلك، وفقا للتقرير، يمكن للمياه أن تحارب تغير المناخ، إذ تعد الإدارة المستدامة للمياه أمرا محوريا لبناء قدرة المجتمعات والنظم البيئية على الصمود وتقليل انبعاثات الكربون. تشدد الأمم المتحدة على أن لكل فرد دور يلعبه في هذه العملية، حيث إن الإجراءات على مستوى الفرد والأسرة تمثل محورا رئيسيا وحيويا في كبح جماح الأزمة.


محاور الأزمة 

تتضح علاقة الماء وتغير المناخ في حالات الطقس المتغيرة التي تؤدي إلى: جعل الماء أكثر ندرة. تهدد هذه المؤثرات التنمية المستدامة، والتنوع البيولوجي (Biodiversity)، وحصول الناس على الماء وتوفر الصرف الصحي.  

من جهة، يمكن أن تؤدي الفيضانات وارتفاع منسوب مياه البحر إلى تلويث موارد الأرض والمياه الصالحة للشرب، بالمياه المالحة، وإلحاق الضرر بالبنية التحتية للمياه وعمليات الصرف الصحي. من جهة أخرى، يؤثر التقلب في الغلاف الجليدي (Cryosphere) على تنظيم موارد المياه العذبة لأعداد كبيرة من الناس في المناطق المنخفضة.

وفقا للتقرير، يؤدي الجفاف وحرائق الغابات إلى زعزعة استقرار المجتمعات وإثارة الاضطرابات المدنية والهجرة في العديد من المناطق. يؤدي تدمير الغطاء النباتي والغطاء الشجري إلى تفاقم تآكل التربة ويقلل من تغذية المياه الجوفية، ويزيد من ندرة الماء وانعدام الأمن الغذائي. في الوقت نفسه، تتسبب زيادة الطلب على الماء في كثرة الحاجة إلى ضخ الماء ونقلها ومعالجتها، كما تساهم الزيادة في الطلب على الماء في تدهور أحواض الكربون المعتمدة على الماء مثل الأراضي الخثية، وهي نظم إيكولوجية حيوية ذات قدرة على تخزين كميات ضخمة من الكربون. يمكن أن تؤدي الزراعة التي تستهلك الماء بكثافة إلى تفاقم ندرة الماء.


شُحّ الماء

يعجز حوالي ملياري شخص في جميع أنحاء العالم اليوم عن الوصول إلى مياه الشرب (تقرير أهداف التنمية المستدامة 2022)، ويعاني ما يقرب من نصف سكان العالم من شح شديد في الماء لجزء من العام على الأقل (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). ومن المتوقع أن تزداد هذه الأرقام، ويتفاقم الوضع بسبب تغير المناخ والنمو السكاني (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية).

تمثل المياه العذبة الصالحة للاستخدام والمتاحة 0.5 في المائة فقط من الماء الموجود على الأرض، ويؤثر تغير المناخ بشكل خطير على هذه الكمية. على مدى السنوات العشرين الماضية، انخفض مخزون الماء الأرضي، بما في ذلك رطوبة التربة والثلج والجليد، بمعدل 1 سم في السنة، ما يحمل تداعيات خطيرة على الأمن المائي (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية).

وفقا للتقرير، من المتوقع أن تزداد إمدادات المياه المخزنة في الأنهار الجليدية والغطاء الثلجي طوال القرن، مما يقلل من توافر الماء خلال الفترات الدافئة والجافة في المناطق التي توفر إمداداتها المياه الذائبة من سلاسل الجبال الرئيسية، حيث يعيش أكثر من سدس سكان العالم حاليًا (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). من المتوقع أن يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة تملح المياه الجوفية، مما يقلل من توافر المياه العذبة للبشر والنظم البيئية في المناطق الساحلية (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ).

إن الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بـ 2 درجة مئوية، من شأنه أن يخفض إلى النصف تقريبا نسبة سكان العالم الذين يتوقع أن يعانوا من شُحّ الماء، (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). من جهة أخرى، تتأثر جودة الماء أيضا بتغير المناخ، حيث من المتوقع أن يؤدي ارتفاع درجات حرارة الماء وتواتر الفيضانات والجفاف إلى تفاقم العديد من أشكال تلوث الماء - من الرواسب إلى المسببة للأمراض ومبيدات الآفات (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). سيؤدي تغير المناخ والنمو السكاني وزيادة شُحّ الماء إلى الضغط على الإمدادات الغذائية (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ) حيث إن معظم المياه العذبة المستخدمة، حوالي 70 في المائة في المتوسط، تستغل في الزراعة (يتطلب إنتاج الغذاء اليومي للشخص ما بين 2000 و 5000 لتر من الماء) (FAO).


المخاطر المتعلقة بالماء

لقد جعل تغير المناخ الظواهر الجوية المتغيرة مثل الفيضانات والجفاف أكثر احتمالا وشدة (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). علاوة على ذلك، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى زيادة الرطوبة التي يمكن أن يحتفظ بها الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى المزيد من العواصف والأمطار الغزيرة، وإلى حالات جفاف أكثر شدة مع تبخر المزيد من الماء من الأرض وتغير أنماط الطقس العالمية (البنك الدولي).

وتذكر الأمم المتحدة أنه من المتوقع أن تزداد مخاطر الجفاف والفيضانات والأضرار المجتمعية المرتبطة بها مع كل درجة من درجات الاحترار العالمي (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). كما أنه من المرجح أن يزداد تواتر ظواهر الأمطار الغزيرة في معظم المناطق خلال القرن الحادي والعشرين، مع المزيد من الفيضانات الناتجة عنها. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أيضًا أن تزداد نسبة الأراضي المعرضة للجفاف الشديد في الوقت ذاته (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ). 

وفقا للتقرير، تصدرت الكوارث المتعلقة بالماء قائمة الكوارث على مدى السنوات الخمسين الماضية، وتسببت في 70 في المائة من جميع الوفيات المرتبطة بالكوارث الطبيعية (البنك الدولي). ومنذ عام 2000، ارتفعت الكوارث المرتبطة بالفيضانات بنسبة 134 في المائة مقارنة بالعقدين السابقين. لقد تم تسجيل معظم الوفيات والخسائر الاقتصادية المرتبطة بالفيضانات في آسيا (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية)، كما زاد عدد حالات الجفاف ومدتها بنسبة 29 في المائة خلال نفس الفترة، وقد حدثت معظم الوفيات المرتبطة بالجفاف في إفريقيا (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية).


حلول بشأن الماء

أوردت الأمم المتحدة بعض الحلول الممكنة للتخفيف من حدة الأزمة تضمنت:

1/ يمكن أن تؤدي النظم الإيكولوجية المائية الصحية وتحسين إدارة الماء إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وتوفير الحماية من مخاطر المناخ (تحالف الماء والمناخ). 

2/ تعتبر الأراضي الرطبة (Wetlands) التي تنمو فيها أشجار المانغروف وتتواجد فيها الأعشاب البحرية، فضلا عن الأهوار والمستنقعات أحواضا كربونية عالية الفعالية تمتص وتخزن ثاني أكسيد الكربون، مما يساعد على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري (برنامج الأمم المتحدة للبيئة). 

3/ تعمل الأراضي الرطبة أيضا حاجزا ضد الظواهر المناخية المتغيرة (برنامج الأمم المتحدة للبيئة). فهي توفر حزاما طبيعيًا ضد العواصف وهي أيضا تمتص المياه الزائدة. تخزن الأراضي الرطبة أيضا الماء وتنقيها من خلال النباتات والكائنات الحية الدقيقة التي تؤويها.

4/ توفر أنظمة الإنذار المبكر بالفيضانات والجفاف والمخاطر الأخرى ذات الصلة بالماء عائدات على الاستثمار تزيد على عشرة أضعاف ويمكن أن تقلل بشكل كبير من مخاطر الكوارث: يمكن أن يقلل التحذير قبل 24 ساعة من حدوث عاصفة قادمة الضرر الناتج بنسبة 30 في المائة (المنظمة العالمية للأرصاد الجوية).

5/ يمكن أن تنقذ نظم إمدادات الماء والصرف الصحي القادرة على تحمل تغير المناخ حياة أكثر من 360 ألف طفل رضيع كل عام (تقرير اقتصاد المناخ الجديد). 

6/ يمكن للزراعة التي تراعي المناخ، مع اعتماد الري بالتنقيط واستخدام وسائل أخرى للاستفادة الماء بكفاءة أكبر، أن تساعد في تقليل الطلب على إمدادات المياه العذبة (برنامج الأمم المتحدة للبيئة).


الطريق إلى الأمام

يحث التقرير صانعي السياسات المناخية وضع الماء في صميم خطط العمل، إذ تساعد الإدارة المستدامة للمياه المجتمع على التكيف مع تغير المناخ من جهة، والتخفيف من تغير المناخ نفسه من خلال حماية النظم البيئية وتقليل انبعاثات الكربون من نقل الماء والصرف الصحي ومعالجتها، من جهة أخرى. علاوة على ذلك، تشدد الأمم المتحدة على أهمية التعاون لتحقيق التوازن بين الاحتياجات المائية للمجتمعات والصناعة والزراعة والنظم البيئية، والحاجة إلى تمويل مبتكر لإدارة موارد الماء للمساعدة في جذب الاستثمار وخلق فرص العمل ودعم الحكومات في تحقيق أهدافها المتعلقة بالماء والمناخ.

أورد التقرير بعض الحلول بخصوص تأمين موارد الماء، تضمنت التالي:

1/ تحسين تخزين الكربون. تخزن الأراضي الخثية ما لا يقل عن ضعف كمية الكربون الموجودة في جميع غابات الأرض. يمكن لتربة أشجار المانغروف عزل ما يصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف الكربون عن التربة الأرضية. إن حماية وتوسيع هذه الأنواع من البيئات يمكن أن يكون له تأثير كبير على تغير المناخ.

2/ حماية المخازن الطبيعية. تعتبر أشجار المانغروف الساحلية والأراضي الرطبة حواجز طبيعية فعالة وغير مكلفة للفيضانات والظواهر الجوية الشديدة والتعرية، حيث تساعد النباتات على تنظيم تدفق الماء وربط التربة في السهول الفيضية وضفاف الأنهار والسواحل.

3/ تجميع مياه الأمطار (Harvesting rainwater). يعتبر تجميع مياه الأمطار مفيدا بشكل خاص في المناطق التي يتفاوت فيها توزيع هطول الأمطار، لبناء المرونة في مواجهة الصدمات وضمان الإمدادات لفترات الجفاف، وتشمل تقنيات التجميع: تخزين مياه الأمطار التي تهطل على الأسطح للاستخدام على نطاق صغير، والسدود السطحية لإبطاء الجريان للحد من تآكل التربة.

4/ اعتماد الزراعة الذكية مناخيا، مثل استخدام الري بالتنقيط؛ الحد من خسائر ما بعد الحصاد وهدر الطعام؛ وتحويل النفايات إلى مصدر للمغذيات أو الوقود الحيوي / الغاز الحيوي.

5/ إعادة استخدام مياه الصرف الصحي. يمكن استخدام موارد المياه غير التقليدية، مثل مياه الصرف الصحي المعالجة المنظمة، للري والأغراض الصناعية. تعتبر مياه الصرف المدارة بأمان مصدرا مستداما ومنخفض التكلفة للمياه والطاقة.

6/ استغلال المياه الجوفية. في كثير من الأماكن، يتم استخدام المياه الجوفية بشكل مفرط؛ في أماكن أخرى، كمية المياه الجوفية لا تزال غير معروفة. يعد استكشاف المياه الجوفية وحمايتها واستخدامها على نحو مستدام أمرا أساسيا للتكيف مع تغير المناخ وتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان.


twitter icon threads icon 27