
قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه
على أنه "رجل السلام" الذي يُعارض سياسات الحروب ويتعهد بوقفها، وامتدت تصريحاته
وتنظيره للسلام من حملته الانتخابية إلى ما بعد تنصيبه رئيساً في ولايته الثانية، لكنه
انحاز إلى تثبيت عقيدة "السلام من خلال القوة" كشعار يتبنّاه في التعامل
مع قضايا الحروب والصراعات حول العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً.
تستند هذه الرؤية إلى الصيغة التي أعلن
بها الرئيس الأمريكي التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في يناير 2025، والتي
تدعو إلى "الترويج للسلام عبر القوة، ومواصلة البناء على زخم الاتفاق لتوسيع اتفاقات
السلام الإبراهيمية" (الشرق للأخبار، 19 يناير 2025)، وسياسة الجمع بين الأدوات
الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية في: معالجة الملف النووي الإيراني، وفي مواجهة الحوثيين
في اليمن، ورفع العقوبات عن الدولة السورية في عهدها الجديد.
"سلام القوة" في فكر ترامب:
يُصنَّف مفهوم "السلام من خلال القوة"
ضمن قضايا المدرسة الواقعية في تحليل العلاقات الدولية، التي تجادل بأن القوة هي العنصر
اللازم لتحقيق السلام، وأنه يتوجّب على الدول الاستمرار في زيادة مصادر قوّتها وامتلاك
الأدوات المتنوعة من القوة المادية الصلبة. وقد عبّر عن هذه المعاني أستاذ العلوم السياسية
في جامعة شيكاغو، هانز مورغانثاو، في كتابه "السياسة بين الأمم - الصراع من أجل السلطة والسلام" الذي
صدر عام 1948، ومدرسة الواقعية الجديدة بقيادة كينيث والتز.
أمريكياً، تمثّلت نماذج هذا المفهوم في
سياسة جورج واشنطن، وجيمس ماديسون، ودونالد ريغان، ودونالد ترامب، الذي كرّر أطروحته
"السلام من خلال القوة"، وبدت سياسة عامة عند معظم أعضاء إدارته، التي عبّر
عنها وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بقوله: "إننا نستعدّ للحرب لتحقيق السلام والأمن
للشعب الأمريكي.. وأن القوة العسكرية والقيادة الحازمة ضرورية لفرض الأمن والاستقرار
في المنطقة" (RT،
15 مايو 2025).
كانت تصوّرات ترامب أكثر وضوحاً في رغباته
المُعلنة في السيطرة على جزيرة غرينلاند، وضم كندا، واستعادة بنما، وامتلاك غزة وتهجير
سكانها، والتهديد باستخدام القوة العسكرية ضد "حماس"، وتهديد وابتزاز الرئيس
الأوكراني زيلينسكي، والاستخدام الفعلي للقوة العسكرية ضد إيران والحوثيين في اليمن،
وتوظيف الأدوات الاقتصادية وسياسة إبرام الصفقات في سوريا، دون أن يغيب عن هذه التصوّرات
الاستخدامات الفعلية للأداة الدبلوماسية.
نماذج من "سلام" الشرق الأوسط:
يمكن إجمال أبرز النماذج التي تبنّتها
الولايات المتحدة في تعاملها مع الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، في المشاهد الآتية:
1- الحرب الإسرائيلية على غزة:
جمع ترامب بين نموذجي القوة "غير
المباشرة" والدبلوماسية في التعامل مع قطاع غزة وإدارة الحرب الإسرائيلية فيه.
فمن جهة، استهلّ ولايته بطرح فكرة تهجير السكان والسيطرة على القطاع وتحويله إلى منطقة
سياحية عالمية. ومن جهة ثانية، أجبر إسرائيل على قبول اتفاق التهدئة في غزة في يناير
2025. ومن جهة ثالثة، أيّد استئناف إسرائيل حربها على القطاع في مارس 2025، ودعمها
سياسياً وعسكرياً، ووعد بالعمل من أجل مصلحتها.
في المقابل، هدّد ترامب "حماس"
أكثر من مرة إن لم تُفرج عن الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لديها، وكتب في منشور على
منصّته "تروث سوشيال" للتواصل الاجتماعي: "إلى سكان قطاع غزة: هناك
مستقبل جميل ينتظركم، لكن ليس إذا احتفظتم بالرهائن. إذا احتفظتم بالرهائن أنتم أموات..
خذوا القرار الصحيح.. إنّي أرسل لإسرائيل كل ما تحتاج إليه لإنهاء المهمة، وما من عضو
واحد في (حماس) سيكون في مأمن إذا لم تفعلوا ما أقوله لكم.. وبالنسبة للقيادة، الآن
هو الوقت المناسب لمغادرة غزة.."، لكن في مقابل هذا التهديد، أجرت واشنطن مفاوضات
مباشرة مع "حماس"، أدّت إلى إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي الأمريكي عيدان
ألكسندر، قبيل زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة (صحيفة الخليج الإماراتية، 12 مايو 2025)،
سبقها تفويض ستيف ويتكوف باستمرار الضغط من أجل التوصل لاتفاق في غزة، حتى كان من نتائج
وساطته مع الوسيطين المصري والقطري موافقة "حماس" وإسرائيل في 3 يوليو 2025،
على مقترح الاتفاق.
2- الملف النووي الإيراني:
تقوم معادلة السياسة الأمريكية تجاه إيران
على تعدد أدوات المواجهة من الضغط والعقوبات الاقتصادية، والعمل الدبلوماسي، والتهديد
باستخدام القوة أو اللجوء إليها فعلياً، ومن وحي القناعة بأن الدبلوماسية لا تُحقّق
الأهداف ما لم ترتكز على مقوّمات عسكرية صلبة؛ فتعميق خسائر إيران سيدفعها إلى المفاوضات
بالصيغة والشروط الأمريكية.
لا تتعارض هذه الرؤية مع ما يعتقده البعض
في أن التدخل الأمريكي في الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة يُمثّل "تحوّلاً
إستراتيجياً" في مسار معالجة واشنطن لتفاعلاتها مع إيران، التي تقوم محدداتها
على استبعاد فكرة الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، وإدارة ملف البرنامج النووي الإيراني
باعتماد المفاوضات (صافيناز محمد أحمد، مستقبل "محور المقاومة" بعد الحرب
الإسرائيلية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2 يوليو 2025)؛ فأمريكا
نفسها هي التي باركت الهجوم العسكري الإسرائيلي على إيران ودعمته حتى اكتملت أهدافه.
لكن يبدو منطق الغرابة في التدخل العسكري
الأمريكي بسبب إعلان ترامب عن إمكانية نجاح الجولة السادسة من المفاوضات بالعاصمة العُمانية
قبل اندلاع الحرب مباشرة، ثم في كثرة التوظيف الأمريكي للعقوبات الاقتصادية والتهديد
باللجوء إلى القوة، مع النأي عن استخدامها.
كانت حصيلة التعاملات الأمريكية مع إيران
-قبل الحرب الإسرائيلية "المدعومة أمريكياً" وبعدها- تتركّز على ضمان عدم
امتلاك طهران للسلاح النووي. في سبيل ذلك، تراوحت الإجراءات الأمريكية بين فرض العقوبات
على نقل النفط الإيراني إلى الصين في 6 فبراير 2025، والعقوبات المالية التي فرضتها
وزارة الخزانة على شخصيات وكيانات إيرانية في 20 مارس 2025، وتكرار دعوة ترامب لاستئناف
المفاوضات، والانخراط الأمريكي في المفاوضات بوساطة عُمانية، والتهديد بتدمير البنية
التحتية للبرنامج النووي الإيراني، واللجوء للقوة العسكرية واستهداف المفاعلات النووية
الإيرانية، ثم دعوة إيران أخيراً للعودة إلى المفاوضات. وبالتتالي، استحوذ هدف إضعاف
الجماعات المسلحة الموالية لإيران على أهمية قصوى في السياسة الأمريكية، وقد عملت واشنطن
على ذلك من خلال دعم إسرائيل في حربها على "حماس"، التي تسبّبت في خسارات
كبيرة للحركة بالمعنيين السياسي والعسكري، والمواجهة العسكرية المباشرة مع الحوثيين
في اليمن، وتحجيم نفوذ "حزب الله" مع محاولات نزع سلاحه لمصلحة استقرار الدولة
اللبنانية.
3- التعامل مع الحوثيين:
بعد عملية "طوفان الأقصى" في
السابع من أكتوبر 2025، أصبح الحوثيون في اليمن ضمن جبهات التصعيد الإقليمي الذي تشهده
منطقة الشرق الأوسط. وقد تعاملت الإدارة الأمريكية معهم بمنطق القوة قبل التوصّل إلى
اتفاق وقف إطلاق النار بينهما. فإلى جانب الضربات المتبادلة بين الحوثيين وإسرائيل،
بدأت الولايات المتحدة في 15 مارس 2025، عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين بهدف إلحاق
الضرر بالبنية التحتية العسكرية، واستعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
وركّزت العملية على تدمير منشآت القيادة والسيطرة، وأنظمة الصواريخ، ومستودعات الأسلحة،
ومواقع إنتاج الطائرات المسيَّرة (إرم نيوز، 6 مايو 2025).
لم يستمر التصعيد على جبهة اليمن طويلاً،
ففي 6 مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي وقف العمليات العسكرية الأمريكية التي تستهدف
الحوثيين. وبموازاة ذلك، أعلنت الخارجية العُمانية، عن توصل الولايات المتحدة ومن وصفتهم
"السلطات المعنية" في صنعاء، إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ويشمل وقف استهداف
السفن الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب (وزارة الخارجية العُمانية، 6 مايو
2025).
وتقرأ الدكتورة فريدة أحمد، الباحثة المتخصصة
في القضايا الإقليمية، ومديرة مركز "سوث 24 للأخبار والدراسات" في اليمن،
الاتفاق مع الحوثيين من زاوية أنه "جاء في سياق الضغط العسكري الناجح، وليس كونه
استجابة طوعية أو مبادرة حسن نية من جانب الحوثيين، إلا أن الإعلان الأمريكي فاجأ إسرائيل
بشكل مضاعف، خاصة وأنه جاء بعد ساعات فقط من توفير الجيش الأمريكي مظلة أمنية وقائية
لهجمات تدميرية شنّتها مقاتلات إسرائيلية ضد منشآت مدنية خاضعة لسيطرة الحوثيين في
صنعاء.. من الواضح أن إسرائيل لديها مخاوف من أن يقود الاتفاق لمنح الحوثيين حرية إعادة
تسليح أنفسهم، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة من جديد، فضلاً عن أن الربط
بين اتفاق الحوثيين والملف النووي الإيراني، يثير مخاوف من أن أي اتفاق مستقبلي مع
إيران قد يتم التعامل معه بنفس الطريقة، مع إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية على حساب
المصالح الإسرائيلية" (فريدة أحمد، قراءة في الاتفاق الأمريكي الحوثي: خفض
تصعيد أم مقدمة لصراع أكبر؟ اليمن: مركز سوث24 للأخبار والدراسات).
4-
"رفع العقوبات" عن سوريا:
إن رؤية ترامب تجاه سوريا جاءت مختلفة
عن النماذج الثلاثة السابقة، وتقوم على "مبدأ الصفقات" والفوائد المرجوة
من دعم سوريا والانفتاح عليها. ففي 30 يونيو 2025، أصدر الرئيس الأمريكي قراراً تنفيذياً
برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، كتنفيذ عملي للإعلان الذي أطلقه في السعودية أثناء
جولته بمنطقة الخليج ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في 14 مايو 2025، في مشهدٍ يدلّل
على تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا في عهدها الجديد.
يفتح القرار الأمريكي أفق العلاقات السورية
مع المجتمع الدولي، وبما يتقاطع مع الرؤية العربية التي تتبناها السعودية والإمارات
لإعادة دمج سوريا الجديدة في النظام العربي، ومساعدتها في الإصلاح والتعافي الاقتصادي،
وفق الصيغة التي أعلنتها الدولتان، وجدّد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان،
رئيس دولة الإمارات، تأكيدها في لقائه الأخير في 7 يوليو 2025، مع الرئيس السوري أحمد
الشرع.
ويعرض الخبير الاقتصادي، الدكتور ياسين
العلي، لمسار رفع العقوبات ويعدّد فوائده قائلاً: "مسألة رفع العقوبات كانت عبارة
عن سلسلة تم التوافق عليها برعاية سعودية، وبعد اجتماع الرياض تم إصدار الترخيص رقم
25 الخاص بمنح سوريا 6 أشهر، ورفع العقوبات بشكل مؤقت بأمر تنفيذي لا يشمل قانون قيصر"،
مشيراً إلى أن رفع العقوبات سيشكّل بُعداً اقتصادياً جيداً، يُسهم في إعادة تموضع سوريا
على الخريطة المالية العالمية وخريطة الاستثمارات، وتدفّق الأموال" (إرم نيوز،
2 يوليو 2025).
وفي مقابل ذلك، يحقّق القرار مكسباً خالصاً
للولايات المتحدة المعنيّة بتشكيل مشهد علاقاتها مع سوريا بإقصاء النفوذ الإيراني،
والحدّ من التدخل الروسي في سوريا، فضلاً عن الاستفادة من المطالب الخمسة الموجّهة
للرئيس السوري في هذه المرحلة، والمتمثّلة في "التوقيع على اتفاقية إبراهام؛ مغادرة
المقاتلين الأجانب سوريا؛ ترحيل عناصر من حركات فلسطينية مسلحة؛ مساعدة الولايات المتحدة
في منع عودة (داعش)، وتحمّل مسؤولية مراكز احتجاز (داعش) في شمال شرقي سوريا"،
وفق ما وثّقتها المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، كمحددات لموقف ترامب تجاه
سوريا (صحيفة الشرق الأوسط، 14 مايو 2025).
خلاصات:
ختاماً يمكن القول إن ترامب الذي استعاض
عن مفهوم السلام التقليدي بـ"السلام من خلال القوة"، ووظّفه في السياسة الخارجية
الأمريكية، وضمنها تعاملاته مع صراعات الشرق الأوسط، وعبر صيغة الجمع بين الأدوات الدبلوماسية
والاقتصادية والعسكرية، قد حقق بعض النجاحات، لكنه أخفق في معالجة بعض قضايا الشرق
الأوسط التي لا تستجيب لهذه النوعية من التصوّرات الخاصة بـ"السلام". ومن
المرجّح أن يستمر الرئيس الأمريكي في تعظيم سياسة الردع العسكري والهيمنة الاقتصادية،
والاستفادة منها وفق ما يحقّق المصالح الأمريكية، دون إسقاط الأداة الدبلوماسية كلّما
تطلّب الأمر توظيفها في علاقاته بالمنطقة.