مقالات تحليلية

تحديات وصعوبات نزع سلاح حزب الله اللبناني

25-Aug-2025

يواجه لبنان اختباراً صعباً خلال الفترة الحالية، على خلفية تصاعد حدة الخلافات حول ملف نزع سلاح حزب الله، بعد أن أعلنت الحكومة برئاسة نواف سلام، في الجلسة التي عقدتها في 5 أغسطس/حزيران الجاري، تكليف الجيش بوضع خطة محددة في هذا السياق، في ضوء المهلة المحددة لتنفيذ ذلك بنهاية العام الحالي. (دويتشه فيله، 5 أغسطس 2025) لكن يبدو أن هذه المهمة لن تكون سهلة، في ظل الرسائل المتتالية التي يوجهها حزب الله، والتي تحمل نبرة تهديد واضحة، من "عواقب" يمكن أن تنجم عن التحرك من أجل تحقيق ذلك، مستعيناً في هذا السياق بخطاب طائفي واضح ورصيده لدى الحاضنة الشعبية المرتبطة به.

مناخ مواتٍ

في الواقع، يمكن القول إن التطورات التي طرأت على الساحتين الداخلية والإقليمية وفرت مناخاً مواتياً لفتح هذا الملف الشائك، والذي يمكن وصفه بأنه ملف "ملغم" منذ توقيع اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989. إذ أنها جاءت في أعقاب بروز توجه داخلي وخارجي يقوم على أنه لا تعافٍ من الأزمات المستعصية التي تواجهها الدولة دون قيامها بمهامها الأساسية، وفي القلب منها، احتكار السلاح وفرض السيطرة على كامل أراضيها وعدم السماح لهياكل موازية بممارسة دور "دولة داخل الدولة". وبعبارة أخرى، فإن هذا التوجه يرى أن أى عملية للإصلاح السياسي والاقتصادي لن يكتب لها النجاح ولن تحظى بدعم خارجي واسع إلا من خلال تحقيق هذا الأهداف، ولاسيما ما يتعلق بتعزيز سلطة الدولة واحتكارها للقوة.

اعتبارات ثلاثة

هذا التوجه استند إلى اعتبارات ثلاثة رئيسية لإضفاء وجاهة خاصة على دعوة حصر السلاح في يد الدولة:

أولها، الأزمة الاقتصادية المزمنة التي تتصاعد حدتها تدريجياً، بفعل الصراعات السياسية المفتوحة، والانخراط في أزمات خارجية، حيث تتراجع قيمة العملة الوطنية (الليرة) باستمرار، وتتقلص قدرة الدولة على القيام بمهامها الرئيسية، خاصة على المستوى الخدمي والمعيشي في ظل انهيار البنية التحتية، وتفاقم أعباء الدمار الذي لحق بالبلاد نتيجة الحرب التي شنتها إسرائيل، بعد أن بدأ حزب الله في تبني سياسة "إسناد غزة"، عقب تنفيذ عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة عمليات إعادة الإعمار في لبنان تصل إلى نحو 11 مليار دولار. (سكاى نيوز عربية، 7 مارس 2025)

وثانيها، التطورات الإقليمية المتسارعة، التي فرضت تداعيات مباشرة على مستوى التوازنات الداخلية في لبنان. فقد سقط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، على نحو أدى إلى تراجع النفوذ الإيراني بشكل بارز، في ظل الأهمية الاستراتيجية التي كانت تحظى بها سوريا بالنسبة للمحور الإقليمي الذي تقوده طهران. وجاءت الحرب التي شنتها إسرائيل ضد إيران على مدى الفترة من 13 إلى 24 يونيو/حزيران الماضي لتزيد من انشغال إيران بإعادة ضبط توازناتها الداخلية وترتيب أوضاعها من جديد، في ضوء الارتدادات التي أنتجتها الحرب على مستوى الداخل الإيراني، وهى عملية يبدو أنها سوف تستغرق وقتاً، وقد تتعرض لضغوط شديدة، في ظل بقاء احتمال تجدد الحرب مرة أخرى نتيجة اتساع نطاق الخلافات بين أطرافها الرئيسيين.

وثالثها، حرص إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اتباع سياسة تسعى من خلالها إلى استثمار التطورات الإقليمية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الحالية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من أجل إضعاف المحور الإقليمي الذي تقوده طهران، على نحو يبدو جلياً في إصرارها على ممارسة ضغوط على بيروت من أجل اتخاذ خطوات تنفيذية لنزع سلاح حزب الله عبر الورقة التي قدمها السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توماس برّاك، والتي تتضمن أربعة مراحل أساسية تبدأ بنزع سلاح حزب الله، ووقف هجمات إسرائيل، وانسحابها من الأراضي اللبنانية، وتنتهي بتنفيذ عمليات إعادة الإعمار.

ضغوط دولية

وقد بدت هذه الضغوط جلية في الزيارة التي قام بها برّاك إلى بيروت، في 18 أغسطس/آب الجاري، برفقة نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط مورجان أروتاغوس، ليس فقط لمتابعة الجهود التي تبذلها الدولة من أجل نزع سلاح الحزب، وإنما أيضاً لوضع شروط صارمة من أجل الموافقة على التمديد لمهمة قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان لمدة عام – تنتهي في 31 أغسطس/آب الجاري - وربط ذلك بالتقدم في هذا الملف تحديداً، بما يعني أن واشنطن تسعى إلى استغلال التمديد كورقة ضغط إضافة لدفع بيروت إلى المضى قدماً في تنفيذ مهمة نزع سلاح الحزب.

ويتوازى مع ذلك الضغوط المستمرة التي تواصل إدارة الرئيس ترامب ممارستها على الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني من أجل عدم إقرار مشروع قانون "الحشد الشعبي" الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في 23 يوليو/تموز الفائت، بأنه "يٌكرِّس النفوذ الإيراني في العراق"، (الشرق للأخبار، 23 يوليو 2025) وبدأت في التلويح بإجراءات مضادة في حالة إقراره.

عقبات محتملة

رغم ذلك، تواجه عملية نزع سلاح حزب الله عقبتين رئيسيتين:

الأولى، أن هناك انقساماً داخلياً في لبنان حول الأولويات، على نحو يوفر لحزب الله هامشاً محدوداً من المناورة في هذا الصدد. فإلى جانب الاتجاه المؤيد للدولة في مسعاها لنزع سلاح الحزب وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والذي يحظى برصيد شعبي واسع في ظل المعاناة التي تعرض لها اللبنانيون بسبب كلفة الحروب التي انخرط فيها حزب الله، فإن هناك اتجاهاً آخر يرى أنه من الضروري قبل أن يتم حسم ملف نزع حزب الله ممارسة ضغوط على إسرائيل من أجل الانسحاب من الأراضي اللبنانية وعدم شن مزيد من الضربات العسكرية داخل لبنان.

وبمعنى آخر، فإن هذا الاتجاه المؤيد لمقاربة الحزب يرى أنه طالما استمرت تل أبيب في شن ضربات عسكرية داخل لبنان وطالما أصرت على الوجود في النقاط الخمس داخل الأراضي اللبنانية، فلا مجال للحديث عن نزع سلاح الحزب، الذي يكتسب، وفقاً لمزاعم هذا الاتجاه، شرعية في هذا الصدد. وقد دفع ذلك المسؤولين اللبنانيين إلى استثمار زيارة برّاك الأخيرة من أجل مطالبة واشنطن بممارسة ضغوط على تل أبيب لتنفيذ الخطوة الثانية من الاتفاق، وفقاً لمبدأ "خطوة مقابل خطوة".

والثانية، أن المضى قدماً في تنفيذ خطة نزع سلاح الحزب قد يؤدي إلى اندلاع اضطرابات داخلية، خاصة بعد أن بدأ الحزب في التلويح باستخدام حاضنته الاجتماعية والطائفية، لاسيما في الجنوب، لممارسة ضغوط على الدولة في هذا الصدد. وقد كان الأمين العام للحزب نعيم قاسم واضحاً في هذا الصدد، عندما أشار في خطابه الأخير، الذي ألقاه في 15 أغسطس/آب الجاري، إلى أن الحزب لن يسلم سلاحه، ملوحاً بـ"خوض معركة كربلائية" لمواجهة القرار، ومهدداً في الوقت نفسه بأنه لن "تكون هناك حياة للبنان إذا حاولت الحكومة مواجهة الحزب". (سي إن إن، 15 أغسطس 2025)

ضغوط على الدولة

من دون شك، فإن حرص الحزب على تبني في هذا الخطاب يهدف من خلاله إلى ممارسة ضغوط على الدولة من أجل وقف، أو على الأقل تأجيل البت في ملف نزع سلاحه. لكن ذلك لا ينفي أن هذه التهديدات التي جاءت على لسان قاسم قد تفرض على الحزب كلفة عالية. إذ أنها أثارت ردود فعل رافضة ليس فقط من جانب خصوم حزب الله، وإنما حتى من قبل حلفائه، الذين بدأوا بدورهم في اتخاذ مواقف تفيد ببداية الابتعاد عن خطاب الحزب، على نحو بدا جلياً في تصريحات رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية الأسبق جبران باسيل، في 12 أغسطس/آب الجاري، والتي قال فيها أن "أى سلاح خارج الدولة غير شرعي"، مضيفاً أن "وظيفة سلاح حزب الله الردعية سقطت بعد أن شارك في الحرب الأخيرة (إسناد غزة)، وأن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة يشكل مصدر تهديد وخطر على لبنان".(الشرق الأوسط، 12 أغسطس 2025)

كما أن حرص قاسم على التلويح بـ"معركة كربلائية" جاء بعد الزيارة التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، في 12 أغسطس/آب الجاري، على نحو أعطى انطباعاً بأن الحزب يحاول الاستقواء بالخارج في إدارة خلافاته مع خصومه السياسيين في الداخل، وهو ما خصم إلى حد كبير من رصيده الحالي ودفع حلفائه إلى توسيع مساحة التحرك بعيداً عن خطابه السياسي والطائفي.

قدرة حزب الله على التحرك

فضلاً عن ذلك، فإن هذه التهديدات التي يطلقها الحزب في مواجهة المؤيدين لنزع سلاحه قد تكون لها حدود على الأرض، وهو ما يدركه الحزب قبل غيره. إذ أن الظروف الحالية التي طرأت على الساحتين الداخلية والخارجية تبدو مختلفة بدرجة كبيرة عن ظروف مايو 2008، عندما فرض الحزب سيطرته على بيروت، بعد تصاعد خلافاته مع الدولة حول شبكة اتصالاته.

وربما يمكن القول إن رد الفعل الأوّلى الذي أبداه الحزب خلال جلسة الحكومة، في 5 أغسطس/آب الجاري، التي تقرر فيها تكليف الجيش بإعداد خطة لنزع سلاحه، يؤشر إلى أن سقف الخيارات المتاحة أمامه ليس عالياً، حيث اقتصر على انسحاب وزراء الحزب وحركة أمل من الجلسة، بما يوحي بأن الحزب يدرك أن قدرته على التحرك ميدانياً من أجل منع اتخاذ خطوات إجرائية باتت محدودة، بعد تراجع قدراته العسكرية واغتيال قياداته السياسية والعسكرية من الصف الأول خلال الحرب مع إسرائيل، في مقابل الدعم الواضح الذي تتلقاه الدولة من جانب تيارات سياسية محلية وقوى إقليمية ودولية عديدة ترى أنه لا صلاح للأحوال في لبنان في ضوء استمرار وجود كيانات موازية تنتقص من سلطات الدولة وقدرتها على القيام بمهامها.

أسبوعان حاسمان

من هنا، تبدو فترة الأسبوعين القادمين حاسمة في تقييم المسارات التي يمكن أن يتجه إليها هذا الخلاف، حيث يتوقع أن يسلم الجيش خطته إلى الحكومة قبل نهاية الشهر الحالي، بما يعني أن مرحلة التنفيذ قد تبدأ قريباً. وإدراكاً لخطورة الموقف، ربما تتحرك أطراف عديدة في الداخل إلى جانب قوى إقليمية ودولية عديدة تبدي اهتماماً خاصاً بتحقيق الاستقرار في لبنان، من أجل دعم فرص الوصول إلى توافقات سياسية داخلية تعالج الملف بشكل يحول دون انزلاق لبنان إلى مرحلة جديدة من الفوضى سوف تفرض عواقب وخيمة على كل المستويات.

57