في 18 أغسطس 2026 ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس شكلًا أصغر وأكثر توزيعًا لوجودها العسكري في الخليج بعد انتهاء الحرب مع إيران. وما يجري، وفق التقرير، تحليل أولي وليس مراجعة رسمية بتكليف من وزير الدفاع؛ وهو يختبر خيارات إعادة بناء القواعد المتضررة أو تغيير نمط الانتشار.

تقدّر الصحيفة الانتشار المعتاد بنحو 40 ألف عسكري في قرابة 20 منشأة في المنطقة، غير أن بيانًا أحدث للقيادة المركزية الأمريكية أفاد بوجود أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي يعملون في الشرق الأوسط في منتصف أغسطس ، ما يرجّح أن رقم 40 ألفًا يصف خط الأساس المعتاد لا الحجم العملياتي الراهن ، (سنتكوم ، 15 أغسطس 2026)

 

هندسة الانتشار

ولا يتركز النقاش على عدد الجنود وحده، بل على هندسة الانتشار: هل تُرمَّم القواعد الكبيرة في مواقعها الحالية، أم تُوزَّع القوات والمعدات على مواقع أصغر وأبعد عن مسارات الهجوم المتوقعة؟ ويفيد التقرير الأصلي بأن أجنحة السياسات وهيئة الأركان والقيادة المركزية تشارك في تحليل البدائل، مع بقاء القرار النهائي مرهونًا بموافقة القيادة السياسية والعسكرية العليا (واشنطن بوست).

وتأتي هذه التحركات في أعقاب التوترات الأخيرة والعواقب المباشرة للحرب مع إيران، التي كشفت عن هشاشة القواعد العسكرية التقليدية أمام الهجمات الصاروخية المكثفة والطائرات المسيّرة الحديثة. وقد دفعت هذه التطورات قيادة المنطقة المركزية (سنتكوم) إلى بدء مناقشات جادة تسعى لإعادة توزيع وتموضع القوات باتجاه الغرب، تفادياً للبقاء كأهداف مكشوفة ومباشرة ضمن المدى القريب للترسانة الإيرانية.

 

أصول متضررة

أظهر تحليل صور أقمار اصطناعية ومواد مرئية أن الضربات ألحقت أضرارًا أو دمارًا بما لا يقل عن 228 مبنى أو مركبة أو أصلًا عسكريًا في قواعد ومواقع تستخدمها القوات الأمريكية؛ لذلك فالأدق وصف الرقم بأنه عدد «الأصول المتضررة» لا عدد القواعد أو المنشآت المستقلة. كما وثّقت رسالة من أعضاء في مجلس الشيوخ مقتل ستة عسكريين وإصابة أكثر من ثلاثين في ضربة ميناء الشعيبة بالكويت، وأثارت أسئلة بشأن الحماية والإسناد الطبي ، جاء ذلك في رسالة أعضاء في مجلس الشيوخ إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث بشأن ضربة ميناء الشعيبة، 29 يوليو 2026.

 وعلى صعيد الذخائر، قدّرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 31 يوليو 2026 أن الحرب استهلكت قرابة نصف المخزون الابتدائي من صواريخ باتريوت وثاد وPrSM، ونحو ثلث مخزونات عدة ذخائر بعيدة المدى؛ وهي مؤشرات تجعل إعادة التموضع جزءًا من إدارة الاستنزاف، لا مجرد استجابة لأضرار البنية التحتية.

 

استنزاف تسليحي

تتجاوز دوافع المراجعة البعد العسكري إلى العبء المالي. ففي إفادة أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ في 21 يوليو 2026، قدّر وزير الدفاع بيت هيغسيث كلفة الحرب حتى ذلك الوقت بنحو 37.5 مليار دولار، بالتوازي مع طلب تمويل تكميلي واسع لتجديد المعدات والذخائر واستدامة العمليات (اسوشيتد بريس  21 يوليو 2026). ولا يشمل هذا الرقم بالضرورة جميع تكاليف إعادة البناء أو استبدال الأصول. أما تقدير الخسائر في القواعد بنحو 5 مليارات دولار، المنسوب إلى معهد أميركان إنتربرايز في أبريل 2026، فينبغي التعامل معه كتقدير بحثي أولي لا كحساب حكومي نهائي . ومن ثم يصبح الاختيار بين إعادة بناء القواعد كما كانت وبين الاستثمار في شبكة موزعة من المواقع قرارًا ماليًا واستراتيجيًا في آن واحد.

وامتد الاستنزاف إلى الطائرات غير المأهولة. فقد ذكرت واشنطن بوست في 13 أغسطس 2026 أن الجيش الأمريكي خسر نحو ربع أسطوله من طائرات MQ9   Reaper  خلال الحرب، وأن كلفة الطائرة الواحدة قد تصل إلى 50 مليون دولار. لكن تحويل هذه النسبة إلى رقم دقيق أو كلفة إجمالية نهائية يتطلب بيانات رسمية عن حجم الأسطول وحالة كل طائرة؛ لذلك يعتمد التقرير النسبة المنشورة ويتجنب الجزم بعدد 45 طائرة أو كلفة 2.25 مليار دولار. وتكمن الدلالة الاستراتيجية الأوسع في أن إعادة بناء مخزونات الذخائر قد تستغرق من عامين إلى أربعة أعوام بعد توقيع العقود، وفق تقدير وفق مركز الدراسات الاستراتيجية ، بما يخلق نافذة ضعف في مسارح أخرى.

 

انقسامات داخل إدارة ترامب

يعكس هذا الجدل العسكري وجود انقسام وسياسي داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات القرار في واشنطن. فمن جهة، يدفع تيار "صقور الإدارة" باتجاه ضرورة الإبقاء على وجود ردعي قوي ومباشر في الخليج للحفاظ على موازين القوى وتأمين الممرات البحرية الحيوية ومنابع الطاقة. وفي المقابل، يبرز التيار الداعي للحد من التدخلات الخارجية وتقليص الالتزامات العسكرية المباشرة، معتبراً أن إعادة توجيه الموارد والميزانيات للتركيز على الملفات الداخلية والتنافس الاستراتيجي الكلي مع الصين يجب أن تكون الأولية القصوى للإدارة الأمريكية.

وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات لتعزيز الوجود العسكري أو نقل بعض الوحدات إلى إسرائيل كموقع آمن استراتيجياً، إلا أن هذا الخيار واجه تحفظات شديدة داخل البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الأمريكية نتيجة مخاوف معقدة تتعلق بمكافحة التجسس، إضافة إلى التبعات السياسية التي قد تؤثر على توازن العلاقات الإقليمية لواشنطن.

 

تأثير على الشراكات

على مستوى العلاقات الإقليمية، ترى أليسون ماينور، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن أي تقليص محتمل لعدد الجنود لا يعني بالضرورة انسحاباً أو تخلياً عن التحالفات الاستراتيجية الممتدة عقوداً. بل يمكن إعادة تعريف هذه الشراكات لتعتمد على الدعم التقني، مبيعات الأسلحة المتقدمة، تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق والتدريب المشترك، دون الحاجة للوجود المباشر المكثف للجنود على الأرض.

وفي الوقت نفسه، قد تدفع هذه التحولات العسكرية دول المنطقة إلى تسريع خطوات الاعتماد على الذات وتطوير قدراتها الدفاعية الذاتية بشكل أسرع. كما سيعزز هذا التوجه رغبة دول الخليج في تنويع شراكاتها الأمنية والدفاعية مع قوى دولية مختلفة لضمان أمن واستقرار المنطقة وحماية البنية التحتية والممرات البحرية الشديدة الأهمية.

 

قياس القرار

تكشف مقارنة المصادر أن «التقليص» ليس الوصف الوحيد المحتمل. فارتفاع العدد العملياتي إلى أكثر من 50 ألفًا خلال الحرب، مقابل خط أساس معتاد يقارب 40 ألفًا، يعني أن أي خفض بعد القتال قد يكون أولًا عودةً من الانتشار الطارئ، قبل أن يصبح تحولًا بنيويًا دائمًا وفق واشنطن بوست، 18 أغسطس 2026- وسنتكوم في  15 أغسطس 2026 . لذلك ينبغي قياس القرار بثلاثة مؤشرات: عدد الأفراد، ونوع القدرات الباقية، ومدى توزيعها الجغرافي؛ فقد ينخفض عدد الجنود بينما تبقى قدرات الاستطلاع والضرب والدفاع الجوي والقيادة والسيطرة مرتفعة.

ومن زاوية الجاهزية العالمية، لا تحسم إعادة التموضع وحدها مشكلة الدفاع الجوي. فالدراسة المنشورة عن مخزونات الذخائر تربط النقص بالحرب الحالية وبقيود أقدم في القاعدة الصناعية والمشتريات، وتقدر أن التعويض يحتاج سنوات وفق مركز الدراسات الاستراتيجية. وعليه، فإن حماية الخليج تتجه على الأرجح إلى مزيج من التوزيع، والتحصين، والإنذار المبكر المشترك، والدفاعات الأقل كلفة ضد المسيّرات، بدل الاعتماد الحصري على اعتراضات باتريوت وثاد مرتفعة الثمن.

 

مؤشرات المتابعة

خلال الأشهر المقبلة، يمكن اختبار ما إذا كانت المناقشات تحولت إلى سياسة عبر متابعة: صدور مراجعة رسمية أو توجيه وزاري؛ اعتمادات إعادة بناء القواعد في الموازنة؛ حركة وحدات الدفاع الجوي والطيران نحو الأردن أو البحر الأحمر؛ تغير أعداد القوات التي تعلنها القيادة المركزية؛ واتفاقات الاستضافة أو تقاسم أعباء الحماية مع دول الخليج. غياب هذه المؤشرات يعني أن المطروح لا يزال تخطيطًا احتماليًا لا قرار انسحاب.

 

 خيارات إعادة التموضع

تتضمن سيناريوهات إعادة التموضع المطروحة إغلاق القواعد الواقعة في نطاق الاستهداف المباشر وتنسيق نقل القوات والمعدات إلى مناطق أكثر أمناً غرباً وتستهدف هذه الخطوة وضع مسافة أمان جغرافي تخفف الضغط على القوات الأمريكية وتتيح لها وقتاً أكبر للاستجابة والدفاع.

ومع ذلك، يؤكد خبراء واستراتيجيون عسكريون أن زيادة المسافة لا تلغي المخاطر تماماً؛ إذ أثبتت إيران وحلفاؤها القدرة على استخدام مسيّرات وصواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى مواقع مختلفة في الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن إعادة التموضع تعتبر خطوة مرحلية لإدارة المخاطر وتخفيف حدتها ضمن استراتيجية "التخطيط الحكيم"، ولكنها لا تمثل حلاً جذرياً وكاملاً للتحديات الأمنية المعقدة في المنطقة.

 

قراءة مستقبلية

في المدى القريب، يُرجَّح أن تبدأ إعادة التموضع بصورة انتقائية لا بانسحاب واسع بما يشمل: خفض القوات التي أضيفت خلال الحرب.

1.   نقل بعض الأصول الأعلى تعرضًا.

2.   إبقاء قدرات القيادة والاستطلاع والدفاع الجوي في مواقع موزعة.

وسيكون حجم اعتمادات إعادة البناء، واتجاه حركة الوحدات، وطبيعة اتفاقات الاستضافة الجديدة، هو الفاصل بين عودة مؤقتة إلى مستويات ما قبل الحرب وبين تحول بنيوي دائم في الانتشار الأمريكي.

في المدى المتوسط، قد ينتقل أمن الخليج من نموذج القواعد الكبرى إلى شبكة دفاع إقليمية أكثر توزيعًا، تربط الإنذار المبكر وتبادل البيانات والدفاعات المضادة للمسيّرات بين دول المنطقة. غير أن نجاح هذا النموذج سيظل مشروطًا بقدرة الولايات المتحدة وشركائها على تعويض مخزونات الذخائر، وتوحيد أنظمة القيادة والسيطرة، وتقاسم كلفة الحماية؛ وإلا فإن الانتشار الأصغر قد يتحول من مرونة عملياتية إلى فجوة ردع قابلة للاختبار.

أما على المدى الأبعد، فستحدد صورة الوجود الأمريكي بتفاعل ثلاثة مسارات: مستوى التهديد الإيراني، وأولوية المنافسة مع الصين، ومدى قدرة دول الخليج على بناء استقلال دفاعي نسبي وتنويع شراكاتها. والسيناريو الأرجح ليس نهاية المظلة الأمريكية، بل إعادة تعريفها من وجود كثيف وثابت إلى حضور أخف وأكثر حركة واعتمادًا على التكنولوجيا والتمركز البحري والجوي؛ مع بقاء احتمال العودة السريعة إلى التعزيزات قائمًا إذا تجدد التصعيد الإقليمي.