دراسات أمنية
قدرات إيران لصد هجمات محتملة ضد منشآتها النووية
19-Sep-2022
في الرابع من سبتمبر أعلن مسؤول أمني كبير، أن إيران جهزت 51 من مدنها وبلداتها بأنظمة دفاع مدني لإحباط أي هجوم أجنبي محتمل، وسط تصاعد التوترات مع إسرائيل بشكل خاص.
نقلت وسائل إعلام إيرانية عن الجنرال مهدي فرحي نائب وزير الدفاع قوله إن معدات الدفاع المدني تمكن القوات المسلحة الإيرانية من "تحديد ومراقبة التهديدات باستخدام برامج تعمل على مدار الساعة وفقاً لنوع التهديد والخطر". وقال فرحي: "في هذه الأيام، بناءً على قوة الدول، أصبح شكل المعارك أكثر تعقيداً"، مضيفاً أن الأشكال الهجينة للحرب، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية والبيولوجية والإشعاعية، حلت مكان الحروب الكلاسيكية. ولم يشر المسؤول إلى أسماء الدول التي يمكن أن تهدد إيران.
واتهمت إيران إسرائيل وأمريكا بشن هجمات إلكترونية في السنوات الماضية أضرت بالبنية التحتية للبلاد. كما اتهمت إيران إسرائيل، بتخريب منشآتها النووية، وهو ما لم تؤكده تل أبيب أو تنفه، حسبما ذكرت وكالة (Reuters) البريطانية. ويمنح النظام الإيراني أنظمة الدفاع المدني أهمية كبيرة في ظل تزايد الهجمات على منشآتها الحيوية في السنوات الأخيرة. وسبق أن دعا المرشد علي خامنئي مسؤولي الدفاع المدني إلى تعزيز الجهود للتصدي "لتسلل الأعداء"، قائلاً: "في مواجهة ممارسات العدو المعقدة، ينبغي لدفاعنا المدني.. التصدي للتسلل بإجراءات علمية ودقيقة وحديثة"، وفق وسائل إعلام إيرانية.
سنبحث في هذا المقال الأسباب التي تفسر قلق إيران من هجوم أجنبي في المرحلة الحالية، والأطراف التي تخشى إيران قيامها بمثل تلك الهجمات، مع التوقف عند أنواع الهجمات التي تقلق إيران. كذلك سنناقش التداعيات المحتملة لأي هجمات على إيران على الشرق الأوسط.
الأطراف التي تخشى إيران قيامها بمثل تلك الهجمات
تزامن الإعلان عن هذه الاستعدادات الخاصة بأنظمة دفاع مدني، مع تحذير القائد البارز في الحرس الثوري غلام علي رشيد، يوم السابع من سبتمبر، أن أي دولة تتورط في عدوان إسرائيلي على إيران "ستدفع الثمن"، وذلك بعد أن وصلت المحادثات بين طهران وواشنطن بشأن إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 إلى طريق مسدود.
ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن غلام علي رشيد قوله: "يشكل النظام الصهيوني (إسرائيل) تهديداً رئيسياً لأمن إيران.. كل الحكومات التي ستتعاون مع هذا النظام في عدوانه على أمن إيران ستدفع الثمن". وهذه الرسالة قد تكون موجهة إلى أمريكا، والغرب عموماً، وكذلك إلى دول الخليج العربية.
وتعتبر إسرائيل، التي سبق أن حذرت من شن عمل عسكري ضد المواقع النووية الإيرانية إذا فشلت الدبلوماسية في كبح جماح أنشطة طهران النووية، أكثر الدول التي يتوقع أن تشن هجمات ضد أهداف أمنية وعسكرية ونووية وغيرها داخل إيران، وهو أمر لطالما قامت به، وإن كانت السيناريوهات المستقبلية بشأن تنفيذ مثل هذه الأعمال قد تكون مختلفة، سواء من حيث نوعية الأهداف وحجم الضربات.
وعلى الرغم من أن المسؤول الدفاعي الإيراني لم يذكر أسماء الدول التي يمكن أن تهدد إيران، إلا أن هذا الإعلان الإيراني يأتي مباشرة بعد إعلان إسرائيل عن شراء ناقلات للتزود بالوقود ستساعدها في مهاجمة المواقع النووية الإيرنية، حسبما ذكرت صحيفة (The Jerusalem Post) الإسرائيلية. وبالرغم من أنه من المرجح أن تصل الطائرات الأربع الجديدة في عام 2025، وهو ما يعني أنها لن تشارك في أي عملات عسكرية متوقعة ضد أهداف إيران قبل هذا الموعد، فإن أنباء شرائها تأتي في الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون في تل أبيب عن أن إسرائيل تحتفظ بحقها في العمل عسكرياً ضد مصادر التهديد في إيران حتى لو ذهب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إحياء الاتفاق النووي مع طهران مستقبلاً.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي غانتس، في بيان يوم الأول من سبتمبر، إن "طائرات التزود بالوقود التي نشتريها جنباً إلى جنب مع شراء سرب جديد من طراز (F-35) وطائرات هليكوبتر للنقل الثقيل وغواصات وأسلحة متطورة ستخدم الجيش الإسرائيلي وسط التحديات الهائلة، القريبة والبعيدة، التي على وشك أن نواجهها". إن ربط الحصول على هذه الأسلحة، بأي هجوم على إيران، يعني، كما سبق وذكرنا، أن هذا الهجوم قد لا يقع قبل أقل من عامين، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال اقتناع إسرائيل بأن عقد اتفاق نووي بين واشنطن وطهران، قد يمنحها بعض الوقت للتحضير لأي عملية عسكرية مفتوحة ضد الأهداف النووية الإيرانية. وما قد يرجح هذا الخيار هو أن إسرائيل قد تأمل في أن يصل رئيس جمهوري إلى البيت الأبيض في عام 2024، ولا يستبعد أن يكون من صقور إيران، كما هو حال الرئيس دونالد ترامب، وينسحب من الاتفاق النووي مرة أخرى: أمام هذا السيناريو سيكون أمام إسرائيل الرد على عودة إيران إلى تطوير برنامجها النووي والحصول على سلاح نووي. الرد سيكون عسكرياً، وفي وقت من المتوقع أن يكون لدى الإسرائيليين ما يكفي من الأسلحة والمعدات التي تمكنهم من القيام بمثل هذا الهجوم، الذي من المحتمل أن يكونوا بحاجة فيه إلى دعم خارجي.
الطرف الثاني المتوقع أن يقوم بعمل عسكري أو هجمات سيبرانية ضد أهداف إيرانية، هو أمريكا. وهذا الهجوم أو الهجمات المحتملة قد تكون بالتعاون الوثيق مع إسرائيل. وسيزيد احتمال حدوث مثل هذا السيناريو خلال ولاية الإدارة الأمريكية الحالية في حال انهارت المفاوضات النووية الجارية في فيينا - والتي لا تزال تواجه عقبات كبيرة بالرغم من اقترابها من مراحل نهائية- وذهبت إيران إلى استئناف تطوير برنامجها النووي كنتيجة لانهيار المفاوضات وعدم رفع العقوبات الأمريكية، بما يقربها أكثر من امتلاك سلاح نووي.
هنا من المفيد العودة إلى تعهد جو بايدن لرئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد في نهاية أغسطس الفائت، بأن أمريكا لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وقال البيت الأبيض في بيان إن "الرئيس شدد على التزام أمريكا بعدم السماح لإيران مطلقاً بامتلاك سلاح نووي" خلال اتصال بحث فيه أيضاً مع لابيد "التهديدات التي تشكلها إيران"، حسبما نشرت وكالة (Reuters). وهذا الموقف ليس وليد اللحظة بالرغم من مساعي بايدن الكثيفة لإعادة إحياء الاتفاق النووي. فخلال لقائه نظيره الإسرائيلي ريئوفين ريفلين في البيت الأبيض في يونيو 2021، كأول اجتماع يعقده مع مسؤول إسرائيلي كبير منذ توليه مهمامه الرئاسية، تعهد بايدن بأن إيران لن تمتلك السلاح النووي في عهده. وخاطب بايدن ريفلين قائلاً: "أستطيع أن أقول لك إن إيران لن تحصل أبداً على سلاح نووي وأنا في السلطة"، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية.
وبعد ذلك، وتحديداً في ديسمبر 2021، أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، في اجتماع مع نظيره الإسرائيلي في واشنطن، أن إدارة بايدن "مستعدة للتحول إلى خيارات أخرى" لوقف برنامج طهران النووي إذا فشلت المحادثات الدبلوماسية في القيام بذلك. كما أكد البيت الأبيض أن الرئيس أمر موظفيه بإعداد "إجراءات إضافية" للتعامل مع الملف النووي الإيراني، في حين كشفت تقارير إعلامية عن المناقشات الأمريكية الإسرائيلية أن "الخيار الآخر" يقال إنه توجيه ضربة عسكرية مشتركة لمنشآت إيران النووية.