دراسات أمنية

استثمار تنظيم داعش لظروف الأزمة الأوكرانية

14-Sep-2022

في الثلث الأول من هذا العام تصدرت أخبار تنظيم الدولة الإرهابي (داعش) عناوين وسائل الإعلام الدولية. خاصة بعد أن قضت القوات الأمريكية على زعيمه "أبو إبراهيم القرشي" يوم 3 فبراير 2022 في سوريا، بعد أسبوعين من الهجوم الأهم للتنظيم على قوات سوريا الديمقراطية، حيث هاجموا سجن الصناعة بمحافظة الحسكة.

في 10 مارس قام "داعش" بتسمية زعيمه الجديد "أبو حسن الهاشمي القريشي"، وتوالت تسجيلات الفيديو لفروع التنظيم في الهند وباكستان وأفغانستان وليبيا ومصر وسوريا التي أذيعت على موقع فهرس الأنصار (الموقع الرسمي للتنظيم) ، لإعلان البيعة للخليفة الجديد، في محاولة لضمان استمراريته وتجنب الانقسام المحتمل داخله، والبدء في فلسفة قتالية جديدة. 

وفي حين أن المناقشات حول هوية القائد الجديد وخلافة السلطة داخل "داعش" تقدم نظرة ثاقبة على هيكل التنظيم، فإن الهجوم على سجن الصناعة والهجمات المماثلة الأخرى التي كانت كثيفة بشكل ملحوظ خلال الأيام القليلة الماضية تعكس قدرتها العملياتية والتهديد المستقبلي الذي سوف يشكله، فضلا عن إثارة التساؤلات حول سبب تكثيفه لعملياته بعد أن اندلعت الحرب في أوروبا. 

ويمكننا من أجل الوصول إلى الأسباب التي دفعت التنظيم إلى تكثيف عملياته بعد اندلاع الحرب الأوكرانية في أوروبا، الوقوف عند عدة نقاط مهمة، كطبيعة التنظيم وفلسفته في الأوقات التي يعاني فيها من فقدان بعض قياداته المؤثرة، كذلك وجهة نظره في الحرب الأوكرانية، واستثمار انشغال العالم عنه في هذه الحرب، فضلا عن تحليل أهم العمليات التي قام بها في تلك الفترة، ومحاولة معرفة المناطق التي يحاول "داعش" أن يجعل أقدامه أكثر رسوخا فيها لتحقيق أكبر مكسب خلال هذه المرحلة.

التغير في الطبيعة القتالية لداعش 

تؤمن السلفية الجهادية بما يعرف باسم "قتال النكاية"، وهو تكتيك حربي راسخ لديها، يشبه إلى حد كبير "حرب الاستنزاف"، استخدمه "داعش" منذ أواخر عام 2016 في سوريا والعراق، أثناء السعي إلى تجديد قوته البشرية المستنزفة، وإظهار أهميته المستمرة. ويجب هنا التفريق بين هذا التكتيك، وآخر يطلقون عليه اسم "قتال التمكين". ويفرق الجهادي "أبو محمد المقدسي" في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد"، الصادر عام 2004 (ص 49 – 57)، بين المصطلحين، ففكرة "قتال النكاية" تتلخص في إلحاق الأذى بالعدو، أما قتال التمكين، فهو من أجل تعزيز القوة بكسب الأرض. ويذكر "المقدسي" أن النوع الأول يفضي إلى تحقيق انتصارات تكتيكية قصيرة الأجل، في حين يوفر الأخير إطارا عمليا لدعم دولتهم المزعومة.

ولأن الحرب الدولية ضد "داعش" حرمته من الأراضي التي سيطر عليها خلال السنوات الأولى من تأسيسه، وشددت على الحدود الإقليمية للدول، فضلا عن إغلاق خط أنابيب المقاتلين الأجانب الوافدين إلى أماكن الصراع، والذين اشتهر معظمهم بتعنتهم الأيديولوجي وخبراتهم القتالية. فقد دفع هذا الواقع التنظيم إلى الاعتماد بشكل أكبر على المقاتلين المحليين، الذين لا يؤمنون بالضرورة بأيديولوجيته، ولذلك فخيار إرهاق العدو بعمليات كثيفة لا تهدف في الأساس إلى كسب المزيد من الأراضي، كان هو الخيار الأمثل أمام "داعش" لإثبات وجوده، مستغلا الانشغال عنه بالحرب في أوروبا.

وقد عبر "أبو عمر المجاهد"، المتحدث الرسمي لداعش عن ذلك في كلمة وجهها لأعضاء التنظيم عبر موقع "فهرس الأنصار" يوم (10 مارس 2022) جاء فيها: "ويا جنود الخلافة في كل الولايات، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، واستعدوا وشمروا عن سواعد الجد والاجتهاد، فلقد كشفت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتول زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعد للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطل وإن حديدنا لا يفل، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كل مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية، أعزها الله، أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كل مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحة الطريق". 

وهو هنا يلمح إلى أن التنظيم سوف يزيد من حدة عملياته لإثبات قوة زعيمه الجديد بعد قتل القوات الأمريكية لزعيمه السابق "أبو إبراهيم القرشي".

موقف "داعش" من الحرب الأوكرانية:

في افتتاحية العدد 328 من صحيفة النبأ الناطقة باسم "داعش" (4 مارس 2022) عبر المحرر عن وجهة نظر التنظيم في حرب أوكرانيا، فوصفها بأنها حرب (صليبية/صليبية). وحث أفراد التنظيم على عدم الانضمام إلى الحرب لصالح أي من الطرفين. ويمكننا اقتطاف جزء من نص الافتتاحية لبيان وجهة النظر التي بنى عليها "داعش" هذا الرأي، حيث كتب المحرر: "وكان من غير المستغرب انخراط ميليشيات الردة الشيشانية في القتال إلى جانب روسيا الصليبية، ووصف البلاعمة لهم بالمجاهدين! ومثاله انخراط ميليشيات الكفر من دول أوروبا الصليبية للقتال إلى جانب أوكرانيا. بل إن هذا الاصطفاف خلف ما يسمونه المحور الأمريكي والروسي، سيزداد حدة وتصاعدا في السنوات القادمة". 

واستطرد قائلا: "ستكشف هذه الحرب والحروب التي تليها أنه في كل بلد قاديروف مرتد يقاتل على منهاج بوتين! تماما كما كشفت حروب خلت أن في كل بلد كرزاي مرتد يقاتل على منهاج بوش! ومما ينبغي التحذير منه في مثل هذه الأوقات، تصاعد نشاط الدجاجلة الصغار ووسائل إعلامهم في تهوين الكفر للناس، كما رأينا من دعوتهم للمسلمين القاطنين في روسيا وأوكرانيا للالتحاق والمشاركة في هذه الحرب قتالا في سبيل الطاغوت".

وهكذا، فمن الواضح إدراك التنظيم لطبيعة الحرب في أوروبا جيدا، واعتبار نفسه طرفا لا يجب عليه أن يتدخل حتى يقضي أعداءه على بعضهم البعض بعيدا عنه، حتى يبقى هو الطرف الأقوى في الأطراف الفاعلة الدولية بعد نهاية الحرب، بل والعمل على إنهاك القوى الدولية والمحلية التي تواجهه في أماكن تمركزه استغلالا للحرب في أوروبا بعمليات محلية كثيفة، في وقت لن تستطيع قوى الغرب فيه تقديم العوان الكامل للقوى المحلية في مواجهة التنظيم.

استثمار "داعش" للحرب الأوكرانية وتكثيف عملياته:

رصد تقرير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف (15 مارس 2022) عددا من الأنشطة التي قام بها تنظيم "داعش" استغلالا لتلك الأزمة. وقد حصر أسباب زيادة نشاطه في سببين، أولهما أن الحرب الروسية الأوكرانية خففت الضغط العسكري والاستخباراتي عن التنظيم، ولو بشكل نسبي ومؤقت، مما يتيح له متنفسا يستطيع من خلاله أن يجد لنفسه بدائل متعددة أو مقرات جديدة، لاسيما وأنه يعيش الآن مرحلة شديدة التخبط بعد مقتل زعيمه في فبراير 2022 واختباره لأداء زعيمه الجديد. وثانيها: استغلال "داعش" الأحداث للدعوة إلى الانضمام إليه بين السكان المحليين.

وبخصوص السبب الثاني تساءل محرر افتتاحية العدد 328 من صحيفة النبأ الداعشية عن أية فئة ينبغي للمسلم أن ينحاز، هل إلى روسيا أم إلى أوكرانيا؟ ليجيب بأنه على المسلم أن ينحاز للتنظيم، لأنه يعد الطائفة الوحيدة المؤمنة الآن، فقال: "على المسلمين أن يختاروا الانحياز والتبعية المطلقة لدين الله تعالى وحده، والولاء للمؤمنين فقط، وأن تعليق الآمال يجب أن يكون على الفئة المؤمنة التي كانت كل هذه الأحلاف قبل بضع سنوات تقاتلها كتفا إلى كتف".

على أية حال، يمكننا رصد أهم العمليات التي قام بها التنظيم خلال الفترة التي أعقبت تقديم روسيا لمطالبها بضمانات أمنية وحتى الحرب الأوكرانية وما بعدها، وهي كالتالي:

في 20 يناير 2022، وأثناء انشغال الغرب في المباحثات حول المطالب الأمنية الروسية، شن "داعش" هجوما مفاجئا على سجن الصناعة في الحسكة في أقصى شمال شرق سوريا. وكان هدفه تحرير حوالي 3500 من مسلحيهم المحتجزين هناك من قبل قوات الدفاع السورية. وقد أظهرت هذه الخطوة للعالم أن المنظمة الإرهابية شعرت بالقوة الكافية لاستئناف هجومها، وأنها ما زالت قوة لا يستهان بها. وأفاد "جان أراف" و"بن هوبارد" مراسلا "نيويورك تايمز" (25 يناير 2022) أن العملية كانت جزءا من هجوم ثلاثي الأبعاد بخطة استراتيجية محكمة. ففي اليوم نفسه هاجم إرهابيون موقعا عسكريا في محافظة ديالي العراقية وقتلوا 11 عنصرا من الحامية. وقبل ذلك بأيام قليلة، ألقى التنظيم القبض على ضابط رفيع المستوى، وقام بقطع رأسه لاحقا وسجلوا الإعدام بالفيديو، كما كانت الحال في ذروة الخلافة. 

ويمكننا استشعار هدف "داعش" من تلك الهجمات بأنه محاولة لإثبات أنه لم يعد يكتفي بأفعال الذئاب المنفردة التي اشتهر بها بعد سقوط الخلافة، ويمكنه الآن حشد مئات المقاتلين لعمليات عسكرية مخططة ومنسقة، تنفيذا لفلسفة "قتال النكاية" التي يلتزم بها منذ سقوط الخلافة لبث الرعب في قلوب أعداء التنظيم. ومع ذلك، ففي الوقت الحالي، لا يبدو أن لدى "داعش" القوة البشرية التي تدعوه للانتقال إلى تكتيكات "قتال التمكين" للسيطرة على المناطق المأهولة بالسكان وإدارتها كما كانت الحال في الماضي.

وقبل نشوب الحرب في أوروبا بأيام، نشرت صحيفة النبأ (عدد 326، 18 فبراير 2022) أن ولاية غرب أفريقيا شهدت تصاعدا ملحوظا في هجمات "داعش"، حيث شن أكثر من 15 هجوما وعملية منفصلة، أسفرت عن مقتل وإصابة نحو 50 عنصرا من الجيش النيجيري وأسر ثلاثة زعم التنظيم أنهم جواسيس، كما تم تدمير آلية وإعطاب ثلاث آليات أخرى واغتنام آلية رابعة. كذلك أسفرت الهجمات عن مقتل ثلاثة عناصر من الجيش الكاميروني، وتنوعت الهجمات بين هجمات وكمائن مسلحة على حواجز ودوريات وأرتال، إضافة إلى قصف للمواقع العسكرية بـ 22 قذيفة هاون، وكانت أبرز الهجمات إيقاع دورية كبيرة للجيش النيجيري في حقل ألغام نصبه "داعش" قرب بلدة مالم فتوري، مما خلف أكثر من 30 قتيلا وجريحا. 

وفي العدد نفسه، أعلن التنظيم عن شن ثلاث هجمات استهدفت ثلاث قرى للمسيحيين في منطقتي "إيتوري" و"بيني" شمال شرقي الكونغو، أسفرت عن مقتل 13 على الأقل وإحراق نحو 24 منزلا ومحلا تجاريا. كما استهدف "داعش" البنية التحتية للحكومة الفلبينية في شرق آسيا، ضمن الحرب الاقتصادية ضدها، يوم 17 فبراير 2022، فقام جنوده بتفخيخ وتفجير أبراج كهرباء في بلدة "ماجينج" بمنطقة "لاناو ديل سور"، جنوبي الفلبين، ما أدى لسقوطها وإلحاق أضرار مادية بقطاع الكهرباء في المنطقة.

واستغل التنظيم انشغال القوى الغربية في الحرب الأوكرانية، وأعلن بعد اندلاع المعارك في أوروبا بيوم واحد، في العدد 327 (25 فبراير 2022) استهدافه آليات عسكرية لقوات حزب العمل الكردستاني، كانت تقل قياديا، أثناء سيرهم في بلدة "الشحيل" في "دير الزور" السورية، حيث استهدفوهم بالأسلحة الرشاشة، ما أدى لمقتل عنصرين وإصابة القيادي وعنصر آخر بجروح، إضافة إلى إعطاب آليات. واغتال جنود التنظيم في اليوم نفسه جاسوسا تابعا لقوات حزب العمل الكردستاني في بلدة "ذيبان" في "الميادين"، إثر استهدافه بسلاح رشاش. وكانت عمليات "داعش" في بلدة "الخير" بمدينة "أعزاز" السورية، قد أسفرت عن مقتل وإصابة نحو عشرة عناصر وإعطاب آلية لهم وتضرر أخرى، وكان أبرزها الهجوم على مقر لحزب العمل الكردستاني بريف الخير الغربي. وأعلن التنظيم أيضا أنه نصب كمينا مسلحا لدورية مشتركة للجيش العراقي والشرطة الاتحادية، أثناء حملة لهم قرب قرية "البو نجم" جنوبي "داقوق" في "كركوك"، واستهدفهم بالأسلحة الرشاشة، ما أدى لإصابة عناصر من الجيش، كذلك استهدف "داعش" دورية مؤازرة وصلت إلى المكان بالطريقة ذاتها، ما أدى لتضرر ست آليات عسكرية.

وفي تصاعد مستمر لهجمات "داعش" في ولاية غرب إفريقية، نشر التنظيم في عدد 328 (4 مارس 2022) أن جنوده أوقعوا بعد أسبوع واحد من بداية الحرب في أوكرانيا، أكثر من 40 قتيلا وجريحا في صفوف الجيش النيجيري، ودمروا وأعطبوا ست مدرعات وآليات لهم، كما أسروا وقتلوا جاسوسين لهم، إضافة إلى قتلهم أربعة من المسيحيين وإحراق كنيسة لهم، بسلسلة هجمات كثيفة تركزت في منطقة "برنو". كذلك دارت معارك كبيرة في منطقة الساحل بين جنود التنظيم وقوات مالي ونيجيريا وبوركينا فاسو ورجال القبائل الموالية لهم، ما أسفر عن سقوط نحو 195 قتيلا وجريحا من قوات دول الساحل العسكرية، بخلاف عشرات القتلى والجرحى في صفوف تنظيم "القاعدة"، وتدمير "داعش" 13 آلية لها، إضافة إلى اغتنام أكثر من 100 بندقية وآليتين وعددا كبيرا من الدراجات النارية للقاعدة.

وفي العدد 330 من صحيفة النبأ (18 مارس 2022) أعلن التنظيم عن استهدافه عنصرا من حركة طالبان، بتفجير عبوة ناسفة في قرية "ديوكل" بمنطقة "سوكي" في "كنر"، ما أدى لإصابته بجروح. ومن جهة أخرى، استهدف عنصرا من الشرطة الباكستانية، عند تقاطع خيبر بمدينة "بيشاور"، بطلقات مسدس، ما أدى لمقتله. وبالطريقة ذاتها استهدف عنصرا ثانيا من الشرطة الباكستانية، بمنطقة "فيبي" بمدينة "بيشاور"، ما أدى لمقتله. كما استهدف عنصرين من الجيش الباكستاني، بمنطقة "جارمنك" في "باجور"، بأسلحة القنص، ما أدى لمقتل أحدهما وإصابة الآخر. وفي تصعيد لافت فجر "داعش" عبوة ناسفة في آليات لحركة "طالبان"، في قرية "باسول" بمنطقة "مهمندره"، ما أدى لإعطابها ومقتل وإصابة خمسة عناصر كانوا على متنها. كما سقط أكثر من 250 قتيلا وجريحا باكستانيا في عملية عسكرية استهدفت مسجدا في "بيشاور"، وألحقت دمارا كبيرا فيه، في حين سقط عشرة قتلى وجرحى في صفوف قوات باكستانية بينهم قياديان وأعطبت آلية لهم بهجمات في "خراسان". 

في العدد الأخير للنبأ الصادر في 25 مارس، اتضح أن نجاحات التنظيم في عملياته بعد اندلاع الحرب في أوروبا، جعلته يتمادى أكثر، حتى صارت الخسائر البشرية التي تسبب فيها "داعش" في أماكن النزاع غير مسبوقة، فضلا عن جرأة متزايدة في طبيعة العمليات. فقد شن جنوده في ولاية الساحل الإفريقي سلسلة هجمات دامية استهدفت إحداها قاعدة عسكرية للجيش المالي بمنطقة "غاو" شمالي مالي، أسفرت عن سقوط العشرات منهم بين قتيل وجريح، وإحراق القاعدة العسكرية، كما استهدفت الهجمات تمركزات ميليشيا "حركة خلاص أزواد" بمنطقة "ميناكا"، وخلفت نحو 250 قتيلا في صفوفهم، فضلا عن السيطرة على ثلاث بلدات كانت تعد معاقل للحركة.

كذلك احتوى العدد على أخبار لعمليات متفرقة، أسفر إحداها عن مقتل 4 من الجيش المصري باشتباكات مع عناصر التنظيم جنوب "رفح". أيضا قتلى وجرحى من القوات العراقية في "كركوك". وقتلى وجرحى من جنود طالبان بعمليات في "كنر" و"هلمند". وفي تصاعد متواصل لعملياتهم بغرب إفريقية، أوقع "داعش" نحو 45 قتيلا وجريحا في صفوف الجيش النيجيري، ودمروا وأعطبوا خمس آليات لهم، كما دمروا جسرا كان يستخدم في تحركات الجيش، بسلسلة تفجيرات ومواجهات في مناطق شرق نيجيريا، تخللها تنفيذ عملية استشهادية بسيارة مفخخة على تجمع للجيش النيجيري.

وامتد اهتمام التنظيم بشكل غير مسبوق إلى "إسرائيل"، حيث أعلن مسؤوليته عن هجوم قال إنه أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة عشرة آخرين، وفقا لما جاء في بيان نشر في حساب التنظيم على تطبيق تيليغرام، نقله موقع "سكاي نيوز العربية" في 28 مارس.

قراءة ختامية

يبدو أن تنظيم "داعش" قد وجد فرصة جديدة للفت الانتباه على الرغم من الهزائم المدمرة وفقدان قاعدته الإقليمية. فإعلانه في 10 مارس 2022، اختيار "أبو الحسن الهاشمي القرشي" زعيما جديدا للتنظيم يجب اعتباره جرس إنذار ليس فقط للدول التي ينشط فيها "داعش"، ولكن أيضا لأعضاء التحالف الدولي الذي فشل في اتخاذ الإجراءات الكافية لمنع هذا الإحياء. فلم تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها البعد الديني والسياسي والاجتماعي للظاهرة. ولا حتى حقيقة أن الإسلام الراديكالي يمكن أن يفلت من حدود الشرق الأوسط، ويتحدى أجهزة المخابرات في الدول الغربية والعالم بأسره.

ونظرا للظروف التي تحيط بالعالم، من أزمة اقتصادية كبرى تعصف بالعالم، وكذلك اندلاع الحرب في أوكرانيا، فمن غير المرجح، كما يذكر الدبلوماسي الإسرائيلي "زفي مازل" في تقرير منشور على موقع Geopolitical Intelligence Services (18 مارس 2022)، أن يتم تشكيل تحالف جديد في أي وقت قريب لمحاربة "داعش" بعد تجديد هيكله التنظيمي. مما سوف يجعل التنظيم يكثف هجماته، ويبذل جهودا متجددة لإطلاق سراح آلاف من أعضائه المسجونين الذين هم بأمس الحاجة إليهم لتضخيم صفوفه. فضلا عن القلق الدائر في الأروقة الأوروبية حول تهديدات "داعش" لدول غرب أفريقيا. 

نرجح أنه في نهاية المطاف، يمكن جر واشنطن مرة أخرى إلى محاربة "داعش"، وتكليفها بمساعدة قوات سوريا الديمقراطية، وحتى مساعدة "طالبان" التي تعاني من اشتداد الهجمات عليها من "داعش خراسان". فعلى الرغم من حجم العمليات التي قام بها التنظيم خلال الآونة الأخيرة، لكنها محكوم عليها إلى حد كبير بأن تنتهي لصالح أعداء التنظيم في دول الغرب، فالولايات المتحدة من الممكن أن تعود لصدارة مشهد الحرب ضد الإرهاب من جديد في الشرق الأوسط ووسط وشرق آسيا، ولكن هذه المرة من المرجح ألا تضع يدها في أيدي الروس في الحرب ضد الإرهاب، وسوف تعاني هذه الحرب من حالة استقطاب لن تصب في صالح الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب، مما سيعيد تشكيل خريطة القوى اللاعبة في المنطقة برمتها. 

حتى أن القلق من تحركات "داعش" تلك امتد إلى أروقة السياسة الروسية، فقد نشر موقع "روسيا اليوم" (31 مارس) أن وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" قال على هامش المؤتمر الثالث لوزراء خارجية دول جوار أفغانستان إن "خطط داعش وداعميها لزعزعة استقرار دول آسيا الوسطى وتصدير عدم الاستقرار إلى روسيا تثير قلقا خاصا". كما وصف تكديس عدد من الفصائل في منطقة الحدود الأفغانية الطاجيكية، والأفغانية الأوزبكية، بعلامة تنذر بالخطر. 

كذلك فإن دول أوروبا ستجد ما يبرر تدخلها بشكل أعمق في دول إفريقيا المختلفة، وهي ترى أن تحركات التنظيم تهدد حلفائها المحليين، وربما تعود القوات الأوروبية التي انسحبت من إفريقيا للحرب ضد "داعش" من جديد. مما يجعل المرء يتساءل لماذا شن التنظيم عملياته من الأساس، وهو يدرك أنها تصب في مصلحة أعدائه.

ومن الملاحظ أنه بعد اندلاع الحرب في أوروبا، تركزت عمليات "داعش" في ما أطلقوا عليها ولاية شرق آسيا للضغط على المصالح الروسية وكسب الأراضي هناك لتحقيق مبدأ قتال التمكين، كذلك يحدث الشيء نفسه مع ازدياد هجماته شبه اليومية في باكستان أو ولاية وسط إفريقيا، فضلا عن ولاية غرب إفريقيا التي تزداد فيها العمليات يوما بعد يوم. ما يحتاج إلى المزيد من الفحص والدراسة حول الدوافع التي تجعل "داعش" يحاول كسب الأراضي في هذه الولايات، في الوقت الذي لا يحاول فيه تحقيق هذا الهدف في بقية الأماكن التي يتواجد فيها، والتي يستخدم فيها تكتيكات قتال النكاية لإرهاق القوى الإقليمية لا أكثر، سواء في ليبيا أو الصحراء الإفريقية أو الشام، والعراق، ومصر، والصومال.

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 848