دراسات أمنية

تساؤلات حول فعالية الاستراتيجية الجديدة لإنهاء حركة الشباب الصومالية

20-Mar-2023

في الـ8 من مارس 2023 صدر بيانٌ مشتركٌ بعد الاجتماع  الذي ضم كلاً من الإمارات العربية المتحدة وقطر والولايات المتحدة الأمريكية والصومال وتركيا والمملكة المتحدة، وناقش الأمن وبناء الدولة والتنمية والأوليات الإنسانية في الصومال، وأشار البيان على دعم الحكومة الفيدرالية الصومالية في معركتها ضد حركة الشباب الصومالية، وأكد المجتمعون دعمهم للعملية التي يتبعها المجلس الاستشاري الصومالي لتعزيز المصالحة السياسية ودور الحكومة الصومالية خلال وضع الدستور، كما تمت الإشارة إلى أزمة الجفاف، (وكالة الأنباء الصومالية، 8 مارس 2023). 

علاوة على ذلك قرر زعماء إثيوبيا والصومال وجيبوتي وكينيا العمل على طرد حركة الشباب الصومالية بعد الهجمات الأخيرة التي شنتها  القوات الحكومية الصومالية  في عدد من المناطق ضد الحركة التي تنتمي إلى تنظيم القاعدة، وجاء في البيان المشترك أنهم توصلوا إلى اتفاق خلال القمة على التخطيط المشترك لشن حملة قوية على مستوى دول المواجهة لتنظيم وبدء عمليات بحث وتدمير على جبهات متعددة تستهدف معاقل رئيسية لحركة الشباب في جنوب الصومال ووسطه، وسوف تمنع هذه الحملة تسلل أي عنصر من الحركة إلى المنطقة في المستقبل، وكان وزراء الدفاع في الدول الأربع قد عقدوا اجتماعاً تحضيرياً للقمة، ونجحت الحكومة الصومالية في السيطرة على قرىً في وسط الصومال وقتل العشرات من عناصر الحركة بمساعدة من زعماء العشائر والقوات التابعة للحكومات الإقليمية في الصومال، ( رويترز، 1 فبراير 2023).

جاءت هذه التطورات الأخيرة وقيام التحالف الجديد بعد أن قامت الحركة في نهاية العام الماضي خاصة في شهري أكتوبر ونوفمبر 2022،  بتصعيد عملياتها مستهدفة مناطقَ عسكريةً ومدنية في 25 نوفمبر بمهاجمة قاعدة عسكرية في منطقة ( جلجدود) بوسط الصومال، وسبق أن تبنت الحركة في 29 أكتوبر هجوماً شنته بسيارتين مفخختين بالقرب من مبنى وزارة التعليم الصومالية في العاصمة مقديشو قتل فيه 121 شخصاً وأصيب 333 اَخرون، وفي 23 أكتوبر استهدف مسلحون فندقاً بمدينة (كسمايو) جنوب الصومال، وكان من أخطر عمليات الحركة الهجوم الذي حدث على فندق ( فيلا روزا)  في 27 نوفمبر الذي يرتاده عدد من السياسيين والمسؤولين الحكوميين، وقتل في الهجوم 8 من المدنيين وفقاً للإحصاءات الحكومية بعد أن استطاعت القوات الحكومية إنهاء الحصار، (أنترريجونال 5 ديسمبر 2022). 

حركة الشباب وتهديد دول الجوار

 استطاعت حركة الشباب أن تسيطر على معظم جنوب الصومال منذ عام 2006، على الرغم من خسراتها بعض المعارك مع كل من الحكومتين الصومالية والإثيوبية في عام 2007 استطاعت مواصلة عملياتها في جنوب ووسط الصومال وإجبار الأفراد على الانضمام إليها، وصعدت عملياتها ضد قوات حفظ السلام الإفريقية (أميصوم)، وكذلك منظمات العمل الإنساني.

تحالفت الحركة مع تنظيم القاعدة في فبراير 2012، وفقدت أربعة من قادتها منذ عام 2014، وعلى رأسهم أحمد عدي محمد، وتمدد نشاط الحركة إلى كينيا في عام 2007، وجيبوتي عام 2014، وقامت بتنفيذ مجزرة جامعة (غاريسا) في كينيا التي وصل عدد قتلاها إلى 147، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد صنفت الحركة ضمن قائمة الإرهاب منذ عام 2008.

التحولات التي مرت بها حركة الشباب

مرت حركة الشباب بالعديد من التحولات منذ نشأتها وكان من أبرزها:

1- انفصالها عن اتحاد المحاكم الإسلامية وتحولها إلى حركة مسلحة.

2- دخول الحركة في صدام مع الحكومة الصومالية عام 2011 ودخولها العاصمة وتدخل الحكومة الكينية لمواجهة تهديدات الحركة، ثم انسحابها من العاصمة بعد تدخل قوات حفظ السلام الإفريقية (أميصوم).

3- عودة الحركة من جديد وشن عمليات داخل العاصمة مقديشو منذ عام 2020، ونُظِر إليها باعتبارها أكثر الحركات الإرهابية دموية.

أسباب صعود وتمدد حركة الشباب 

عندما وصل الرئيس حسن شيخ محمود إلى منصبه الرئاسي في مايو 2022، صمم على  القضاء على حركة الشباب وإنهاء العنف في البلاد الذي ظل  مستمراً منذ أكثر من 16 عاماً، ولكن بعد ثلاثة أشهر قامت الحركة بمهاجمة فندق الحياة الذي يقع على بعد مسافة قصيرة من القصر الرئاسي، وقتل في الهجوم 20 شخصاً وجرح 117، وكانت الحركة قد شنت هجوماً قبل ذلك داخل الأراضي الإثيوبية وُصف بأنه هجوم منسق ومخطط له من قبل دبلوماسيين، وذكر قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا الجنرال ستيفن تايسند أن المسلحين توغلوا في الداخل الإثيوبي إلى عمق 150 كيلومتراً، ( بي بي سي، 25 أغسطس 2022). 

ينظر إلى الهجوم الذي قامت به حركة الشباب داخل العمق الإثيوبي في نهاية يوليو 2022 باعتباره تطوراً خطِراً أثار قلق دول داخل وخارج المنطقة، وكانت الحركة قد قامت بعدة عمليات مماثلة في مناطق متفرقة داخل الصومال، وعلى الرغم من أن سلطات إقليم الصومال الإثيوبي تمكنت من دحر المجموعة المهاجمة  الأخيرة، إلا أن الخسائر كانت كبيرة بين الجانبين، كما هاجمت الحركة قبل ذلك قاعدة للاتحاد الإفريقي داخل الصومال، وقد سبق لقائد قوات أفريكوم (AFRICOM) أيضاً أن صرح قبل تقاعده بأن الإرهاب يتصاعد في إفريقيا بعد تمدد داعش والقاعدة في شرق وغرب القارة، (سودان تربيون، 14 أغسطس 2022). 

هناك عدة أسباب أدت إلى عودة نشاط حركة الشباب بقوة من جديد، قبل العمل الجاري لدحرها، من بينها:

4- تراجع الحكومات الصومالية عن محاربة الحركة ومطاردة عناصرها الأمر الذي مكنها من إعادة ترتيب صفوفها والعودة لتنفيذ عملياتها في مقديشو وإثيوبيا.

5- انسحاب القوات الأمريكية بقرار من الرئيس دونالد ترامب من الصومال في ديسمبر، 2020 قبل أن يعيدها جو بايدن من جديد في يناير 2022.

6- الصراعات وانتشار المليشيات القبلية التي تحارب حكومات دول المنطقة، الأمر الذي شتت الجهود الحكومية في مكافحة الإرهاب.

7- عدم التعاون والتنسيق الفعال بين دول المنطقة في مواجهة الحركة.

وعلى الرغم من عودة القوات الأمريكية، إلا أن هجمات حركة الشباب تواصلت حيث هاجمت عدة مناطق في شمال شرق كينيا في إقليم مانديرا، وإقليم حيران في وسط الصومال، وتوقع الجنرال قائد القوات الأمريكية أن تتصاعد هجمات الحركة خلال الفترة القادمة داخل إثيوبيا، مع وجود مؤشرات لتحذيرات أمريكية عديدة على تصاعد العمليات الإرهابية رغم أن الحركة شهدت نزيفاً بسبب الصراعات داخلها. 

الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة حركة الشباب

أولاً: الدور الأمريكي: 

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الفاعل الرئيسي مع الشركاء الدوليين والإقليميين مثل المملكة المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول القرن الإفريقي، وظلت واشنطن تقدم الدعم الجوي كما تقوم بعمليات تستهدف قادة الحركة وبعض منسوبي القاعدة المنتشرين في الصومال، وقد تصاعد الدعم الأمريكي مذ عام 2007، كما قامت بتصنيف الحركة منذ مايو 2008، كحركة إرهابية ومجموعة متطرفة، وتجميد أموالها، وقامت الطائرات الأمريكية بقتل قائد الحركة اَدم حاشي عبرو في مايو 2008، وكان مطلوباً بسب مشاركته في الهجوم على السفارة الأمريكية في نيروبي، وتواصلت العمليات الأمريكية التي استهدفت قادة الحركة مثل الكيني صالح علي صالح، واللبناني طلال البرجاوي، ومن جزر القمر فضول عبد الله.

استمرت الهجمات الأمريكية ضد حركة الشباب في الأعوام 2014، 2015، وفي عام 2020 أعلن الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من الصومال بحلول عام 2021، على أن تظل فقط قرب الحدود الصومالية، وكان لدى الولايات المتحدة الأمريكية 700 جندي، مع إعلان البنتاجون التصميم والمضي قدماً في محاربة الإرهاب، ومن المعروف أن القوات الأمريكية قامت بدور كبير في تدريب القوات الصومالية، (الغارديان، 4 ديسمبر 2022). وقد تسببت عودة الحركة إلى نشاطها الإرهابي في قرار إعادة توزيع القوات الأمريكية في عهد الرئيس بايدن، خاصة وأن الحركة تعتبر من أقوى حلفاء القاعدة في القارة الإفريقية وهناك دلائل باستهداف المواطنين الأمريكيين في المنطقة من جديد، (موقع سي إن بي سي، 16 مايو 2022). 

ثانياً الجهود الإقليمية:

في بداية عام 2023، وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة مع جمهورية الصومال اتفاقية تعاون عسكري وتدريب في مجال مكافحة الإرهاب، وهي اتفاقية تنسجم مع السياسية والاستراتيجية لدولة الإمارات في إفريقيا، (مؤسسة كارنيغي، 7 فبراير 2023). في فبراير 2023، استضافت الصومال دول خط المواجهة كينيا وإثيوبيا وجيبوتي في اجتماعات هدفت لتعزيز التعاون والشراكات الإقليمية لمكافحة الإرهاب واتخاذ إجراءات حاسمة، وكان الهدف هو خلق تحالف إقليمي جديد ليحل مكان التحالف الثلاثي السابق الذي كان يضم أريتريا وإثيوبيا والصومال، ويشار إلى أن الاجتماع حمل بعض الدلالات مثل:

1- الصعوبات التي استجدت في مواجهة حركة الشباب الصومالي.

2- محاولات كينية لقيادة الإقليم بسبب انشغال إثيوبيا بمشكلاتها الداخلية.

3- رغبة الصومال في إضعاف حركة الشباب عن طريق حصارها بإشراك دول الجوار، وحث الدول الغربية على رفع حظر الأسلحة عن الصومال الذي تم تجديده في 5 نوفمبر 2022.

4- حاجة جيبوتي بقيادة إسماعيل جيلا إلى الدعم الإقليمي بعد الهجوم الذي قادته حركة فورد المتمردة في أكتوبر 2022، (أحمد عسكر، هل بات القرن الإفريقي بصدد تأسيس تحالف إقليمي جديد، (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 8 فبراير 2022).


استراتيجية ومبادرات جديدة لمكافحة الإرهاب 

يعتقد أن الهجمات التي حدثت في كل من هيرشابيلا  وجالمدغ يمكن أن توفر الظروف التي  تشجع بعض عناصر حركة الشباب على ترك الحركة ومساعدتهم على ترك الأفكار التي يعتقدونها، وهو أمر قد يساعد على إضعاف الحركة عن طريق التوعية والجهود الاتصالية  بين الذين ظهرت لديهم ميول لترك الحركة وتقديم بعض الحوافز المشجعة مثل إصدار عفو عام عنهم، وإعادة دمج بعض الأسر، وتوفير ممرات آمنة لخروجهم، مع تقيد المسؤولين بقضايا حقوق الإنسان. 

من الواضح أن المليشيات المحلية أصبحت تقوم بدور كبير في مساعدة الحكومة الفيدرالية في بعض المدن، وقد أثبتت قدرة ونجاحاً في هزيمة حركة الشباب، ويمكن أن تحقق نجاحاً أكبر إذا ما حصلت على دعم من الحكومة، لأنها تعرف المناطق أكثر من غيرها ولديها تأييد من الأهالي الذين يوفرون لها المعلومات، كما تستطيع الحكومة الاستفادة من غضب المواطنين الذين تضررت أعمالهم بسبب هجمات الحركة وعنفها بعد فقدان آلاف الأرواح منذ عام 2007.

مناقشة وتحليل

تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول التي تقوم بعمليات عسكرية قوية ضد تنظيم حركة الشباب الصومالي على الرغم من انسحاب قواتها الأرضية، بصورة ملموسة، وكانت واشنطن قد كثفت نشاطها ضد الجماعات الإرهابية منذ عام 1998 عندما قامت القاعدة بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من نيروبي ودار السلام في وقت واحد وأسفر الهجوم عن مقتل حوالي 244 شخصاً وإصابة ما يزيد على 5000 شخص، وتعزز تدخل واشنطن سنة 2000 بتفجير المدمرة (بو إس إس كول)  بينما كانت ترسو في ميناء عدن القريب من منطقة القرن الإفريقي  وأسفر الحادث عن مقتل 17 بحاراً.

  خلال السنوات الماضية استطاعت واشنطن عن طريق الضربات الجوية التي توجهها إلى قادة تنظيم حركة الشباب أن تشل وتشتت عملياته بعد أن فقد التنظيم الكثير من قياداته التي كانت تربطه بتنظيم القاعدة عبر الضربات الجوية الأمريكية، وقد ظلت الحكومة الأمريكية تتعاون مع كل من إثيوبيا والصومال وأريتريا وجيبوتي وكينيا والسودان منذ عام 2003، بعد أن وردت تقارير من الحكومة الكينية في ذلك الوقت تشير إلى أن هناك نشاطاً إرهابياً يستهدف الرعايا الأمريكيين والمصالح الأمريكية في المنطقة. 

ويمكن النظر إلى  تجدد نشاط  حركة الشباب من خلال العمليات التي قامت بها  مؤخراً في كل من الصومال وإثيوبيا كمحاولة للخروج من العمق الصومالي إلى الدول المجاورة بعد عودة القوات الأمريكية إلى الصومال، وقيام الحكومة التي انتخبت مؤخراً بقيادة حسن شيخ محمود بحملات عسكرية ضد حركة الشباب، كما تستغل الحركة وجود الصراعات القبلية والسياسية في معظم دول الجوار الصومالي، الأمر الذي يوفر لها قدرة على اختراق هذه الدول وتأسيس وجود لها وجيوب تساعد على تشتيت الجهود المبذولة من قبل دول المنطقة والقوى الدولية التي تتصارع على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية، وتُوجد في منطقة القرن الإفريقي ستَّ عشرةَ قاعدة عسكرية موزعة بين أريتريا وجيبوتي والصومال.

ولا شك أن الصراع على النفوذ بين القوى العظمى للسيطرة على موقع القرن الإفريقي وقربه من البحر الأحمر، وهو من أهم الممرات المائية العالمية الحاكمة لحركة التجارة الدولية، سوف يضاعف من نشاط تنظيم القاعدة وحركة الشباب التي من ضمن أهدافها محاربة هذا الوجود الأجنبي الذي يتنافى مع توجهاتها العقائدية المتطرفة التي تعادي الأجانب.  

من الصعب وفقاً للمعطيات الحالية والاستراتيجية الجديدة الاعتماد على العمليات العسكرية والضربات الجوية الخاطفة التي تقوم بها القوات الأمريكية على قادة التنظيم وقواعده القضاء على نشاط التنظيم، ويبدو أن الحكومة الصومالية قد بدأت اتباع منهج جديد لمواجهة التنظيم، وذلك عن طريق التعاون مع المليشيات والقبائل المحلية، ويحتاج هذا التعاون إلى مزيد من الدعم من جاني الحكومة الاتحادية، كما لابد للحكومة أن تبذل المزيد من الجهد  لاستمالة الأفراد الذين ظهرت لديهم ميول لترك الحركة، وتقديم حوافز مشجعة مثل العفو العام ودمج العائلات والتعليم وتقديم الخدمات الاجتماعية.

كذلك لابد لجهود التحالف الجديد أن تشمل غلق كل المنافذ البحرية والساحلية التي تتسرب منها الجماعات الإرهابية والأسلحة وتجارة المخدرات التي تعتبر مصدراً من مصادر تمويل الحركات الإرهابية في المنطقة، وهي عملية ليست صعبة، خاصة وأن المناطق الساحلية بها وجود بحري للكثير من الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا والصين، والتي يمكن أن تتعاون مع الاستراتيجية الجديدة التي لم تعلن تفاصيلها بعد بين دول المنطقة الأربع، وهو تعاون مهم في ظل ضعف القدرات العسكرية واللوجستية لدول المنطقة خاصة في المجال البحري الذي يقع بكامله تحت سيطرة الدول الكبرى. 




twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 639