طلبت واشنطن من بغداد وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الجماعات المسلحة العاملة خارج سلطتها، في خطوة تتزامن مع ترقب اتفاق أميركي إيراني قد يغير حسابات الفصائل الحليفة لطهران في العراق.

وجاء الطلب الأميركي - وفق الحرة - خلال زيارة أجراها المبعوث، توم برّاك، إلى بغداد، في 15 يونيو 2026، ولقائه برئيس الحكومة علي الزيدي، في وقت تقول مصادر عراقية إن دائرة الفصائل الرافضة لتسليم السلاح توسعت لتشمل، إلى جانب كتائب حزب الله وحركة النجباء، حركة الأوفياء وكتائب سيد الشهداء.

وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن واشنطن علقت إرسال 500 مليون دولار نقدا من عائدات النفط العراقي إلى بغداد، ضمن ضغوطها على بغداد لضبط الفصائل المسلحة.

أبرز بنود برنامج حكومة الزيدي

يعد ملف "حصر السلاح بيد الدولة" أحد أبرز بنود برنامج الحكومة الذي قدمه الزيدي للبرلمان في مايو الماضي. وقد تعهد الزيدي منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي بحصر السلاح بيد الدولة، معتبرا أن ذلك "ينسجم مع الدستور والقانون ويعزز سلطة الدولة، ويسهم في دعم الأمن والاستقرار وترسيخ مشروع الدولة العراقية القوية القادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها". ويأتي ذلك، في ظل متغيرات إقليمية أثرت على العراق، أبرزها تراجع نفوذ إيران عقب الحروب التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة.

يأتي ذلك في ظلّ اكتساب واشنطن نقاطا سياسية واقتصادية في العراق، مقابل تراجع نفوذ طهران الإقليمي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحماس المدعومة من طهران في 2023، ثم الحرب الإسرائيلية الأولى ضد إيران في 2025، ثم الحرب الثانية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير وطالت تداعياتها العراق.

ويؤكد "الإطار التنسيقي" المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران ولدى بعضها أجنحة مسلّحة تصنّفها واشنطن "إرهابية"، تأييده "حصر السلاح بيد الدولة وفك الارتباط بين هيئة الحشد الشعبي وكافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية".

 

قوات الحشد الشعبي

تأسست قوات الحشد الشعبي في يونيو 2014، بعد صدور فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني بوجوب الجهاد الكفائي لتحرير العراق من تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن تصبح فيما بعد جزءا من المؤسسة العسكرية العراقية.

وتضم قوات الحشد الشعبي مجموعة من المليشيات الشيعية المسلحة، أبرزها "منظمة بدر" و"كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام"، بالإضافة إلى ألوية تابعة لفصائل حليفة لطهران تعمل بشكل مستقل.

وبالإضافة إلى "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" اللتين أعلنتا انفصالهما عن هيئة الحشد الشعبي والمباشرة بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة، كان زعيم التيار الشيعي الوطني مقتدى الصدر قد أعلن في أواخر مايو الماضي فك ارتباط فصيل "سرايا السلام" المسلح عن التيار، ودمجه ضمن مؤسسات الدولة.

 

أكثر الملفات تعقيداً

على أية حال، يمثل ملف حصر السلاح بيد الدولة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد العراقي، نظراً لتداخله مع الاعتبارات الأمنية، والسياسية، والاجتماعية والإقليمية. فعلى الرغم من أن بعض الفصائل المسلحة أبدت استعداداً لإعادة تنظيم وضعها القانوني أو الاندماج بصورة أكبر ضمن مؤسسات الدولة، إلا أن نجاح هذه العملية يتطلب معالجة جملة من التحديات المتراكمة التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.

وتتمثل أبرز هذه التحديات في وجود قوى مسلحة تمتلك نفوذاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، الأمر الذي يجعل عملية دمجها أو إعادة هيكلتها أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرارات حكومية. كما أن تفاوت مواقف الفصائل تجاه مشروع حصر السلاح يفرض على الحكومة اعتماد مقاربة تدريجية قائمة على الحوار والتوافق السياسي، بالتوازي مع تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الرسمية لتكون الجهة الوحيدة القادرة على توفير الأمن وحماية المصالح الوطنية.

 

فرصة مهمة للحكومة العراقية

من ناحية أخرى، تتيح المتغيرات الإقليمية الراهنة فرصة مهمة للحكومة العراقية للمضي قدماً في هذا الملف، خاصة مع تراجع حدة بعض الصراعات الإقليمية وتزايد الدعم الدولي لتعزيز مؤسسات الدولة العراقية. إلا أن استثمار هذه الفرصة يتطلب وجود إرادة سياسية موحدة، وتنسيقاً بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقوى السياسية المختلفة، فضلاً عن توفير ضمانات قانونية ومهنية للعناصر التي سيتم دمجها ضمن المؤسسات الرسمية.

وفي حال نجاح الحكومة في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، فإن ذلك من شأنه أن يعزز سيادة القانون، ويرفع من كفاءة المنظومة الأمنية، ويحد من مظاهر ازدواجية السلطة، فضلاً عن تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز ثقة المواطنين والمجتمع الدولي بقدرة الدولة العراقية على إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية بصورة مستقلة وفعالة.

 

آراء الخبراء والمحللين

ويقول محلّل الشؤون العراقية تامر بدوي لإذاعة مونت كارلو "لكي تثبت هذه المبادرة جديتها، يجب أن يكون هناك تدقيق تشرف عليه الحكومة والجهات الفاعلة غير الحكومية"، وإلا ستبقى "جزءا من مشاكل هيكلية أوسع تؤثر على قطاع الأمن في العراق". ويرى بدوي أن الولايات المتحدة "تريد أن ترى نتائج"، متسائلا إن كانت تريدها "حقيقية أم شكلية". وتسعى إيران في رأيه "إلى أن يكسب حلفاؤها أكبر قدر ممكن من الوقت"، ولن تسمح بأن يُنزع سلاح حلفائها المحليين بالقوة". علما أن ذلك "لا يبدو خيارا تدرسه حاليا الحكومة العراقية".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة السليمانية، ميران حسين، أن "ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه تحديات كبيرة بسبب تعدد الفصائل المسلحة في العراق واختلاف توجهاتها ومرجعياتها الدينية، وبعض هذه الفصائل يرتبط بمرجعية النجف، فيما تتبع فصائل أخرى مرجعيات مختلفة".

أضاف، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن هناك تأثيراً إيرانياً واضحاً على عدد من الفصائل المسلحة، الأمر الذي يجعل مهمة حصر السلاح بيد الدولة غير سهلة، موضحا أن "هذه الفصائل، رغم كونها عراقية وتعمل وفق صيغة رسمية، إلا أن ارتباط بعضها العقائدي بجهات خارجية يمثل أحد أبرز التحديات أمام جهود الدولة في هذا الملف". وفي ما يتعلق بجهود رئيس الوزراء العراقي، رأى "حسين" أن إنجاز هذا المسار يتطلب وجود قوة سياسية ومؤسساتية داعمة تضمن تنفيذ الخطوات المعلنة بصورة كاملة وصحيحة على أرض الواقع.

أما مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، فاعتبر أن سحب السلاح المنتشر خارج إطار الدولة من الفصائل العراقية المسلحة "يعد أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في العراق، نظراً لتشابكه مع الاعتبارات السياسية والأمنية والإقليمية". وأشار إلى أن بعض هذه الفصائل تتجه نحو مناقشة مسألة تسليم السلاح أو تنظيم وضعه القانوني، في حين ترفض فصائل أخرى هذا التوجه، وهو ما وصفه بأنه "يعكس عمق الانقسام داخل البيئة الحاضنة لهذه التنظيمات".

 

استشرافات

  1. من المرجح أن يشهد ملف حصر السلاح خلال المرحلة المقبلة تقدماً تدريجياً بدلاً من إجراءات سريعة وحاسمة، نظراً لحساسية التوازنات الأمنية والسياسية المرتبطة به. كما يتوقع أن تتبنى الحكومة نهجاً قائماً على الاحتواء وإعادة الهيكلة والدمج المؤسسي للفصائل المتعاونة، مقابل تشديد الإجراءات القانونية والأمنية تجاه أي تشكيلات ترفض الانضواء تحت سلطة الدولة. وفي حال استمرار الدعم السياسي الداخلي والإسناد الدولي لهذا التوجه، فإن فرص تعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة ستزداد، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الأمني وترسيخ مؤسسات الدولة العراقية على المدى المتوسط.
  2. وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة العراقية تمتلك فرصة سياسية وأمنية غير مسبوقة للتقدم في مشروع حصر السلاح بيد الدولة، مستفيدة من التحولات الإقليمية وتراجع قدرة بعض الجهات الخارجية على التأثير المباشر في القرار العراقي. كما أن إعلان بعض الفصائل المسلحة استعدادها لإعادة تنظيم وضعها القانوني أو الاندماج ضمن مؤسسات الدولة يمثل مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق توافق سياسي داخلي واسع يمنع تحول الملف إلى ساحة صراع بين القوى السياسية المختلفة.