تقديرات
العراق.. بين مشروع الدولة ومشروع السلاح
05-Aug-2026
أعادت «كتائب حزب الله» في العراق التأكيد على موقفها الرافض لتسليم ما تسميه «سلاح المقاومة»، لكنها ذهبت هذه المرة إلى ما هو أبعد من مجرد رفض نزع السلاح، بإعلانها العمل على دعم وتعظيم ترسانتها العسكرية. ويكشف هذا الموقف عن تصعيد سياسي وأمني واضح، ويعكس اتساع الفجوة بين رؤية الحكومة العراقية، التي تسعى إلى حصر السلاح بيد الدولة، وبين الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي تعتبر الاحتفاظ بسلاحها جزءاً من مشروعها الاستراتيجي. ويأتي ذلك في مرحلة حساسة تشهد استعدادات حكومية لاستكمال خطة نزع السلاح بالتزامن مع متغيرات أمنية وإقليمية كبيرة.
وجاء رفض الكتائب الجديد على لسان أمينها العام أبو
حسين الحميداوي، ، حيث أكد بحسب بيان صحافي «مواصلة الجهاد في سبيل الله، وردع كل
معتد، ليدفع أثمان اعتدائه مضاعفة، وشدد الحميداوي على تمسكه بالسلاح وعدم التفريط
فيه ، بل تطويره وتعظيم ترسانته، والسعي لتنقية فضائنا الأمني، مع التشديد على
ضرورة الالتزام التام بالإجراءات الأمنية وحفظ الأسرار، بما يتناسب وحجم التحديات،
لردع كل من يريد بنا شراً في حروب هذه المرحلة، «الشرق الأوسط، 4
أغسطس 2026 »
مشروع حكومي لاستعادة احتكار القوة
وضعت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر المقبل موعداً
لاستكمال خطة جمع السلاح وحصره بالمؤسسات الأمنية الرسمية، في خطوة تهدف إلى
استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة وإنهاء ظاهرة انتشار السلاح خارج الأطر
القانونية. وتعد هذه الخطة إحدى أهم أولويات الحكومة في ظل تزايد المطالب الداخلية
والخارجية بفرض سيادة الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني التي رافقت المشهد
العراقي لسنوات.
وتسعى بغداد إلى إقناع الفصائل المسلحة بالانخراط في
هذا المسار عبر التفاهمات السياسية والحوار، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار تعدد
مراكز القوة العسكرية يضعف مؤسسات الدولة ويجعل القرار الأمني عرضة للتجاذبات
الإقليمية، فضلاً عن أنه يهدد الاستقرار الداخلي ويؤثر في علاقات العراق مع محيطه
العربي والمجتمع الدولي.
في الاتجاه المعاكس
في المقابل، تبدو بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران
وكأنها تتحرك في اتجاه معاكس تماماً لما تسعى إليه الحكومة. فبدلاً من التجاوب مع
دعوات تسليم السلاح، تؤكد «كتائب حزب الله» تمسكها الكامل بترسانتها العسكرية، بل
تعلن صراحة العمل على تطويرها وتعزيزها، وهو ما يمثل تحدياً مباشراً لمشروع الدولة
في فرض سيادتها الأمنية.
ولا يقتصر الأمر على رفض تنفيذ القرارات الحكومية، بل
يمتد إلى تكريس واقع يضع السلاح خارج سلطة المؤسسات الرسمية، الأمر الذي يعمق
الانقسام بين مفهوم الدولة التي تحتكر القوة وفق الدستور والقانون، ومفهوم الفصائل
التي ترى أن سلاحها يمتلك شرعية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
عليه يكشف المشهد العراقي اليوم عن تضاد شديد بين رؤيتين لا تبدوان قابلتين للالتقاء في المدى القريب. فمن جهة، تعمل الحكومة على بناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتسعى إلى إنهاء أي وجود مسلح خارج المنظومة الأمنية الرسمية. ومن جهة أخرى، تتمسك بعض الفصائل بسلاحها باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية أوسع، وترفض إخضاعه للسلطة التنفيذية.
ويظهر هذا التناقض بصورة أوضح مع إعلان الحكومة جدولاً
زمنياً واضحاً لنزع السلاح، في الوقت الذي تعلن فيه «كتائب حزب الله» زيادة
قدراتها العسكرية. وبينما تتحدث بغداد عن جمع السلاح، تتحدث الفصائل عن تعظيم
الترسانة، وهو ما يعكس تناقضاً كاملاً في الأهداف والوسائل، ويجعل الوصول إلى
تسوية شاملة أكثر تعقيداً.
ورغم هذا الموقف المتشدد، فإن خريطة الفصائل المسلحة
ليست موحدة بالكامل. فقد انخرطت خلال الشهرين الماضيين عدة جماعات في مسار نزع
السلاح أو أبدت استعداداً للتجاوب مع المبادرة الحكومية، من بينها «سرايا السلام»
التابعة للتيار الصدري، و«عصائب أهل الحق»، إلى جانب «كتائب الإمام علي».
ويشير هذا التطور إلى وجود تباين في مواقف الفصائل
تجاه مستقبل السلاح، إلا أن استمرار رفض «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» يمنح
الأزمة بعداً أكثر تعقيداً، نظراً لما تتمتعان به من نفوذ عسكري وتنظيمي، فضلاً عن
ارتباطهما الوثيق بالمحور الإيراني.
ويرى الكاتب والباحث السياسي جعفر سلمان خلال حديثه
إلى «رادار» على سكاي نيوز عربية أن إعلان العراق جاهزية قواته المسلحة لإحباط أي
محاولة تستهدف دول الجوار يمثل، من منظور دول مجلس التعاون الخليجي، خطوة في
الاتجاه الصحيح نحو تمكين الدولة العراقية من بسط سلطتها على كامل أراضيها،
معتبراً أن دول الخليج تعد من أكثر الأطراف تضرراً من تحركات الميليشيات منذ
اندلاع الحرب، «سكاي نيوز عربية، 3 أغسطس
2026»
عبء أمني يثقل كاهل الدولة
تمثل الفصائل الرافضة لنزع السلاح اليوم أحد أكبر
التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة العراقية. فوجود تشكيلات مسلحة تمتلك قدرات
عسكرية مستقلة ويصعب إخضاعها للقرار الرسمي يعني بقاء احتمالات التصعيد قائمة في
أي وقت، خصوصاً إذا اتخذت هذه الجماعات قرارات عسكرية مرتبطة بحسابات إقليمية لا
تنسجم مع أولويات الدولة العراقية.
وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل استمرار التوترات
الإقليمية، إذ يمكن لأي هجوم تنفذه تلك الفصائل ضد دول الجوار أو المصالح الأجنبية
أن يجر العراق إلى مواجهة لا ترغب بها الحكومة، ويعرض البلاد لضغوط سياسية وأمنية
واقتصادية يصعب احتواؤها.
اختبار حاسم مع نهاية سبتمبر
تكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب نهاية سبتمبر
المقبل، وهو الموعد الذي يتزامن مع انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، وكذلك
مع انتهاء المهلة الحكومية الخاصة باستكمال حملة نزع السلاح. ويضع هذا التزامن
الحكومة أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ سيكون عليها إثبات قدرتها على فرض سيادة
الدولة في مرحلة ما بعد التحالف، ومنع أي فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة
لتعزيز نفوذها.
كما أن نجاح الحكومة في تنفيذ خطتها سيشكل مؤشراً على
قوة مؤسسات الدولة وقدرتها على احتكار استخدام القوة، بينما سيعني تعثرها استمرار
واقع تعدد مراكز القرار الأمني، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي.
بين الدولة والفصائل
لا تبدو الأزمة مرشحة للحل السريع، فالتباعد بين مواقف
الحكومة وبعض الفصائل يتجاوز مجرد الخلاف حول السلاح، ليصل إلى اختلاف جوهري في
طبيعة السلطة وحدودها. فالحكومة ترى أن بناء دولة مستقرة يبدأ من إنهاء أي سلاح
خارج المؤسسات الرسمية، بينما تعتبر الفصائل الرافضة أن الاحتفاظ بترسانتها
العسكرية يمثل ضمانة لمشروعها السياسي والعسكري.
وفي ظل هذا التضاد، ستبقى الأشهر المقبلة حاسمة في
تحديد اتجاه المشهد العراقي. فإما أن تنجح الحكومة في فرض رؤيتها لحصر السلاح بيد
الدولة وتعزيز سيادتها، أو يستمر واقع الانقسام الأمني الذي يمنح الفصائل المسلحة
مساحة أوسع للحركة، ويجعل العراق عرضة لتداعيات أي تصعيد إقليمي جديد، في وقت يسعى
فيه إلى تثبيت الاستقرار واستعادة دوره بعيداً عن صراعات المحاور.
عليه نرى أن تمسك «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء»
برفض تسليم السلاح، بل والإعلان عن تعزيز الترسانة العسكرية، يعكس انتقال موقفهما
من مرحلة الاعتراض على خطة الحكومة إلى مرحلة تحدي مشروعها القائم على حصر السلاح
بيد الدولة. وهذا التصعيد لا يقتصر على كونه خلافاً أمنياً، بل يكشف عن صراع بين
مشروعين متناقضين؛ الأول تقوده الحكومة لإعادة بناء احتكار الدولة للقوة وترسيخ
سيادتها، والثاني تمثله الفصائل المرتبطة بإيران التي ترى في الاحتفاظ بسلاحها
ركناً أساسياً لنفوذها المحلي والإقليمي. ومن شأن هذا التباين أن يزيد من تعقيد
قدرة بغداد على تنفيذ برنامجها الأمني، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددتها
لنزع السلاح.
كما نرى أن الأسابيع التي تسبق نهاية سبتمبر ستكون
حاسمة في اختبار قدرة الحكومة على فرض قراراتها، بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف
الدولي، وهو ما قد يدفع الفصائل الرافضة إلى رفع سقف مواقفها لتعزيز أوراق الضغط
قبل دخول العراق مرحلة أمنية جديدة. وفي حال عجز الحكومة عن احتواء هذا الرفض أو
التوصل إلى تسوية تضمن إخضاع السلاح لسلطة الدولة، فإن البلاد ستبقى معرضة
لاستمرار ازدواجية القرار الأمني، مع بقاء احتمالات التصعيد الداخلي أو انخراط بعض
الفصائل في مواجهات إقليمية قد تجر العراق إلى أزمات لا تنسجم مع أولويات الدولة
ومصالحها الوطنية.