مقالات تحليلية

أزمة الجزر ومستقبل العلاقات التركية اليونانية

12-Sep-2022

بالرغم من وجود العديد من ملفات الخلاف والتوتر بين تركيا واليونان،  يظل النزاع التاريخي بشأن الجزر في بحر إيجة أبرز مصدر للتوتر الثنائي.  وفي أحدث تطور يظهر استمرار تصاعد التوترات بين الجانبين بشأن هذا الملف، اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الثالث من سبتمبر 2022، اليونان باحتلال جزر منزوعة السلاح في بحر إيجه، محذراً من أن تركيا مستعدة "لفعل ما هو ضروري" عندما يحين الوقت.

قال أردوغان متحدثاً في محافظة سامسون الشمالية: "احتلالكم للجزر لا يربطنا. عندما يحين الوقت والساعة سنفعل ما هو ضروري.. يمكننا أن نأتي فجأة، في منتصف الليل إذا ذهبتم بعيداً جداً، فسيكون الثمن باهظاً". 

ردت اليونان، التي اعتبرت تصريحات أردوغان تصعيداً شديداً، بأنها لن تحذو حذو تركيا في "الانزلاق اليومي الفظيع" للتصعيد والتهديدات. وقالت وزارة الخارجية اليونانية: "سنبلغ حلفاءنا وشركاءنا بمضمون التصريحات الاستفزازية.. لتوضيح من الذي يضع الديناميت في تماسك تحالفنا خلال فترة خطيرة"، حسب بيان نشرته على موقعها الرسمي. كما أعرب الاتحاد الأوروبي، مجدداً، عن قلقه إزاء ما أسماه "تصريحات معادية" من قبل الرئيس التركي ضد اليونان. وقال بيتر ستانو، المتحدث باسم منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل إن "التصريحات العدائية المستمرة من جانب القيادة السياسية لتركيا ضد اليونان تثير مخاوف جدية وتتناقض تماما ًمع جهود خفض التصعيد التي تشتد الحاجة إليها في شرق البحر المتوسط". وأضاف ستانو، في بيان، أن "التهديدات والخطابات العدوانية يجب أن تتوقف" وأن "الاتحاد الأوروبي يكرر توقعاته من تركيا للعمل بجدية على تهدئة التوترات بطريقة مستدامة لصالح الاستقرار الإقليمي في شرق المتوسط والاحترام الكامل لسيادة وسلامة أراضي جميع الدول الأعضاء في الاتحاد".

اللافت في خطاب أردوغان، الذي احتوى على تهديدات واضحة لكنها مألوفة إلى حد كبير، هو أنه الأول من نوعه، حيث لم يسبق له أن اتهم اليونان باحتلال الجزر في بجر إيجة، حسب وصف وكالة رويترز. كذلك يأتي هذا الخطاب التصعيدي بعد أيام من احتفال تركيا، بـ"يوم النصر" في الثلاثين من أغسطس، وهو عيد وطني لإحياء ذكرى القوات التركية التي طردت القوات اليونانية في عام 1922. 

في تصريحه المذكور أعلاه، دعا أردوغان، الذي سبق أن قال في مايو الفائت إنه يرفض التحدث مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، أثينا إلى "عدم نسيان إزمير"، في إشارة للنصر العسكري التركي على اليونان في عام 1922. كذلك جاء هذا الخطاب بعد أن اتهمت أنقرة في الفترة الأخيرة، أثينا بتسليح جزر بحر إيجة المنزوعة السلاح - وهو أمر ترفضه أثينا. وقد عبرت تركيا مؤخراً عن غضبها مما قالت إنه مضايقات لطائراتها من قبل القوات اليونانية، حيث قالت وزارة الدفاع التركية إن "أنظمة الدفاع الجوي إس -300 التي تستخدمها اليونان قد هددت الطائرات التركية خلال رحلة روتينية"، حسبما نقلت وسائل إعلام تركية رسمية. ونفت وزارة الدفاع اليونانية، في بيان، المزاعم التركية، وقالت إن خمس طائرات حربية تركية حلقت عبر المجال الجوي اليوناني دون سابق إنذار ويبدو أنها كانت ترافق قاذفات B-52 الأمريكية.

كذلك تأتي هذه التطورات التي من شأنها أن تسهم في تصعيد التوترات بين تركيا واليونان، بعد إعلان أردوغان، في أغسطس 2022، عن إطلاق أحدث سفينة حفر في البلاد؛ قال إنها سترسل إلى منطقة شمال غرب قبرص في شرق البحر المتوسط. السفينة المعروفة باسم عبد الحميد خان، هي أكبر سفينة حفر هيدروكربونية تركية تحت البحر. وعلق أردوغان في هذا الحدث، وفي إشارة واضحة إلى اليونان وقبرص والحلفاء الغربيين، بالقول: "لن يتمكن الدمى ولا من يمسك بخيوطهم من منعنا من الحصول على حقوقنا في البحر المتوسط".

جذور أزمة الجزر

على الرغم من أن كلا البلدين عضو في الناتو، إلا أن تركيا واليونان لديهما نزاعات طويلة الأمد حول المطالبات الإقليمية في بحر إيجه. فبعد الحرب العالمية الأولى في عام 1918 وانهيار الإمبراطورية العثمانية، أبرمت الدول المنتصرة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، مع ممثلي الدولة العثمانية "معاهدة سيفر" في عام 1920، وبموجبها أرغمت تركيا على التخلي عن سلطتها على الأراضي العربية، وحصلت بعض القوميات على استقلالها مثل الأرمن الذين استطاعوا الاستقلال بدولتهم وخُصصت مناطق للأكراد، فيما حازت اليونان السيادة على عدد من جزر بحر إيجة وأصبحت سوريا (بما في ذلك لبنان) تحت الانتداب الفرنسي، وقبلت بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين وشرق الأردن، حسب تحليل لصحيفة اندبندنت البريطانية.

رفض النظام القومي التركي الجديد بزعامة مصطفى كمال أتاتورك هذه المعاهدة وخاض معركة ضد القوى الأوروبية، انتهت بتوقيع معاهدة لوزان في عام 1923، والتي تتضمن شروطاً جديدة وترسم الحدود التركية الرسمية الحالية. وفي مقابل استعادة تركيا السيطرة على بعض المناطق، بما في ذلك بعض جزر بحر إيجة وشريط على الحدود السورية ومنطقة مضائق البوسفور والدردنيل، التي بقيت خاضعة لاتفاقية دولية، تخلى أتاتورك عن مطالبات بلاده بالأراضي السابقة خارج الحدود الجديدة وتعهد بضمان حقوق الأقليات.

تقول تركيا اليوم إن جزر بحر إيجة مُنحت لليونان بموجب معاهدتي لوزان 1923 وباريس 1947 (والتي تنازلت إيطاليا بموجبها عن الجزر إلى اليونان) بشرط عدم تسليحها. وقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو مراراً إن تركيا ستبدأ في التشكيك في السيادة اليونانية على الجزر إذا استمرت أثينا في تسليحها. في المقابل تبرر اليونان وجود القوات على الجزر بما تصفه "ضرورة الدفاع عن النفس في وجه زوارق الإنزال المتمركزة على الساحل الغربي التركي". وفي ذلك سبق أن قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في تصريحات صحفية، إن موقف تركيا من التشكيك في سيادة اليونان على الجزر "سخيف". وتخشى اليونان من أن نيات تركيا تتجاوز مسألة تسليح الجزر. إذ سبق أن رفضت أثينا، في ديسمبر 2021، دعوة وجهتها الحكومة التركية لإعادة التفاوض بشأن معاهدة لوزان، مشيرة إلى أن الخلاف الوحيد بين أثينا وأنقرة، والذي يمكن معالجته في سياق الاتصالات الاستكشافية هو ترسيم حدود المناطق البحرية، الذي توقف بين البلدين في عام 2016. 

تثير هذه المواقف التركية قلق اليونان من مواصلة أنقرة التصعيد ورفع سقف مطالبها من أجل الحصول على تنازلات من اليونان سواء فيما يخص ترسيم الحدود البحرية أو حتى في الملف القبرصي، خاصة وأن لدى تركيا تجارب في استخدام القوة سعياً لمتابعة مطالبها في هذه المنطقة. إذ سبق أن اندلع الكثير من الخلاف حول بحر إيجه بعد أن قامت أثينا بتدبير انقلاب عام 1974 في نيقوسيا بهدف توحيد قبرص مع اليونان، قبل أن تغزوها تركيا، مما أدى إلى احتلالها لشمال الجزيرة. وبالرغم من استمرار أزمة قبرص، نما النزاع الآن إلى ما وراء المناطق البحرية (البحار الإقليمية والجرف القاري) ليشمل المجال الجوي والرحلات الجوية وعسكرة جزر بحر إيجة ومناطق معلومات الطيران. وتعد جغرافية بحر إيجة معقدة، حيث تضم أكثر من 2400 جزيرة، معظمها يونانية، ولكن طرق الشحن في أعالي البحار التي تعد شريان الحياة الاقتصادي والأمني لتركيا.

تجادل اليونان بأن القانون الدولي، كما هو مفصل في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي تم التصديق عليها على نطاق واسع، يمنحها حقاً غير قابل للتصرف في توسيع بحارها الإقليمية إلى اثني عشر ميلاً بحرياً من الستة الحالية. وتصف ترسيم حدود الجرف القاري بأنه المشكلة الرئيسية وتقول إنه يجب حلها من قبل محكمة العدل الدولية، وليس بالمفاوضات الثنائية. ولسنوات كانت تركيا مترددة في الذهاب إلى محكمة العدل الدولية بشأن قضايا بحر إيجة وأصرت على المحادثات الثنائية، رغم أنها منذ عام 1997 لا تستبعد الوسائل القضائية القائمة على الموافقة المتبادلة. وتخشى تركيا من أن يؤدي تمديد البحار الإقليمية اليونانية إلى قطع وصولها إلى طرق الشحن في أعالي البحار والجرف القاري لبحر إيجه. وهدد برلمانها بالحرب إذا وسعت اليونان من جانب واحد بحارها الإقليمية، وقدمت أنقرة عروضاً رمزية للقوة شملت حتى وقت قريب الرحلات الجوية العسكرية فوق الجزر اليونانية المأهولة في شرق المتوسط.

أسباب الأزمة الأخيرة 

هناك العديد من التطورات والعوامل الداخلية والإقليمية، سياسية واقتصادية وأمنية وغيرها، أسهمت في زيادة التوترات ورفع وتيرة التصعيد بين البلدين بسبب ملف الجزر المتنازع عليها.

الجزر والطاقة 

تم اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز قبالة سواحل قبرص خلال السنوات الأخيرة، مما دعا الحكومة القبرصية واليونان وإسرائيل ومصر إلى التعاون من أجل تحقيق الاستفادة القصوى من تلك المصادر. وفي مقابل هذه التطورات، كثفت تركيا في الأعوام الماضية عمليات التنقيب غربي قبرص. 

وفي نوفمبر عام 2019، وقعت أنقرة اتفاقاً مع ليبيا تقول تركيا إنه يؤسس لمنطقة اقتصادية خالصة تمتد من الساحل الجنوبي لتركيا حتى شمال شرق ليبيا. وتقول مصر إن الاتفاق غير قانوني، فيما اعتبرته اليونان منافياً للمنطق إذ لم يأخذ في الاعتبار وقوع جزيرة كريت اليونانية في المنطقة. 

وكان قد تم منح عدة تراخيص لشركات تركية للتنقيب في شرق المتوسط، بما في ذلك قبالة سواحل جزيرتي رودوس وكريت اليونانيتين، وهو أمر رفع وتيرة التوترات.

تقع العديد من الجزر اليونانية في بحر إيجة وشرق المتوسط على مرمى البصر من الساحل التركي، وقضايا المياه الإقليمية هناك معقدة جداً. وإذا ما تم السماح لليونان بمد حدود مياهها الإقليمية من 6 أميال إلى 12 ميلاً وهو الحد الأقصى المسموح به دولياً، فإن تركيا ستقول إن خطوط ملاحتها البحرية ستضرر بشدة. وبخلاف المياه الإقليمية، توجد المناطق الاقتصادية الخالصة، كاتفاقية الأمر الواقع المتفق عليها بين تركيا وليبيا، والتي لم يتم الاعتراف بها دولياً في الواقع ولا تزال معلقة ومرتبطة إلى حد كبير بمستقبل الصراع الليبي. 

دور اليمين التركي المتشدد في التصعيد

حتى لو كانت التوترات بشأن بحر إيجة تعود إلى عقود عديدة، فإن المواجهات الأخيرة بين تركيا واليونان خطرة بشكل خاص، بسبب تأثير العنصر القومي المتطرف فيها. ويعتبر دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية التركي والشريك في تحالف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، من أكثر الشخصيات التي تحرض على التصعيد في هذا الملف. 

وسبق أن التقط بهجلي صوراً له وهو يحمل خريطة توضح جميع الجزر الرئيسية في شرق بحر إيجة بما في ذلك أكبر جزيرة، كريت، كجزء من تركيا. 

ومن المقرر أن تجري تركيا العام المقبل انتخابات عامة، ويخشى أردوغان وأنصاره من حزب العدالة والتنمية أن تؤدي إلى انتكاسة هائلة. لذا، فإن الاتجاه هو التركيز على السياسة الخارجية لصرف انتباه الناس عن الأزمات الداخلية، وإثارة ملف الجزر من شأنه أن يثير حماس القوميين.

وفي الواقع تستخدم المعارضة التركية، ورقة اللعب على الوتر القومي نفسها، بهدف للحفاظ على قاعدتها اليمينية، وكذلك كسب المزيد من القوميين المستائين من الأحزاب المشاركة في الحكومة. وسبق أن نقلت وسائل إعلام تركية عن كمال كليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أبرز أحزاب المعارضة التركية، موافقته على التصعيد الحكومي الأخير تجاه اليونان، مشيراً إلى أنه سيدعم حكومة أردوغان في ملف الجزر اليونانية في بحر إيجة. ويتفق الحزب مع انتقاد أردوغان وحكومته عسكرة اليونان لجزر بحر إيجة. وهذا هو الموقف ذاته بالنسبة للأحزاب القومية الأخرى في تركيا، مثل "الحزب الجيد" بزعامة اليمينية ميرال أكشينار.

الدور الغربي

كان انقسام الموقف الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع التصعيد التركي في شرق المتوسط، وعدم اهتمام واشنطن كثيراً بهذا الملف، خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة الرئيس الحالي جو بايدن، أحد الأسباب التي شجعت أردوغان على اتخاذ خطوات تصعيدية ضد اليونان، وفي المنطقة عموماً، بما في ذلك قبرص.

ظلت ألمانيا أحد أبرز الوسطاء الذين عملوا على تهدئة التوترات بين تركيا واليونان، خاصة في ظل حكومة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، التي كانت تميل أكثر إلى إرضاء أنقرة، أو عدم إغضابها، في أكثر من ملف بسبب أزمة اللاجئين وغيرها. لكن موقف برلين الرسمي أصبح أكثر وضوحاً اليوم في دعم سيادة اليونان على الجزر. وقالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك إنها لم تخف خلال زيارتها الأخيرة لكلا البلدين في أغسطس 2022 أن "الجزر اليونانية أراض يونانية ولا يحق لأحد التشكيك في ذلك". 

ودفع هذا نظيرها التركي مولود جاويش أوغلو، خلال المؤتمر الصحفي مع نظيرته الألمانية، للشكوى من أن ألمانيا لم تعد محايدة. ومضى يقول إنه في عهد ميركل "كانت ألمانيا وسيطًا نزيهاً. وسياسات ألمانيا كانت عادلة". 

لكنه قال في الآونة الأخيرة "هذا الشعور بالتوازن ضاع للأسف"، حسبما ذكرت دويتش فيلا، الألمانية في الرابع من أغسطس الفائت.

وطالما شعرت اليونان أن ألمانيا لا تمنحها دعماً في هذا الملف، خاصة خلال عهد ميركل. وسبق أن ندد وزير الخارجية نيكوس ديندياس بشدة بصادرات الأسلحة الألمانية، بما في ذلك بيع الغواصات إلى تركيا، وحذر من أن "هناك خطراً حقيقياً من أن هذه الغواصات ستستخدم لتقويض ميزان القوى في البحر المتوسط".

وفي حين اتخذت إيطاليا وإسبانيا موقفين غير حازمين ضد تركيا، كانت فرنسا أكثر القوى الأوروبية دعماً لليونان، سواء من حيث التحركات الدبلوماسية أو التعاون العسكري أو الدفاعي، حيث اعتبرت باريس أكثر القوى الغربية التي زودت اليونان بأسلحة حديثة، ولعل أبرزها صفقة مقاتلات رافال لتحديث الأسطول اليوناني. وخلال زيارتها إلى اليونان هذا الأسبوع، بعد زيارة قصيرة إلى تركيا، قالت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا في مقابلة مع صحيفة (Kathimerini) اليونانية، يوم السادس من أغسطس 2022، إن باريس ستظل "داعمة" عندما يتعلق الأمر بالهجمات على السيادة اليونانية، مشددة على أن هذا شيء "لن يتغير".

ومهما يكن، فقد وجدت تركيا في الحرب الروسية الأوكرانية ورقة جديدة لاستخدامها ضد الأوروبيين، الذين يدفعون تكاليف كبيرة لموقفهم تجاه هذه الحرب. وقد تسعى تركيا إلى استغلال مخاوف الأوروبيين في المنطقة والضغط عليهم لإقناع اليونان وقبرص بتقديم تنازلات (بعض الشروط التركية) بشأن ملفات الغاز أو قبرص لتهدئة التوترات وفتح الباب أمام الاستثمارات في قطاع الغاز، وإن كان هذا السيناريو معقداً جداً ويحتاج إلى الكثير من الوقت. ويدرك الأوروبيون جيداً أن أي توترات أو صراع عسكري مستقبلي، وإن كان محدوداً، بين اليونان وتركيا سيزيد من التحديات التي يواجهونها، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ولكن بشكل خاص فيما يتعلق بقضية الطاقة التي تتصدر أجندة السياسة الداخلية والخارجية لدول الاتحاد.

يحذر خبراء من أن تصاعد التوترات بين تركيا واليونان قد يكون بمثابة ضربة لآمال أوروبا، الساعية إلى تقليل الاعتماد المستقبلي على الغاز الروسي، لمشروع مأمول يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط إلى أوروبا المتعطشة للطاقة. ونقل موقع (The Media Line) عن حي إيتان كوهين ياناروكاك، خبير شؤون تركيا في معهد القدس للاستراتيجية والأمن وجامعة تل أبيب قوله إن "هناك سؤالاً كبيراً حول ما إذا كان هذا المشروع ممكنًا أم لا". "نظراً لاختلاف تركيا وسياسة حافة الهاوية بينها وبين اليونان، لا أعتقد بصدق أن أي شركة متعددة الجنسيات ستكون حريصة على اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة واستثمار ملايين الدولارات في منطقة صراع محتملة".

سباق التسلح بين تركيا واليونان

لقد اجتمعت القيادات السياسية والأمنية الرفيعة من تركيا واليونان مرات عديدة خلال السنوات القليلة الفائتة لبحث ملف الجزر، من بين قضايا أخرى. وقبل ذلك أجرت وزارتا خارجية البلدين أكثر من 50 لقاءً لإجراء "محادثات استكشافية" بين عامي 2002 و2011، بهدف نقل نزاع الجرف القاري وربما المسائل الأخرى التي لم يتم حلها إلى محكمة العدل الدولية، حسب بيانات (مجموعة الأزمات الدولية)، لكن دون تحقيق أي تقدم يذكر. 

ولم تتمكن العملية الدبلوماسية من إغلاق سيناريو الحرب. وبالعودة إلى عام 1996، فقد اقترب البلدان من الحرب بسبب الخلافات حول جزيرة "إيميا" الصغيرة وغير المأهولة. وفي عام 2020، كان هناك تصعيد خطير آخر في نزاع آخر على الأرض. والأسبوع المقبل، ستنطلق سفينة حفر تركية للبحث عن الغاز الطبيعي. 

وفي الواقع، تسبب الصراع في الدفع نحو سباق التسلح بين الجانبين في السنوات الأخيرة، وهو أمر أسهم في حالة عدم الثقة المتبادلة وزيادة التوتر. فمع بروزها كقوة ذات سياسة خارجية أكثر نشاطاً في شرق البحر المتوسط، تقوم اليونان منذ سنوات ببناء هوية جيوسياسية جديدة وتروج لنفسها كبديل لتركيا بالنسبة للغرب في منطقة البحر المتوسط، وإبداء استعدادها لتحمل مسؤوليات جديدة وحصن جديد جنوبي لحلف الناتو/ أوروبا لقضايا الأمن الإقليمي. وبالتالي، تحاول اليونان تصوير نفسها قوة يمكن أن تصبح مزوداً للأمن ويحمي المصالح الغربية في منطقة مضطربة. ومع ذلك، فإن اليونان بحاجة إلى حماية أمنها في المقام الأول وهو ما دفعها - إلى جانب بناء شراكات دولية وإقليمية، مع أمريكا وأوروبا ومصر والإمارات والسعودية وإسرائيل- إلى تعزيز قدراتها الدفاعية خاصة مع تنامي الخطر التركي الذي يهدد أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. 

وقد أعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في العامين الماضيين عن برنامج "قوي" لشراء الأسلحة وإصلاح شامل للجيش وسط تصاعد التوتر مع تركيا في شرق البحر المتوسط. ونظراً لأن المنظومة الروسية الدفاعية S-400 التي تملكها تركيا يمكن أن تخلق مشاكل لسلاح الجو اليوناني، فإن أثينا تتحرك بسرعة للحصول على طائرات F-35، بالإضافة إلى مقاتلات رافال التي حصلت وستحصل عليها من فرنسا. كما تعمل اليونان على الحصول على طائرات مسيرة لتحقيق التوازن مع تركيا المتقدمة في هذا المجال، بالإضافة إلى السعي لشراء أنظمة صواريخ متقدمة لصد هجمات الطائرات المسيرة التركية، من الغرب /أو من إسرائيل.

وقد أعلن وزير المالية اليوناني كريستوس ستايكوراس، في يونيو الفائت، أن مدفوعات اقتناء أنظمة الدفاع للقوات المسلحة ارتفعت من 515 مليون يورو في عام 2020، إلى ما يقرب من 2.5 مليار يورو في عام 2021، على أن ترتفع أكثر إلى نحو 3.4 مليار يورو في عام 2022، حسبما نقلت صحيفة (Neos Kosmos) اليونانية.

توقعات

تعليقاً على تهديدات أردوغان الأخيرة، قال أنجيلوس سيريجوس، النائب عن حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم في اليونان وأستاذ السياسة الدولية، إن قول الرئيس التركي "سنأتي فجأة في الليل" يشير إلى الغزو التركي لقبرص عام 1974. ونقل موقع (Euractiv) الأوروبي عن سيريجوس قوله: "لا يوجد زعيم آخر يتحرك بهذه الوتيرة من التهديدات لأسابيع عديدة. كانت رسالة أردوغان: انتبهوا، لأننا جاهزون".

إن العدوانية المتزايدة للخطاب التركي وإجراءات السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة ليست نتيجة إسلامية أردوغان بل نتيجة عوامل أخرى: تحالف أردوغان مع القوميين المتشددين المتمثل بالحركة القومية بزعامة بهجلي، بالإضافة إلى التأثير السياسي والنفسي لمحاولة الانقلاب العسكري في عام 2016 وشكوك أردوغان المتزايدة تجاه الأوروبيين وإحياء القوميين في الجيش. من وجهة النظر هذه، فإن مثل هذا السلوك العدواني التركي في شرق المتوسط ظرفي، ويرتبط بمزاج زعيم راديكالي، هي فكرة خاطئة إلى حد كبير: فهذه الاستراتيجية القومية والعدوانية هي نهج يشاركه فيه جزء كبير من العالم السياسي التركي على الرغم من الاستقطاب الواضح بين "أصدقاء" و"أعداء" الرئيس التركي. والنتيجة الطبيعية لهذه الديناميكية هي أن هذا العدوان التركي مقدر له أن يستمر ما دامت الظروف الداخلية والجيوسياسية تغذيه، ويؤثر في تفكير القيادة.

ومن هنا، وفي حين يمكن إدراج تصريحات أردوغان التصعيدية ضد اليونان، كأحد أوراق إثارة القوميين الأتراك قبل أشهر من موعد أكبر تحد انتخابي لحكمه الذي استمر 20 عاماً تقريباً في عام 2023، يساعد غياب أدوات الضغط الفعالة على أنقرة، سواء من قبل الغرب أو القوى الإقليمية، في تشجيع تركيا على مواصلة سياساتها الحالية القائمة على الاستفزاز والتهديدات العسكرية. 

بالرغم من ذلك، لا نتوقع أن يقدم أردوغان وحكومته على خطوة الهجوم العسكري، ليس فقط لأن اليونان باتت تملك اليوم قدرات عسكرية أكبر ومن شأنها أن تمثل تحدياً لتركيا في أي مواجهة عسكرية مستقبلية، لكن أيضاً لأن الأوروبيين والأمريكيين سيفرضون عقوبات من شأنها أن تشل الاقتصاد التركي تماماً، دون استبعاد أن يقوم الغرب بطرد تركيا من حلف الناتو.

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 431