مقالات تحليلية

محاولات البحث عن وقف الحرب في السودان وسط النيران

05-Jun-2024

 في 30 مايو 2024، أنهى أكبر ائتلاف لوقف ومناهضة الحرب في السودان جلسات مؤتمره التأسيسي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، واختار رئيس الوزراء السوداني السابق د. عبد الله حمدوك رئيساً للقوى الديمقراطية المدنية المعروفة باسم (تقدُّم).

 وفيما يرى مراقبون أن انعقاد المؤتمر ونجاحه رغم كل ما مر به من تحديات وصعوبات يعد خطوة كبيرة في اتجاه استعادة المسار المدني الديمقراطي في السودان، يتشاءم آخرون من تحقيقه هدفه الرئيس بوقف الحرب التي تزاد عنفاً يوماً بعد يوم.

وفي خط البحث عن علاج الأزمة ووقف الحرب تستضيف مصر في نهاية يونيو الجاري مؤتمراً يضم كافة القوى السياسية المدنية السودانية، بحضور الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين، للتوصل إلى توافق بين مختلف القوى السياسية المدنية السودانية حول سبل بناء السلام الشامل والدائم في السودان، عبر حوار وطني سوداني -سوداني، يتأسس على رؤية سودانية خالصة، حسبما ذكر بيان لمكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية.

وبين أديس أبابا والقاهرة، تباينت الآراء والمواقف داخل معسكر الجيش السوداني، حيال الذهاب إلى منبر جدة لاستئناف التفاوض مع قوات الدعم السريع حول وقف الحرب. وكان قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، بحث مؤخراً، مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، استئناف المحادثات مع قوات الدعم السريع، لكن عقب ساعات من ذلك خرج نائب البرهان في مجلس السيادة، مالك عقار، معلناً رفضه القاطع الذهاب إلى منبر جدة، قائلاً "إنه الرجل الثاني في الدولة، وإن قراره هو عدم الذهاب للمفاوضات".

من جانبه، دخل مساعد قائد الجيش السوداني، الفريق ياسر العطا في حلبة المواجهات، معلناً تأييده الكامل لموقف مالك عقار الذي رفض فيه الذهاب إلى منبر جدة، قائلاً إن عقار أعطى رأي الدولة فيما يتعلق بالمفاوضات مع قوات الدعم السريع.


وثيقة دستورية جديدة

 في ظل كل هذه الفوضى تبرز مجموعة من التعقيدات لتَعُوق محاولات عودة المسار الديمقراطي، تمثلت في إعلان الفريق العطا أن الفريق البرهان سيُلغي الوثيقة الدستورية ويعلن أخرى جديدة. العطا قال في تصريحات له في قاعدة وادي سيدنا العسكرية بأمدرمان: إن "البرهان سيعين رئيس وزراء مستقلاً، توطئة لتشكيل الحكومة الجديدة".

  وعوداً على بدء، ما هي الوثيقة الدستورية؟ في أغسطس 2019 وقع المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير على إعلان دستوري وإعلان سياسي بشأن هياكل السلطة خلال الفترة الانتقالية. وفي 25 أكتوبر 2021 أعلن الجيش عبر تحالف مع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة حالة الطوارئ في السودان، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وقرر إعفاء الولاة، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية.

منذ إلغاء تلك الوثيقة وحدوث الانقلاب، تدهورت الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد وصولاً للحرب الحالية، لذلك فإعلان إلغائها، وإعلان أخرى جديدة، وتشكيل حكومة جديدة، ليسا أكثر من محاولة لتهدئة الشارع السوداني المتململ من طول أزمة الصراع في السودان. 

في السياق يرى كثيرون أن إعلان حكومة في بورتسودان بمثابة ضوء أخضر لإعلان حكومة أخرى في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهو ما يعد خطوة أولى في اتجاه تقسيم السودان، وهذا ما يعوق الوصول إلى أهداف "تقدم" بوقف الحرب وإعادة المسار الديمقراطي والحكم المدني.

العاصمة تعود إلى العصر الحجري

هذه الحرب شهدت موجة تدميرية هائلة للبنى التحتية والمؤسسات الصحية والتعليمية والاقتصادية، وطالت نيرانُها معالمَ تاريخيةً وثقافية بارزة في العاصمة الخرطوم، ووفق مقاطع فيديو وصور نشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي يظهر تدمير مباني القصر الرئاسي بشكل كبير والمتحف الملحق به، إلى جانب 29 من مباني الوزارات في الخرطوم، بينها مواقع أثرية وتاريخية، مثل متحف السودان القومي ومتحف التاريخ الطبيعي، الذي يحتوي على مجموعة متنوعة ونادرة من الحيوانات ومبنى التلفزيون القومي ووزارة المالية، والقصر الجمهوري تاركةً وراءها دماراً هائلاً ومشاهدَ مأساويةً. 

شمل الدمار أيضاً برج شركة النيل الكبرى للبترول في الخرطوم وعدداً من المنشآت الحكومية، ولم تسلم البنوك والمؤسسات الاقتصادية من التدمير والنهب والإتلاف حيث دُمر ما لا يقل عن 28 من فروع البنوك التجارية، وأجزاء من مبنى بنك السودان المركزي، وتم تدمير 19 رئاسة بنك وحرق مبانٍ ومجمعات تجارية كبيرة. 

كذلك لم تنجُ المؤسسات العسكرية من الخراب، حيث دمرت أجزاء كبيرة من القيادة العامة للجيش، وسلاح المدرعات جنوب الخرطوم، وسلاح الأسلحة بالخرطوم بحري، ومقر رئاسة الاحتياطي المركزي جنوب الخرطوم، ووزارة الداخلية والمقر الرئيس لجهاز المخابرات العامة، ومقر الأدلة الجنائية وأقسام الشرطة في الخرطوم. 

وطال الدمار كذلك المرافق السياحية والفنادق كما قضى على القطاع الصناعي بشكل هائل، حسب تقارير وردت في مؤتمر الأعمال السوداني الذي انعقد في يناير 2024. كما أشارت تقارير عديدة صادرة من لجنة أطباء السودان المركزية وعدد من المنظمات العاملة في مجال العون الإنساني والقطاع الصحي، إلى تدمير وتوقف المستشفيات الكبيرة في العاصمة وبعض الأقاليم، وتعرضت مئات الصيدليات للتدمير أو النهب.

إستراتيجية الأرض المحروقة 

 تذهب كثير من التعليقات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن ما يجري هو تدمير ممنهج للبنية التحتية واتباع لإستراتيجية "الأرض المحروقة" من قبل أحد طرفي الصراع، أو كليهما، بهدف إضعاف الخصم وإجباره على الاستسلام. وتتضمن هذه الإستراتيجية تدمير المرافق الحيوية والمنشآت الأساسية، مثل الطرق والجسور والمطارات ومحطات الطاقة، ومحطات المياه، مما يُلحق ضرراً جسيماً بالاقتصاد والحياة اليومية للمدنيين.

فوق ذلك يُثير استخدام البراميل المتفجرة من قبل أطراف الصراع في السودان قلقاً عميقاً، ليس فقط لكونها أسلحة عشوائية تُسبب دماراً واسع النطاق في صفوف المدنيين، بل أيضاً لتهديدها المباشر للبنية التحتية الحيوية في البلاد. وقد أدت الهجمات بالبراميل المتفجرة إلى تدمير منازل ومدارس ومستشفيات وشبكات كهرباء وماء، مما أدى إلى تفاقم معاناة الشعب السوداني وعاق جهود إعادة الإعمار.

تجاه هذا الوضع أعرب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، في بيان صادر مؤخراً، عن قلق الولايات المتحدة إزاء استخدامها في الحرب السودانية، مُستنكراً الهجمات الجوية والمدفعية العشوائية في السودان، خاصةً تلك التي استهدفت مناطق مكتظة بالسكان.

والبراميل المتفجرة هي حاويات غالباً ما تكون براميل معدنية، تُملأ بموادَّ متفجرةٍ مثل الوقود أو المواد الكيميائية، وتُلقى من الطائرات على أهداف محددة. وتُعد هذه الأسلحة من أكثر الأسلحة عشوائية ودماراً في العالم، فبسبب طبيعتها غير الموجهة، تُسبب أضراراً واسعة النطاق في الأرواح والممتلكات، وتُلحق دماراً هائلاً بالبنية التحتية الحيوية.

إن استخدام البراميل المتفجرة يهدد شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمؤسسات التعليمية التي تُعد جميعها من أهم مكونات البنية التحتية في أي دولة، لتوفير الماء والرعاية الصحية للمرضى والمصابين بالإضافة إلى ضمان التعليم للأطفال. وتُشكل هجمات البراميل المتفجرة على هذه المؤسسات تهديداً خطِراً لاقتصاد البلاد ورفاهية شعبها ولصحة الإنسان والبيئة وتعوق تقديم الرعاية الصحية الأساسية وتعد تهديداً خطِراً لمستقبل الأطفال والشباب بحرمانهم من حقهم في التعليم.

جانب آخر من فصول الدمار

لقد كان استهداف مصفاة الجيلي، آخر فصول مسلسل تدمير البنية التحتية في البلاد. وسيؤدى هذا الاستهداف إلى توقف إمدادات الوقود في السودان، ممّا يفاقم الأزمة الاقتصادية ويهدد بانهيار قطاعات حيوية، مثل النقل والكهرباء. 

تعد مصفاة الجيلي أكبر مصفاة للمواد البترولية في السودان، حيث تصل قدرتها إلى 100 ألف برميل في اليوم، وترتبط بخط أنابيب للتصدير يصلها بميناء بشائر الواقع شرق البلاد، ويصل طوله إلى 1610 كيلومترات ليكون بذلك أطول خط أنابيب للبترول في إفريقيا. 

معارك الفاشر تحتدم بلا هوادة 

مع استمرار الحرب، أصبحت مدينة الفاشر عاصمة شمال دافور تحت النيران المستمرة بين فكي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي تمثل آخر مركز حضري رئيسي في غرب السودان، لا يزال تحت سيطرة الجيش السوداني. 

وبينما تقول قوات الدعم السريع إن الجيش والحركات المتحالفة معه أجبرها على الدفاع عن نفسها رغم التزامها منذ مارس بعدم التقدم نحو مقر قيادة الجيش في المدينة، استجابة لنداءات دولية ومحلية ومن الإدارة الأهلية وأعيان المنطقة والمنظمات المحلية والدولية حفاظاً على أرواح المدنيين. يقول الجيش في المقابل إن قوات الدعم السريع هي التي بادرت بالهجوم وضربت بالمدفعية أحياء مدنية. 

وقال الهادي إدريس، عضو مجلس السيادة السابق ورئيس الجبهة الثورية التي تضم عدداً من الحركات الدارفورية الرافضة للحرب لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن المعارك الحالية في الفاشر تحتدم بلا هوادة مما يجعل الخيار الوحيد المتاح لإنقاذ مئات آلاف المدنيين العالقين هناك والمعرضين لأخطار كبيرة هو توفير ممرات آمنة لهم في ظل رفض الحلول السابقة التي طرحتها الحركات المحايدة.

وتتمتع الفاشر بأهمية إقليمية كبيرة لأنها المقر التاريخي للقوات المسلحة ومركز تجاري إستراتيجي مع تشاد وليبيا المجاورتين. ويبلغ عدد سكان المدينة حوالي 1.5 مليون نسمة، بينهم 800 ألف من النازحين داخلياً فروا إلى المدينة بسبب الصراع الدائر.

خاتمة 

إن استمرار هذه الحرب وما تحدثه من مأساة إنسانية وتدمير البنية التحتية يلقي بظلاله على مستقبل السودان، ويُهدد بانهيار الدولة، وتقع على عاتق جميع الأطراف السودانية والدولية مسؤولية العمل الجاد لمنع مزيد من الدمار وبناء مستقبل أفضل للسودان. 

فقد قالت الأمم المتحدة إن الشعب السوداني يواجه "خطرَ مجاعةٍ وشيكاً"، حيث يعاني نحو 18 مليون شخص بالفعل من الجوع الحاد، بما في ذلك 3.6 ملايين طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، وفقاً لبيان مشترك صادر عن مسؤولين بالأمم المتحدة.

عليه فإن المجتمع الدولي مُطالب اليوم قبل غد باتخاذ خطوات حاسمة لوقف الصراع وحماية المدنيين، بما يشمل فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان، ودعم جهود الوساطة للتوصل إلى حل سلمي، وتقديم المساعدة الإنسانية للشعب السوداني. 


twitter icon threads icon 2