مقالات تحليلية

سباق التسلح في الفضاء الخارجي: تعهدات وتداعيات

27-May-2024

في بيان لوزارة الخارجية الروسية، أعربت المتحدثة الرسمية "ماريا زاخاروفا" أن نتائج التصويت على مشروع القرار بشأن منع سباق التسلح في الفضاء الخارجي وأمن الفضاء الذي قدمته روسيا، بمشاركة الصين، إلى مجلس الأمن الدولي للنظر فيه مخيبة للآمال. 

وبالرغم من كل الخطوات التي اتخذتها موسكو وبكين لأخذ مقترحاتهما بعين الاعتبار، ولكن واشنطن وحلفاءها أظهروا باعتراضهم على المشروع أولوياتهم الحقيقية في مجال الفضاء، والتي لا تهدف إلى إبقاء الفضاء خاليا من الأسلحة من أي نوع، ولكن إلى وضع الأسلحة في الفضاء الخارجي وتحويله إلى ساحة حرب ومواجهات عسكرية (وكالة نوفوستي الروسية: 21 مايو).

وكان المشروع الروسي يهدف إلى ضمان منع سباق التسلح في الفضاء الخارجي، وإبقاء الفضاء خاليا من الأسلحة أيا كان نوعها، ومنع واشنطن من تحويله إلى بؤرة أخرى للتوتر والمواجهات المسلحة. واعتبر السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة "روبرت وود"، أن هذه الخطوة ما هي إلا وسيلة تلاعب دبلوماسية روسية، وأن موسكو لا تريد أن يركز مجلس الأمن على ممارساتها الأخيرة في الفضاء (بي بي سي: 21 مايو). وقد اتهمتها واشنطن سابقا بأنها تحاول وضع سلاح نووي في مدار الأرض.

عسكرة الفضاء

تاريخيا بدأ الاستخدام العسكري للفضاء مع أزمة سبوتنيك في أكتوبر 1957، التي بدأت سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وبمرور الوقت تطورت الأبحاث في هذا المجال، حيث أجرت الصين في يناير 2007 اختبارات لتدمير الأقمار الصناعية في الفضاء، الأمر الذي أدى إلى اعتباره ميدانا للقتال في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وكانت بكين بحاجة إلى بناء قدرات قتالية في الفضاء كرد فعل لأي طوارئ قد تحدث في مضيق تايوان. وخلق هذا الاختبار كمية كبيرة من الحطام الفضائي وقوبل بانتقادات دولية شديدة. كذلك أنشأ جيش التحرير الشعبي الصيني في عام 2015 قوة الدعم الاستراتيجي، التي تتولى مجالات الفضاء والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي. كذلك أنشأت روسيا قوة فضائية مستقلة في العام نفسه (إلبريدج كولبي: إطار عمل لاستراتيجية الولايات المتحدة للدفاع والردع في الفضاء، مركز الأمن الأميركي الجديد، يناير 2016). 

كل ذلك جعل واشنطن في عام 2018 إلى إصدار أول استراتيجية وطنية للفضاء، بعد إدراك أن خصومها قد حولوا الفضاء إلى ميدان قتال. وسرعان ما دخلت الهند حلبة الصراع بإجراء اختبار لأسلحة مضادة للأقمار الصناعية في مارس 2019، وأعقبتها إيران بإطلاق أول قمر صناعي عسكري. وردا على هذه التطورات، أنشأت فرنسا قيادة الفضاء في سبتمبر 2019، ونظمت الولايات المتحدة القوة الفضائية في ديسمبر 2019 (فورين أفيرز: 26 مارس 2019).

يقول "جون ناجاشيما"، الباحث في شركة سوميتومو للأبحاث العالمية على موقع مؤسسة ساساكاوا اليابانية للسلام، إن الفضاء أصبح يتمتع بإمكانات هائلة ليس فقط لتطوير العلوم والتكنولوجيا، بل أيضا للنمو الاقتصادي. حيث تشارك اليابان في برنامج أرتميس الذي تقوده الولايات المتحدة، ويهدف إلى استكشاف الفضاء القمري. كما تتجه الصين أيضا للاستفادة من الفضاء بمشاركة روسيا. ولكن التجارب العسكرية الصينية خلفت أكثر من 20 ألف قطعة من الحطام الفضائي، مما يعيق أي استفادة اقتصادية محتملة من الفضاء، مع وجود الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية (موقع مؤسسة ساساكاوا للسلام: 17 يوليو 2020).

وفي تقرير استراتيجية الفضاء الدفاعية الأميركية الصادر في يونيو 2020 (ص 3، 4) تم تصنيف الصين وروسيا على أنهما أكبر التهديدات العملياتية لواشنطن في الفضاء الخارجي، وتم تصنيفهما كطرفين قاما بتسليح الفضاء وتحويله إلى منطقة لتنافس القوى العظمى، وأنهما يعطيان الأولوية لاستخدامهما للفضاء، ويحاولان منع الدول الأخرى من استخدام الفضاء بحرية، حتى أصبح بيئة أقل استقرارا، بالرغم من أن استخدامه مقيد بتعهدات واتفاقيات دولية تحت إشراف الأمم المتحدة.

معاهدات الفضاء الخارجي

إن وضع سلاح في الفضاء، ناهيك عن استخدامه، يشكل انتهاكا خطيرا لمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967. التي بدأت بتوقيع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد السوفييتي، وانضمت إليها 98 دولة إليها حتى يناير 2008. وهي تندرج ضمن عدد قليل من معاهدات الأمم المتحدة التي تحدد القوانين المتعلقة بالفضاء، والتي أصدرها مكتب شؤون الفضاء الخارجي، وتتضمن معاهدات خاصة بالمبادئ المنظمة لأنشطة الدول في ميدان استكشاف الفضاء، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية، وتنظيم عمليات إنقاذ الملاحين الفضائيين ورد الأجسام المطلقة إلى الفضاء، واتفاقيات المسئولية الدولية عن الأضرار التي تحدثها الأجسام الفضائية، والتعهد بعدم تسليح الفضاء بما يضر مستقبل البشرية، وغيرها من الاتفاقات التنظيمية، التي غالبا ما ينظر إليها على أنها الأساس لمثل هذه القوانين المستقبلية... يمكن الاطلاع عليها كاملة من خلال الرابط: https://icss.ae/short/link/1716368346

وتمنع المعاهدة صراحة أي حكومة من المطالبة بالموارد السماوية مثل القمر أو الكواكب، لأنها هي تراث مشترك للبشرية. ينص البند الثاني من المعاهدة (ص 4) على أن الفضاء، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، لا يخضع للتملك الوطني بادعاء السيادة، عن طريق استخدامه أو احتلاله، أو السيطرة عليه بأي وسيلة أخرى. كما أن الدول مسؤولة عن الأضرار التي تحدثها المركبات الفضائية، ويجب تجنب تلويث الفضاء والأجرام السماوية.

وتحظر المادة الرابعة من المعاهدة (ص 4، 5) وضع أسلحة الدمار الشامل، لكنها لا تذكر الأسلحة التقليدية التي تشكل خطرا هي الأخرى. كما حظرت إنشاء أي قواعد أو منشآت أو تحصينات عسكرية وتجريب أي نوع من الأسلحة وإجراء أي مناورات عسكرية في الأجرام السماوية. ولم تنجح الجهود المتعددة الأطراف حتى الآن في الحصول على إجماع حول معاهدة جديدة أو إضافة بنود جديدة إلى القديمة. والواقع أن روسيا ذاتها هي التي تقدمت باقتراح في عام 2008، بالتنسيق مع الصين، يدعو إلى عدم نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي، ولكنه لم يجد إجماعا.

الواقع أن تسليح الفضاء نوويا أو تقليديا لن ينتهك معاهدات الفضاء فحسب، بل ينتهك أيضا معاهدة حظر التجارب النووية المحدودة لعام 1963، والتي تم التوقيع عليها بعد محاولات واشنطن وموسكو إجراء تفجيرات نووية على ارتفاعات عالية. ويمكنها أيضا أن تنتهك معاهدة ستارت الجديدة، التي تظل سارية حتى عام 2026، وتحديدا البند المتعلق بحظر التدخل في الوسائل التقنية الوطنية التي تعمل كوسيلة للتحقق والمراقبة، ويشير هذا على وجه التحديد إلى الأقمار الصناعية التي يمكنها الإنذار المبكر بالصواريخ، ووضعتها الولايات المتحدة في مدارات الأرض.

المخاوف الأميركية وحدود التنافس

تتهم الولايات المتحدة موسكو بأنها تعمل على تطوير سلاح نووي لوضعه في الفضاء الخارجي. وبالطبع فإن مثل هذا السلاح لديه القدرة على تدمير وإتلاف مجموعة من الأقمار الصناعية العسكرية والمدنية بشكل عشوائي، بما في ذلك القمر الصناعي الروسي نفسه.

في شهر فبراير 2024 نشر "مايك تورنر"، رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي، على حسابه في موقع X أخبارا غامضة حول قدرة روسية جديدة مضادة للفضاء النووي. ولم يكشف عما إذا كانت عبارة عن أقمار صناعية تعمل بالطاقة النووية أم أنها سلاح نووي فعلي. ورغم أن احتمال انتشار إشعاع نووي في الفضاء ينحصر حول خطر حدوث خلل، كما حدث في عام 1977، عندما أدى تفكك قمر صناعي روسي إلى انتشار حطام مشع فوق شمال كندا، فإن فكرة السلاح النووي هي الأكثر إثارة للقلق. في حين أنه لم يتم نشر المزيد من التفاصيل رسميا تؤكد ادعاءات تورنر بعد، لكن شبكة CNN، أوضحت في 25 فبراير الماضي عن مصادر مطلعة، أن روسيا سوف تنشر سلاحا نوويا، وليس مجرد مصدر للطاقة النووية. وقالت إن الإدارة الأميركية سلطت الضوء على أن هذا السلاح لم يبدأ تشغيله بعد، ولا يشكل خطرا وشيكا.

وترى "جوليانا سوس"، خبيرة أمن الفضاء في المعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن في إنجلترا RUSI، أن الدول الكبرى تمتلك أدوات في ترسانتها لمواجهة أي أعمال عدائية في الفضاء، فهناك العديد من الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية المعادية، تتراوح بين الوسائل الإلكترونية، مثل إشارات التشويش والانتحال، والهجمات السيبرانية، وبين الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية التي تدمرها في المدار وتسبب الحطام الفضائي، والذي بدوره يعرض الأقمار الصناعية الأخرى للخطر لسنوات بعد الهجوم. وفي حين أن الهجمات السيبرانية والتعطيل الكهرومغناطيسي أصبحت الآن أدوات مهمة في الحرب الحديثة، فإن تدمير القمر الصناعي لدولة أخرى يمثل خطا أحمر، ثبت بالتجربة العملية أنه لا يجب تجاوزه. فأي هجوم سيكون له تأثير شامل على المنطقة المحيطة، اعتمادا على حجم الرأس الحربي، بما في ذلك الأنظمة الروسية والصينية. صحيح أن عدد ما تمتلكه روسيا من الأقمار الصناعية أقل من الولايات المتحدة والصين، وبغض النظر عن حالة القوة الفضائية، ولكن الجميع يخسر في مثل هذا السيناريو، ومن الممكن في لحظات قليلة أن تتعطل الضروريات البشرية اليومية، مثل الملاحة والخدمات المصرفية وخدمات الطوارئ والاتصالات. 

تذكر الباحثة أن استخدام سلاح نووي في الفضاء حدث من قبل، وهو الحادث الأكثر شهرة المعروف باسم Starfish Prime، وهو اختبار تم إجراؤه عام 1962 حيث فجرت الولايات المتحدة رأسا حربيا بقوة 1.45 ميجا طن على ارتفاع 400 كيلومتر، وأثرت النبضة الكهرومغناطيسية الناتجة على الكهرباء على بعد 1000 ميل، وتسببت في تعطيل العديد من الأقمار الصناعية، في وقت لم يكن هناك سوى عدد قليل جدا منها في مدار الأرض السفلي. كما أجرى الاتحاد السوفييتي اختبارات مماثلة كجزء من المشروع K. وهي حوادث أدت إلى التوقيع على معاهدات لمنع المزيد من هذه الاختبارات بعد ذلك بوقت قصير (موقع RUSI: 27 فبراير 2024).

التداعيات والعواقب

إن عواقب انتهاك معاهدات الحد من التسلح في الفضاء لن تتعرض لها روسيا وحدها إذا صحت الادعاءات الأميركية عن وضعها جهاز نووي في الفضاء، فهناك أدلة على أن دولا أخرى، بما في ذلك الصين، تجري أبحاثا مستمرة حول تأثيرات التفجيرات النووية في ارتفاعات عالية على الأقمار الصناعية. وبالتالي فإن أي قوة فضائية، سواء كانت أميركية، أو قوة ناشئة تنمو بسرعة مثل الصين، لن تتقبل التهديد المداري النووي الذي يخيم فوق رؤوسها. ومن المرجح أن يؤدي وضع سلاح نووي في الفضاء إلى زيادة عزلة روسيا عن بقية المجتمع الدولي، وهو ما جعل موسكو وبكين تقدمان مشروعا لوقف تسليح الفضاء.

وعلى الرغم من تمسك الولايات المتحدة بالعقوبات المفروضة على روسيا منذ عام 2014، ولكن الغزو الواسع النطاق لأوكرانيا في عام 2022 غير حسابات الدول الكبرى الخاصة بالتسليح، ولا ينبغي أن نتجاهل الجهود الصينية في هذا المجال أيضا. ومن المقرر أن تعمل روسيا والصين معا في عدد من المشاريع الفضائية الجديدة، وفي الوقت نفسه فإنهما يضغطان باستمرار من أجل إبرام معاهدة ضد نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي.

ترى الصين أن العديد من أصولها في الفضاء معرضة للخطر نتيجة لنشر الأسلحة، ومن الممكن أن تخسر أقمارها الصناعية إذا تم استخدامها. وفي الوقت الذي تقف روسيا فيه معزولة عن الغرب، يزداد اعتمادها على الصين ولا تستطيع تحمل خسارة حليف مثلها. وأمام الرغبة الغربية الملحة في تسليح الفضاء الخارجي، ولو تقليديا، تثار التساؤلات حول نوع السيناريو الذي سيتعين على موسكو أن تجد نفسها فيه مضطرة إلى مجاراة الغرب والبدء في برامج للدفاع عن أصولها الفضائية. ولن يحدث ذلك إلا عندما ترى روسيا أنها قد استنفدت العديد من الخيارات الأخرى.





twitter icon threads icon 1