مقالات تحليلية

تصرفات الداخل السوداني تجهض مجهودات الخارج لوقف الحرب

24-Jul-2023

يتابع السُودانيون باهتمام بالغ الحراك الدولي والإقليمي الذي ينشط هذه الأيام لإنهاء الحرب المستعرة في العاصمة الخرطوم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والتي اندلعت منذ 15 أبريل الماضي. وزاد الأمل مع انطلاق المحادثات التي جرت في مؤتمر "إيغاد" بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا في الـ(10) من يوليو الحالي مروراً بمؤتمر قمة دول الجوار السوداني الذي استضافته القاهرة.

ونشير إلى تصريحات أدلى بها نائب القائد العام للجيش الفريق أول شمس الدين كباشي التي أعلن فيها دعم الجيش لحوار موسع، بجانب مشاركة قوى الحرية والتغيير في اجتماعات هيئة التنمية لدول شرق إفريقيا (إيغاد) بأديس أبابا لإيجاد حل للصراع، فضلا عن اجتماعهم في القاهرة بين الرابع والعشرين والخامس والعشرين من يوليو 2023. 

والآن وبعد الحديث عن عودة الطرفين إلى منبر جدة ما هو السيناريو الأقرب للحل والذي يوقف النزيف الدامي ويعيد الاستقرار للبلاد؟  

الايغاد والخلافات 

   في نهاية مايو الماضي، عرض الاتحاد الأفريقي خريطة طريق لحل أزمة السودان بمشاركة جهات دولية تستند إلى وقف إطلاق النار ومعالجة الأوضاع الإنسانية والدخول في عملية سياسية لتسوية الأزمة. 

وبعد شهر من ذلك، تبنى مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي مقترحات "إيغاد" بجعل الخرطوم منطقة منزوعة السلاح، لكن مجلس السيادة السوداني رفض التجاوب مع الخطة نسبة لتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وهو ما أعاق فرص التفاهم حول الأزمة.

  من الواضح أن الجيش السوداني لم يرفض مقترح الايغاد لوحده، بل شاركته فصائل أخرى رأت أن (إيغاد) ركزت فقط على طرفي النزاع وبعض القوى السياسية المختارة، مما يعوق عملية المصالحة الوطنية، لأن الاعتماد على إرسال قوات لن يوقف النزاع، وشككت الفصائل في مطالبة دولتي إثيوبيا وكينيا بتركيز كل الجهود عبر إرسال قوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) إلى السودان، وهي القوات التي تشكلت عام 2004 بقرار من الاتحاد الأفريقي عبر مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد للقيام بمهام عمليات دعم السلام في المنطقة. 

السلطات السودانية بياناً أوضحت فيه تأكيدها رفض نشر أي قوات أجنبية في السودان، وقالت إنها ستعتبرها قوات معتدية، كما "عبرت عن دهشتها لتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأن هنالك فراغاً في قيادة الدولة مما يفسر بأنه عدم اعتراف بقيادة الدولة واستنكرت دعوته إلى فرض حظر جوي ونزع المدفعية الثقيلة خلافاً لمواقفه وتفاهماته المباشرة القائمة مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة عبدالفتاح البرهان".

من جانبها، رأت وزارة الخارجية السودانية عبر الناطق الرسمي السفير عبدالرحمن خليل أن "حل الأزمة السودانية يبدأ من الداخل وليس من الخارج، وأن المطلوب من القوى السياسية السودانية إجراء حوار شامل فيما بينها للوصول إلى وفاق خلال فترة انتقالية تقود إلى انتخابات، وأن الجولات الخارجية لبعض القوى السياسية واستدعاء التدخل الخارجي لا يفضي إلى حل".


جوار السودان

  في 13 يوليو الجاري اختتمت أعمالُ قمة "دول جوار السودان" التي استضافتها القاهرة، لبحث سبل إنهاء الصراع العسكري الدائر في السودان. وقد البيان الأطراف المتحاربة إلى وقف التصعيد والالتزام بالوقف الفوري والمستدام لإطلاق النار في سبيل إنهاء الحرب. البيان أكد على الاحترام الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، الا أن أنصار الجيش أبدوا سخطهم على مخرجات المؤتمر واعتبروه لا يختلف كثيراً عن مؤتمر الايغاد.


الكباشي والانفتاح على الحوار

وقبل أن يجف مداد بيان مؤتمر دول الجوار السوداني، خرج الفريق كباشي بتصريحات أثارت الجدل وذلك بقوله:" إن القوات المسلحة منفتحة على كل المبادرات الرامية لوقف الحرب في السودان"، وشدد بأن الجيش مع الحوار المفضي إلى تشكيل حكومة مدنية، أن موقفهم المبدئي “يدعم الحوار السياسي الموسع والشامل المفضي إلى حكومة مدنية تقود البلاد خلال المرحلة الانتقالية وتهيئ لقيام انتخابات حرة ونزيهة تؤدي الى قيام النظام الديمقراطي”.

أثارت تصريحات كباشي ردود أفعال واسعة وحظيت بتأييد سريع من قوى سياسية وحركات مسلحة، فقد قال القيادي في قوى الحرية والتغيير خالد عمر يوسف إن تصريحات كباشي “خطوة مهمة في اتجاه وقف الحرب” وفرصة لخيار الحل السلمي التفاوضي الذي يحقن الدماء وينقذ السودان من السير في طريق الانهيار الشامل.

وأثنى رئيس حزب الأمة فضل الله برمة ناصر في تصريح صحفي على حديث الكباشي، حاثاً الجيش والدعم السريع على الاقبال نحو مفاوضات جدة. وبدء تفاهمات توصل لوقف اطلاق نار شامل وإنهاء الحرب. كما اعتبر القيادي في ائتلاف الحرية والتغيير محمد الفكي سليمان تصريحات نائب القائد العام للجيش الداعية لإيقاف الحرب واستعادة المسار المدني “خطوة في الطريق الصحيح.”

واعتبر المتحدث باسم الجبهة الثورية أسامة سعيد تصريحات كباشي مفتاحية لتحقيق الاختراق المطلوب لكسر حالة الحرب والانتقال لمربع الحلول السلمية بتأكيده على انفتاح القوات المسلحة نحو المبادرات الجادة لوقف القتال ودعمها للحوار الشامل المفضي لتشكيل حكومة مدنية تقود المرحلة الانتقالية وتهيئ البلاد للانتخابات العامة.

 في المقابل أصدر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، قراراً بتشكيل لجنة للتواصل مع القوى السياسية والمجتمعية والحركات المسلحة. وتتمثل مهام اللجنة في عقد مشاورات واسعة بشأن الأزمة السودانية المستمرة والحرب الراهنة والسبيل الأمثل للوصول لحل شامل يعالج الأزمة من جذورها بمشاركة جميع القوى السياسية والشبابية والمجتمعية.


سيناريوهات متوقعة

قصدنا من هذه السردية الوقوف على آخر المستجدات فيما يتعلق بالجهود الساعية لوقف الحرب في السودان لا سيما أنه وبعد مرور مئة يوم على الحرب فشل العالم كله في دفع قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان ونائبه السابق في مجلس السيادة وقائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو إلى وقف القتال عملياً والبحث في تسوية سياسية. من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة إيغاد. ومن المبادرة الأميركية - السعودية المشتركة التي أسست "منصة جدة" إلى بقية المبادرات الجماعية والفردية الخاصة بكل دولة، وبينها روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، فضلاً عن قمة الدول السبع المجاورة للسودان، التي شهدتها القاهرة، وجرى خلالها التفاهم على آلية لوقف الحرب وبدء التسوية السياسية في الداخل، وتجنيب جيران السودان ما تقود إليه الحرب والمداخلات فيها واللجوء من أخطار على الجيران، ولا سيما مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان.

 يرى الكاتب رفيق خوري في مقال نشره موقع اندبندنت عربية "إن الحرب قادت السودان إلى مأزق مغلق فلا مجال لحل عسكري، ولا إمكان لحل سياسي". كل طرف يتصرف كأنه واثق من الانتصار على خصمه، مستبعداً أي لقاء معه. وليس لدى أي منهما مشروع سوى السلطة. انتصار طرف واحد كارثة، وهزيمة الطرفين مشكلة، وإن بدت فرصة أمام المدنيين لاستعادة الثورة والسلطة. الجيش هو الجيش الذي نظمه الرئيس عمر البشير على مدى 30 سنة من "التمكين" لحكم "الإخوان المسلمين". وقوات "الدعم السريع" هي ميليشيات حولها البشير إلى جيش رديف لقمع خصومه والثوار، وخصوصاً في دارفور. ولا وريث لهما سوى عسكر "الإخوان".

 يضيف خوري كان واضحاً في دعوة الجنرال البرهان كل قادر على حمل السلاح إلى الانضمام للجيش أن من سيلبي الدعوة هم "عسكر الإخوان" والميليشيات التي نظموها. وما كان أمراً عادياً أن يستخدم الجيش سلاح الطيران بكثافة في العاصمة المثلثة الخرطوم، لأن معظم الضرر يقع على المدنيين، (اندبندنت عربية 22 يوليو 2023).

وعلى نحو مغاير لخوري يرى وزير الإعلام السوداني السابق فيصل محمد صالح في مقال نشرته صحيفة التغيير الإلكترونية إنه رغم التكتم الشديد على المعلومات والتفاصيل، فإن كل المؤشرات تؤكد أن التفاوض قد بدأ من جديد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منبر جدة، تحت رعاية سعودية أميركية، (التغيير الإلكترونية، 18 يوليو 2023)


twitter icon threads icon 18