مقالات تحليلية

تفجير نورد ستريم... إلى واجهة تبادل الاتهامات من جديد

10-Mar-2023

بعد نحو ثمانية أشهر، تعود قضية تفجير نورد ستريم "خط أنابيب الغاز- التيار الشمالي" إلى الواجهة من جديد مع قيام صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، بناءً على ما وصفته بأنه مصادر استخبارية منقولة عن مسؤولين استخباريين مجهولين، بنشر معلومات جديدة تُرجِّح مسؤولية جماعة يشتبه بأنها أوكرانية في تنفيذ الهجوم (نيويورك تايمز، 7 مارس 2023). 

قضية التفجير، الذي وقع في 26 سبتمبر 2022 على خطي أنابيب نورد ستريم 1و2 في بحر البلطيق اللذين ينقلان الغاز الروسي إلى أوروبا، والذي وصفته حينها موسكو بأنه عمل إرهابي واضح، أعادت من جديد حرب التصريحات وتبادل الاتهامات بين كل من واشنطن وموسكو، بعد أن كانتا قد تبادلتا مسبقاً الاتهامات بشأن المسؤولية عن التفجير.

الأمر الملفت للانتباه، أن واشنطن وجهت أصابع الاتهام هذه المرة إلى حليفتها أوكرانيا في مسؤوليتها المحتملة عن التخريب، بعد أن كانت سابقاً اتهمت روسيا بذلك. ففي مفاجأة من العيار الثقيل، رجحت واشنطن أن تكون جماعة موالية لأوكرانيا هي المنفذة للتفجير الذي دمر ما يقارب 50 متر من خط أنابيب نورد ستريم 1، وأدى إلى خروجه عن الخدمة مطلقاً، وتعليق العمل به. واشنطن أضافت كذلك، بحسب مسؤوليها الاستخباريين المجهولين في مقال النيويورك تايمز، أنه لا توجد استنتاجات مؤكدة حول هذا الموضوع، لكم من المحتمل أن تكون العملية قد نفذتها قوة بالوكالة لها صلات بالحكومة الأوكرانية أو أجهزتها الأمنية، وأنهم لم يعثروا على أي دليل على تورط الحكومة الروسية في الهجوم (نيويورك تايمز، 7 مارس 2023). 

تقرير النيويورك تايمز لم يشر إلى وجود أي مسؤولية على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أو كبار مساعديه في العملية، حيث أكد أنه لا دليل على ذلك، بل إن الشبهات تدور حول مخربين هم على الأرجح مواطنون أوكرانيون أو روس، أو مزيج من الإثنين. الملف للانتباه أن تقرير الصحيفة الأمريكية أشار إلى أن مصادرها من المسؤولين الاستخباريين رفضوا الكشف عن طبيعة المعلومات الاستخباراتية، وكيفية الحصول عليها، وأية تفاصيل عن مدى قوة الأدلة"، وأن المعلومات الاستخباراتية لم تتوصل بعد إلى نتائج قاطعة.

من جانبه، أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أنه "يتعين الانتهاء من التحقيقات بشأن عمليات التخريب، وأنه حتى الآن لم نتمكن من تحديد المتورط. هناك تحقيقات جارية، ومن الصواب الانتظار إلى حين الانتهاء منها قبل أن نقول أي شيء آخر عن المتورطين في الهجوم" (الشرق الأوسط، 9 مارس، 2023).

التفجير الذي شغل الاهتمام العالمي لاسيما الدول المتضررة منه، دفع عدد من الدول الغربية التي يمر بها خط نورد ستريم إلى فتح تحقيقات رسمية في محاولة لتحديد مسؤولية الجهة المنفذة له. السلطات الألمانية والدنماركية والسويدية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وهولندا فتحت تحقيقات منفصلة، إلا انها لم تتوصل حتى الآن إلى نتيجة تذكر سوى أن الهجوم متعمد بسبب وجود آثار متفجرات على الأنابيب التي تعرضت للتخريب (صحيفة دي تسايت، 7 مارس، 2023). 

الاتهامات الأمريكية لأوكرانيا أيدتها بشكل غير مباشر وسائل إعلام ألمانية، حيث أشارت صحيفة "دي تسايت" وقناة "IRD"، وقناة "SVR" أن تحقيقاً جنائياً ألمانياً تمكن من تحديد القارب الذي تم استخدامه في تنفيذ التخريب، وهو مملوك لأشخاص أوكرانيين تم استئجاره من قبل شركة بولندية".  أضافت دي تسايت أنه «حتى لو أدت الخيوط إلى أوكرانيا، لم يتمكن المحققون بعد من تحديد من قام بالتكليف بهذه العملية"، وأنه لا يزال هناك احتمال أن يكون التفجير مدبرا بهدف توريط أوكرانيا (صحيفة دي تسايت، 7 مارس، 2023).  


أوكرانيا ترفض اتهامات واشنطن

ردود الفعل الأوكرانية جاءت سريعة على اتهامات واشنطن، حيث نفت كييف على لسان عدد كبير من مسؤوليها أي علاقة لها بشكل أو بأخر بهذا التفجير. وزير الدفاع أوليكسي ريزنيكوف أكد "أن هذا التخريب غير ناجم عن عملنا"، في حين قال ميخايلو بودولاك مستشار الرئيس الأوكراني في بيان له، رداً على تقرير نيويورك تايمز، نقلته البي بي سي أن كييف "غير متورطة مطلقاً في هجمات العام الماضي على خط أنابيب نورد ستريم ولا معلومات لديها عمَّا حدث، أو عن الضالعين في العملية (بي بي سي، 8 مارس، 2023).

يبدو أن كييف تتخوف فعلياً من أن تؤدي الاتهامات الأمريكية، ولو بشكل غير مباشر، إلى تراجع الدعم الغربي لها في حربها ضد موسكو، خاصةً وأنها كانت قد وجَّهت مسبقاً اتهامات للأخيرة بإمكانية قيامها بتفجير خطي الأنابيب بعد العقوبات التي فرضتها واشنطن وأوروبا عليها ومنع تصدير غازها إلى الغرب.

اتهامات سيمور هيرش  لواشنطن 

في مطلع شهر فبراير الماضي، نشرت صحيفة "تايمز" البريطانية أن تحقيقاً أجراه الصحفي الأمريكي المعروف سيمور هيرش توصل إلى أن الولايات المتحدة، بمساعدة دولة أوروبية، مسؤولة عن تفجير خطي أنابيب الغاز الروسي كجزء من عملية سرية أمر بها البيت الأبيض، ونفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه ". 

اتهامات هيرش لواشنطن تضمنت معلومات بشأن غواصين في البحرية الأمريكية عمدوا في يونيو 2022 إلى زرع متفجرات على خط الأنابيب بمساعدة من النرويج، ليقوموا بتفجيرها بعد ثلاثة أشهر. كما أشارت إلى أن قرار الرئيس الأميركي جو بايدن بالسماح بهذه العملية، نقلاً عما أسماه هيرش بمصدر مطلع لم يكشف عن اسمه، جاء بعد أن طُرحت الفكرة لأول مرة في ديسمبر 2021 خلال مناقشات جرت بين كبار مستشاري بايدن للأمن القومي حول كيفية الرد على الغزو الروسي المتوقع حينها لأوكرانيا، ولمنع موسكو من جني مليارات الدولارات من عائدات بيع الغاز إلى أوروبا. 

هذه المناقشات تم تطويرها لاحقاً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أيه" بعد أن تبنت الفكرة، وتحت غطاء مناورات حلف شمال الأطلسي في يونيو 2022 قام غواصو البحرية الأمريكية بمساعدة من النرويج بزرع متفجرات يمكن تفجيرها عن بعد على خط الأنابيب (دويتشه فيلا، 9 فبراير، 2023). 

هيرش حاول تأكيد اتهاماته استناداً الى تصريح بايدن العلني قبل أسبوعين من الغزو الروسي في 24 شباط/فبراير بأن الولايات المتحدة لن تسمح بتشغيل خط انابيب "نورد ستريم 2" الجديد في حال هاجمت روسيا أوكرانيا.

من الواضح أن الصحفي هيرش بنى اتهاماته لواشنطن على ثلاث نقاط أساسية:

- تسريب معلومات من مصدر مُطلع، بحسب زعمه، لم يكشف عنه. 

- الاعتماد على مبدأ الدافع، وأكثر الدول صاحبة المصلحة بإجراء هذا التفجير.

- تحليله الخاص لتصريحات أمريكية رسمية بشأن منع روسيا من الاستفادة من خط السيل الشمالي، وكسب عائدات مالية كبيرة من تصدير غازها لأوروبا، والضغط عليها لمنع حربها على أوكرانيا.

أي أن الحجج التي ساقها هيرش لا تستند فعلياً إلى أدلة حقيقية موثوقة، بقدر ما أنها تعتمد بشكل أساس على إجراء تحليل وعملية تقاطع بين معلومات من مصدر لم يكشف عنه، ولمبدأ الدافع المتعلق بأكثر الدول استفادة من هذا التفجير، وصاحبة المصلحة في إضعاف موسكو، وبين تصريحات أمريكية رسمية تتعلق ببذل واشنطن كل جهودها لمنع تشغيل هذا الخط الذي يعطى روسيا نفوذاً سياسياً على ألمانيا وأوروبا الغربية يمكن أن يؤدي الى إضعاف التزامها تجاه أوكرانيا. أي أنه لا يبنى على معلومات مؤكدة بقدر ما يبنى على تحليلات، خاصةً وأن هذا النوع من العمليات التخريبية لا يمكن لأفراد أو مجموعات تخريبية صغيرة أن تقوم بها بمفردها مهما عظمت قوتها وخبرتها. ربما ما يعطي هذا التفسير أهمية أن خط أنابيب نورد ستريم الذي تم استهدافه يوجد على عمق 1200 كيلومتر تحت بحر البلطيق من الساحل الروسي بالقرب من مدينة سان بطرسبرغ، إلى شمال شرق ألمانيا، وهذا ما يحتاج لإمكانيات دول وليس أفراد حتى تتمكن من استهدافه.

رغم نفي البيت الأبيض بشكل قطعي اتهامات هيرش ووصفها "بالمزاعم الكاذبة بالمُطلق، وبأنها من نسج الخيال"، إلا أن موسكو طالبت واشنطن بالتعليق على ما ورد في تقرير هيرش، خاصةً بعد ملاحظتها بانتظام إحجام الدنمارك وألمانيا والسويد عن إجراء تحقيق مفتوح ومشترك بينها، ومعارضتها لمشاركة موسكو فيه (دويتشه فيلا، 9 فبراير، 2023).

مطالبات روسية بتحقيق دولي 

اعتبرت موسكو اتهامات واشنطن الجديدة لأوكرانيا بأنها "حملة إعلامية كاذبة منسقة"، ومجرد محاولة "لإبعاد الشبهات عن الجناة الحقيقيين"، في اتهام غير مباشر للأخيرة يُحملها مسؤولية هذا التفجير الذي استهدف شريان "حياة" لأكبر وأهم صادراتها الحيوية، خاصةً بعد الحصار والضغط الذي مارسته واشنطن مع الغرب على موسكو في أعقاب حربها على أوكرانيا. الرئاسة الروسية اعتبرت أن التقارير الصحفية الغربية بشأن تفجير خطي أنابيب نورد ستريم مجرد "حشو إعلامي منسق"، وأن "مدبري العمل الإرهابي يريدون تشتيت الانتباه عن الفاعل". 

تصريحات الرئاسة الروسية جاءت على لسان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الذي تساءل أيضاً عن مقدرة واشنطن في "وضع افتراضات دون تحقيق"، وقال إن بلاده تدعو مجلس الأمن إلى التحقيق فيها بشكل مستقل، خاصةً وأننا ما زلنا ممنوعين من المشاركة في التحقيق، وغير مسموح لنا الوصول إلى وثائق التحقيقات التي أجرتها السويد والدانمارك". بيسكوف أضاف "أن هذا الأمر برمته ليس غريباً فحسب، ولكن تفوح منه رائحة جريمة وحشية شنيعة" داعياً الدول المساهمة والمستثمرة في "نورد ستريم" والأمم المتحدة إلى إجراء بتحقيق سريع وشفاف بمشاركة كل من يمكنه كشف الحقيقة (ريا نوفستي 8 مارس، 2023). 

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف وصف الرواية الأمريكية بشأن تفجير "السيب الشمالي" بأنها دعاية أمريكية غبية (سبوتنيك 9 مارس، 2023). أما نائب مندوب روسيا في الأمم المتحدة ديميتري بوليانسكي فاعتبر أن ما نشرته النيويورك تايمز يؤكد صوابية وصحة مطالب روسيا بتحقيق دولي تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة في تفجير الخط، مشيراً إلى أن هذا التقرير جاء في "الوقت المناسب للغاية". 

في الخلاصة

فتحت الاتهامات الأمريكية لأوكرانيا الباب واسعاً أمام عودة تراشق الاتهامات مجدداً مع موسكو، وأعطتها ذريعةً مهمةً وقويةً تؤكد صوابية موقفها الداعي إلى فتح تحقيق دولي للتحقيق وكشف الجهة المسؤولة عن تفجير خط السيل الشمالي نورد ستريم. 

مطالبات موسكو لن تبقى عند حدود القبول بتحقيق دولي، بل ستدفع باتجاه أن تكون جزءاً أساسياً منه بعد أن تم استبعادها مسبقاً، لاسيما وأنها من أصحاب ومالكي المشروع، والمتضرر الأكبر من الضرر الذي لحق به. يبدو أن موسكو ترغب بأن تلحق التهمة بتفجير هذا الشريان الحيوي لها لذات الجهة التي فرضت عقوبات وحصار على تدفق غازها إلى أوروبا، في إشارة إلى أن الجهة التي تقف وراء الأمرين (الحصار-التفجير) هي واحدة وهدفها الضغط عليها وإضعافها. فحتى وإن رغبت أوروبا باستئناف وارداتها من الغاز الروسي، إلا أنها لن تستطيع ذلك بسبب خروج أنابيب النقل عن الخدمة نتيجة التفجير الذي استهدفها.


twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 23