مقالات تحليلية

تداعيات حل جمعية جماعة الإخوان المسلمين في الأردن

28-Aug-2025

مضى شهر على قرار مجلس الشورى في جمعية "جماعة الإخوان المسلمين" في الأردن بحلّ الجمعية، والمتزامن مع ما تشهده "جماعة الإخوان المسلمين" في الأردن وفي عموم المنطقة العربية من تراجعٍ في دورها ومكانتها الاجتماعية والسياسية. 

ورغم أن قرار مجلس الشورى قراراً داخلياً و"طوعي"، إلا أنه لا يخلو من التأثيرات الخارجية المتصلة بالموقف الرسمي الأردني من "جماعة الإخوان المسلمين" الذي جرى حظرها رسمياً في أبريل 2025، ومن تعقيدات العلاقة بين الطرفين بعد الكشف عن تورط "الجماعة المحظورة" في أنشطة مالية غير قانونية، واستغلال أحداث حرب غزة لجمع التبرعات دون شفافية، وتحويلها بطرقٍ غير قانونية إلى دول عربية وإقليمية ودول خارج الإقليم باستخدام وسائل التهريب كافة، وذلك وفق ما أوردته وكالة الأنباء الأردنية "بترا" في 15 يوليو 2025.


صيغة القرار ومضمونه

القرار استند إلى أن جمعية "جماعة الإخوان المسلمين" في الأردن لم تُصحّح أوضاعها القانونية وفق قانون الجمعيات الجديد، ما أعطى مبرراً للحكومة لحلّها، وقد ترتب على ذلك انتقال الممتلكات والأموال والعقارات التابعة للجمعية إلى الدولة أو لجهة رسمية، وهو ما شكّل ضربة قوية للجانب المؤسسي والمالي للجماعة.

هذا الوضع خلق حالة من الازدواجية، إذ بقيت جماعة الإخوان المسلمين كفكرة وكيان اجتماعي وسياسي غير مسجّل رسمياً، في حين استمرت جمعيات أو أحزاب منشقة مرخصة كـ"جمعية الإخوان المسلمين – المرخصة" أو "حزب الشراكة والإنقاذ".

وقد أرجعت الجمعية قرار حلّها إلى أسباب خارجية تتعلق بالتطورات السياسية المحيطة والراهنة، وأسباب داخلية تتصل بانتساب الجمعية ووقوعها تحت وصاية اسم ومفاهيم مثيرة للجدل. وقد أكدت الجمعية في بيان حلّها على "التزامها بقواعد العمل السياسي الوطني خلال مسيرتها العملية الممتدة منذ عام 2015، واحتكامها للمبادئ القانونية الناظمة للمشاركة السياسية في إطار العمل الوطني المُلتزم بالدستور، والمُنسجم مع التوجهات الوطنية في مختلف القضايا التي لها انعكاس في أهداف الجمعية وغاياتها ووسائلها. وجدّدت الجمعية انحيازها للوطن، بأمنه واستقراره وشرعية قيادته وشرعية إنجازه، ومستقبل أجياله.." (موقع قناة المملكة الفضائية، 22 يوليو 2025)


تأثيرات على تيار الإسلام السياسي 

لقد أضعف القرار من نفوذ الجماعة التاريخي داخل الحياة السياسية الأردنية، خاصة أنها كانت لعقود الفاعل الأكبر في المعارضة عبر ذراعها السياسي "جبهة العمل الإسلامي"، وبرزت انقسامات داخلية، حيث انشق بعض الأعضاء وانخرطوا في أطر جديدة مرخصة، وقد أدى ذلك إلى تقليص قدرة الجماعة على الحشد السياسي والاجتماعي، خاصة في الانتخابات والبرلمان والنقابات المهنية.

وُتظهر القراءة المتأنية في مضمون القرار أنه لا يخلو من مفردات التبرؤ الصريحة من "جماعة الإخوان المسلمين" ومن اسمها الجدلي والإشكالي، ولا ينقطع عن سياق انعكاسات قرار حظر "الجماعة الأم" على تيار الإسلام السياسي ومؤسساته الاجتماعية والتنظيمية والخيرية في الأردن، لكنه يحملُ غموضاً واضحاً في ناحيتي الدوافع والمستقبل، ومن ذلك عدم الاعتراف بأن تراجع مكانة الجماعة كان دافعاً لقرار حل الجمعية، وعدم الكشف عن مستقبل الجمعية، وما إذا كان مؤسسوها والقائمين على شؤونها سيبحثون عن اسم ولافتة جديدة يمارسون العمل السياسي والاجتماعي تحت ظلالها مستقبلاً، أم أنهم سيلتزمون بقرار حظر "الجماعة"، وهذا أمرٌ غير متوقع ومشكوك فيه.         

 

حظر "الجماعة" وحلّ "الجمعية"

بإعلان وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، حظر "جماعة الإخوان المسلمين" رسمياً، تكون الجماعة قد طوت نحو 80 عاماً من النشاط السياسي والدعوي في الدولة الأردنية. ويقول الفراية: "إنه في الوقت الذي أتاحت فيه الدولة الأردنية لكافة مواطنيها حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات والتعبير عن الرأي وممارسة النشاطات السياسية وفقاً للقانون، فقد ثبت قيام عناصر ما يسمى بـ (جماعة الإخوان المسلمين) بالعمل في الظلام، والقيام بنشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار، والعبث بالأمن والوحدة الوطنية، والإخلال بمنظومة الأمن". (الشرق الأوسط، 23 أبريل 2025)


حظر الجماعة ارتكز على أساسٍ قوي 

ومن المؤكد أن قرار حظر "الجماعة" قد ارتكز على أساسٍ قوي تبرّره حادثة "إحباط مخططات كانت تهدف إلى المساس بالأمن الوطني الأردني وإثارة الفوضى والتخريب المادي في البلاد، وإلقاء القبض على 16 أردنياً ضالعين بتلك المخططات من تصنيع صواريخ وحيازة مواد متفجرة وأسلحة نارية، وإخفاء صاروخ مُجهز للاستخدام، ومشروع لتصنيع طائرات مسيّرة"، وفق ما أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، ودائرة المخابرات العامة الأردنية.


التصعيد لم يكن انفعالياً 

يقول عمر الرداد، الخبير الأمني والسياسي: "إن التصعيد الأخير لم يكن ردّ فعل انفعالياً على حرب غزة، بل امتداد لمشروع تخريبي تقوده (حماس) باستخدام مظلة الإخوان، وهذا المشروع بدأ من الجنوب السوري، حيث كانت تُقام معسكرات تدريب بغطاء من الحرس الثوري الإيراني، وبإشراف من صالح العاروري قبل مقتله... والسلاح الذي كان يدخل من هناك هو ما وُجد اليوم في الأردن.. وهذه الخلية المكتشفة امتداداً لخلايا سابقة ضُبطت منذ عام 2021، والتحليلات الأمنية في تلك المرحلة كانت تثير التساؤلات بشأن الجهات المستهدفة بتلك الأسلحة: هل كانت متجهة للضفة الغربية؟ أم تُخزن لاستخدامها داخل الأردن؟ يبدو أن الإجابة اتضحت اليوم". (سكاي نيوز عربية، 23 أبريل 2025)


المساس بالأمن الوطني الأردني 

وبصرف النظر عن رواية "الجماعة" ومبرراتها الجاهزة في التنصل من مسؤولية المساس بالأمن الوطني الأردني، وضمنها محاولة "جبهة العمل الإسلامي" نفي أيّة علاقة بالمتهمين وتجميد عضويتهم، إلا أن تورط عناصر "الإخوان" في الأعمال الإرهابية إلى جانب مواقف قيادة الجماعة وأعضائها ومحاولات التغطية دليل قاطع على ازدواجية الخطاب السياسي العلني والخطاب التنظيمي المخبوء وغير المُعلن، خاصة مع دخول حركة "حماس" على خط الدفاع عن عناصر الخلايا الإرهابية، ودعوتها السلطات الأردنية إلى الإفراج عن الأفراد الذين أُلقي القبض عليهم، بذريعة أنهم لم يستهدفوا أمن المملكة أو استقرارها، وأن أعمالهم بدافع نُصرة فلسطين، ورفضاً للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، وأن المعتقلين يُعبروا عن ضمير الأمة نصرةً لفلسطين. (خالد السويدي، الإخوان المسلمون في الأردن من الصعود إلى السقوط، موقع حفريات، 7 يوليو 2025) 

ولم يكن تأسيس "جمعية جماعة الإخوان المسلمين" وحصولها على الترخيص في عام 2015، وبعد انشقاقها عن الجماعة الأم وانضمام قيادات حزبية إليها، دافعاً لفرض وجودها السياسي وحيازة تأييد القاعدة الشعبية للإخوان، خاصة في ظل ما واجهت من مشكلاتٍ إدارية وتنظيمية ومالية جعلتها على هامش المشهدين الاجتماعي والسياسي في الأردن. 

الأكثر من ذلك، أن "الجمعية" لم تسعَ إلى توظيف الفراغ الناتج عن القرار الحكومي بتنفيذ الحكم القضائي بحق "الجماعة" عبر تقديم نفسها كبديل قانوني وشعبي، لكنها اختارت قرار "الحل" كبديل عن قرار استعادة التنظيم والتموضع في الحياة الاجتماعية والسياسية الأردنية. وبهذا المعني تبدو الانتكاسة الحزبية الداخلية للجماعة في الأردن وبالمعاني التنظيمية والمجتمعية والخيرية بمثابة الانعكاس الطبيعي والمستحق للأحوال العامة التي وصلت إليها فروع الجماعة في المنطقة العربية وما حولها من تراجع لدورها ومكانتها وبرامجها وحضورها الشعبي عموماً.


ماذا بعد حلّ "الجمعية"؟

لا شك في أن قراري حظر "الجماعة" وحل "الجمعية" قد أحدثا حالة من الارتباك والشلل السياسي التي ألقت وستلقي بظلالها على "إخوان الأردن" راهناً ومستقبلاً. فبعد قرار الحظر، كان من الطبيعي أن تتولى "الجمعية" المرخصة قانوناً وفقاً للدستور الأردني، وباعتبارها الكيان الشرعي الرسمي تقرير مستقبل "إخوان الأردن"، لكن قرار حل "الجمعية" أفقدها هذه الصفة وراكم على أزمة الفراغ عند "الجماعة" ومؤسساتها بصفة عامة، مما أنتج الضبابية وانعدام مستوى الوضوح فيما تريده وتتطلع إليه "الجماعة" في المستقبل.


المراوغة والتحايل على قرار الحظر

غير أن هذه التعقيدات لا تنفي حقيقة أن "الجمعية"- رغم حلها- هي التي ستحدد مستقبل "الجماعة" في الأردن، بكثير من المراوغة والتحايل على قرار حظر "الجماعة" بأدوات المراجعة الداخلية وتطوير الخطاب السياسي والفكري، ونبذ العنف والإرهاب، وتشكيل العلاقات الداخلية والخارجية بكثير من الحذر والتوازن، وفرز تيار جديد أكثر اعتدالاً وواقعية للمرحلة القادمة يضع سياساته التي تُراعي تراجع دور ومكانة "جماعة الإخوان المسلمين" في المنطقة العربية في العقد الأخير. فقد تعرضت "الجماعة" للخسائر والنكسات المتتالية وفقدانها للسلطة في معظم الدول العربية، فضلاً عن فقدان الكثير من القاعدة الشعبية، والانقسامات الداخلية التي أفقدتها الكثير من تأثيرها، وظهور الخلافات الداخلية للعلن، مع حالة التصدع غير المسبوقة التي يشهدها التنظيم لافتقاده أدوات الترويج لأفكاره. (صوت الإخوان يرتفع في الدول العربية ويخفت في أوروبا، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية بأبوظبي، 4 يونيو 2024)


الخلاصة:

على خلفية قراري الحظر والحل في الأردن، تمتد التساؤلات الضرورية من مستقبل "الجماعة المحظورة" إلى مستقبل حزب "جبهة العمل الإسلامي"، بوصفه الذراع السياسي للجماعة، وما إذا كان سيواجه تفكيكاً تدريجياً وتتعامل معه الدولة الأردنية على قاعدة إجراءاتها ضد "الجماعة"، أم أن محاولات الحزب إظهار الولاء للدولة الأردنية، ومن ثم تأسيسه على قاعدة فصل العمل السياسي عن الدعوي ستُعفيه من إجراءات الشطب والتفكيك، وإن تحققت هذه الأخيرة ستكون مسألة دستورية تمثيل الحزب في البرلمان الأردني- مجلس النواب محل جدل ونقاش لجهة إمكانية فصل نواب الحزب، وإحلال من يليهم في الاقتراع من القوائم الوطنية، وتعديل بعض مواد الدستور، مع القيود القانونية والإجرائية لمواجهة المرشحين الذين ينتمون للجماعة مستقبلاً.

لقد جاء القرار متزامناً مع سياسات إقليمية أوسع لمحاصرة نفوذ الإخوان في المنطقة بعد 2013، خصوصاً في مصر والخليج. وقد وجه الأردن بتلك الخطوة رسالة توازن: فهو لا يحظر الجماعة فكرياً تماماً لكنه يضعها خارج الإطار القانوني الرسمي، ما يتماشى مع الضغوط الإقليمية ويحد من تأثيرها الداخلي.

وبينما بقي حضور الجماعة على المستوى الشعبي والفكري موجوداً، بحكم جذورها التاريخية في المجتمع الأردني منذ أربعينيات القرن الماضي، لكن زخمها الشعبي تراجع نسبياً بسبب فقدان الغطاء القانوني والخلافات الداخلية، إضافةً إلى تبدل المزاج العام وظهور تيارات شبابية أكثر تنوعاً. زاد ذلك من عزلة الجماعة عن المشهد السياسي الرسمي، رغم استمرارها في بعض الأنشطة الدعوية والخيرية بطرق غير مباشرة.



99