مقالات تحليلية

التوتر بين الجيش والدعم السريع في السودان .. الأسباب والمآلات

14-Apr-2023

تجلّت التوترات الأخيرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مجموعة من الخلافات، برزت بشكل واضح مع تحذير الجيش السوداني في ساعة مبكرة من صباح الخميس 13 أبريل مما وصفه بـ "تعبئة للقوات وإعادة انتشار" لقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى. وقال الجيش في بيان إن تحركات قوات الدعم السريع تمثل "انتهاكا واضحا للقانون". وقالت قوات الدعم السريع في بيان سابق إنها تنتشر في جميع أنحاء البلاد كجزء من واجباتها العادية. (وكالة رويترز ، 13 أبريل 2023) ومع هذا البيان، شهدت البلاد مجموعة من إشارات التوتر يمكن إبرازها فيما يلي:

أولا، تفويت الأطراف السياسية السودانية والمجلس العسكري الحاكم الموعد النهائي لتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية وسط خلافات بشأن الإصلاحات الأمنية وقضايا أخرى. ووفقا للجدول الزمني المتوافق عليه، قد كان من المفترض الإعلان عن رئيس وزراء جديد ومناصب أخرى يوم الثلاثاء، 11 أبريل، إلا أن الموعد النهائي قد انقضى بعد أن فشل الطرفان في التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي تم الإعلان عنه في 5 ديسمبر الماضي مرتين، بسبب الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

ثانيا، على الرغم من تصريحات جديدة للجيش يوم 13 أبريل قال فيها إنه "لا يرغب بنشوب صراع مسلح يقضي على الأخضر واليابس"، وإنه يسعى لإيجاد الحلول السلمية لما وصفها بتجاوزات قوات الدعم السريع التي "تفاقم" المخاوف والتوترات عبر احتشادها "غير القانوني" في الخرطوم وبعض المدن. فإن قوات الدعم السريع، أوضحت في بيان لها، أنها تنتشر في جميع أنحاء البلاد في إطار واجباتها العادية.

ثالثا، جاء في تقارير إعلامية سابقة أن قائد المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قد طرد ممثلي قوات الدعم السريع من اجتماعٍ يومَ الأربعاء 12 أبريل، واتهمهم بالسعي لمحاربة الجيش. (بي بي سي، 13 أبريل 2023)


كيف وصلت الأمور إلى هنا؟

بدأ التوتر الأخير بين الجيش وقوات الدعم السريع بعدما دفعت الأخيرة بـحوالي 100 مركبة نحو مطار مروي الذي يعتبر مطاراً استراتيجياً مسانداً لمطار الخرطوم المدني في حالات الطوارئ، ويضم قاعدة جوية عسكرية، تشمل دفاعات جوية عن شمال ووسط وغرب وشرق السودان.

كما تعتبر أيضا منطقة تمركز بديلة للقوات الجوية. كذلك تضم أكبر مشروعين زراعيين في الولاية الشمالية تم إنشاؤهما منذ عهد الاستعمار الإنجليزي، فضلا عن أكبر سد كهرومائي في السودان. ويبلغ عدد سكان مروي نحو 120 ألف نسمة وتضم المنطقة عدداً من القبائل أبرزها الشايقية والبديرية والحسانية والهواوير.

كانت قوات الدعم السريع نفت في وقت سابق مزاعم قيامها بعمليات حربية باتجاه مطار مروي. وأكدت أن وجود قواتها بالولاية الشمالية يأتي في إطار تأدية واجباتها ومهامها كما هو في باقي الولايات. كما أكدت أنها تعمل بتنسيق مع قيادة القوات المسلحة وبقية القوات النظامية الأخرى. إلا أن بيان الجيش الذي صدر صباح يوم 13 أبريل أظهر وبوضوح وجود خلافات خطيرة بين الطرفين.

الخلافات بين الجانبين تبلورت سابقا أيضا خلال ورشة الإصلاح الأمني التي أقيمت قبل أسابيع في العاصمة الخرطوم، لاسيما لجهة ملف دمج الدعم السريع في صفوف الجيش، ومعايير هذا الدمج وغيره، ما أدى إلى تأجيل الإعلان عن الاتفاق السياسي النهائي في البلاد. (العربية نت، 13 أبريل 2023)

على إثر هذا التصعيد، قررت قوى مدنية برئاسة رئيس حزب الأمة التواصل مع البرهان وحميدتي لنزع فتيل التوتر، وأشارت تقارير إلى أن العديد من الأحزاب المدنية والسفارات الأجنبية تدخلت للتهدئة بين الجانبين، وأن اجتماع القوى المدنية الذي عقد الخميس 13 أبريل خلص إلى تشكيل لجنة للتواصل مع قيادات الجيش. في الاتجاه الآخر، تناقلت تقارير خبر وصول ناقلات جنود تابعة للدعم السريع إلى العاصمة الخرطوم؛ فيما أشارت تقارير إلى تأجيل أو إلغاء اجتماع يوم الخميس لمجلس الأمن والدفاع السوداني (كان مقررا أن يحضره البرهان وحميدتي) على خلفية أحداث مروي.


من يستفيد من التوترات الراهنة؟

في خلفية التوترات التي ظهرت بين قائدي الجيش والدعم السريع، هنالك نقطة خلاف رئيسية تتعلّق بإصرار حميدتي على المطالبة بتنظيف الجيش من الإخوان المسلمين، وأن تؤول ولاية الشركات الاقتصادية التابعة للمنظومة العسكرية إلى وزارة المالية. (موقع EU Briefs الأوروبي، 12 أبريل 2023) ووسط التوترات الأخيرة، لا يستبعد مراقبون إمكانية إطلاق تحالف سياسي إسلاميّ مدعوم من الجيش الرافض للاتفاق الإطاري لمحاربة مشروع التحول الديمقراطي برمته الذي تتبناه القوى المدنية.

حيث أن عناصر الحركة الإسلامية تعمل من حين لآخر على خلق الفتنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أو دقّ إسفين بين قوى الثورة نفسها، وتشتيت أوراق التفاهمات السياسية. وفي الواقع، فإنّ تساهل الجيش الذي تولى مقاليد الأمور خلال الفترة الانتقالية في مواجهة فلول النظام السابق، سمح لعناصر الإخوان والحركة الإسلامية بشكل عام ليكون لها تأثير كبير على المشهد الحالي، وأن منحهم الفرصة لعقد الندوات والمؤتمرات أرسل إشارات على تواجد شخصيات في السلطة والجيش لا تمانع في تخريب المشهد السياسي الحالي. 

ويخدم الحفاظ على الوضع كما هو داخل المؤسسة العسكرية، الإسلاميين ويدعم سيطرة الجيش على السلطة حتى الوصول إلى مرحلة الانتخابات، ويهيئ الأجواء لتقديم مرشح محسوب على الحركة الإسلامية ودعم نجاحه في استعادة السلطة من جديد. ويعتبر الفريق حميدتي حجر عثرة في طريق تحقيق مصالح فلول البشير والحركة الإسلامية، بعد أن اشترط في إطار عملية دمج قواته ضرورة تطهير الجيش من الضباط الإسلاميين. (موقع ميدل إيست أونلاين، 6 أبريل 2023)

وفي ضوء ما سبق، فإن تصعيد التوترات بين الجيش والدعم السريع قد يكون في سياق خطة الإسلاميين نحو إطالة أمد التفاوض على الاتفاقية النهائية، أو على الأقل إجبار الطرف المدني على توقيع اتفاقية "هشة" تضمن وجود جوانب خلافية بارزة تسهل هجوم الجيش على السلطة مرة أخرى وإخفاء ملفات الفساد لعناصر الإخوان، وتهيئة الأرضية لهم للعودة بواجهات جديدة من خلال الانتخابات.


twitter icon threads icon 271