دراسات أمنية

العقيدة النووية الروسية، الحدود والمؤثرات

27-Oct-2022

بعد التراجع العسكري الروسي في منطقة خاركيف وما حولها، تجدد القلق من أن القادة الروس قد يتصرفون بشكل غير متوقع، ويستخدمون الأسلحة النووية لوقف الهجوم الأوكراني، أو لترهيب القيادة في كييف، حتى تتم تسوية الصراع بشروط مواتية لموسكو.

يحدث هذا وقد هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل واضح بعد أن أعلن التعبئة الجزئية في 21 سبتمبر 2022، بأسلحته النووية، وقال: "إذا تعرضت وحدة أراضي بلادنا للتهديد، فسنستخدم بالتأكيد كل الوسائل المتاحة لنا لحماية روسيا وشعبنا". كان حديثه عاماً، لكن ديمتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، كان أكثر تحديداً، حيث قال إنه في حالة قيام أوكرانيا بمهاجمة الأراضي المحتلة التي اختارت بالاستفتاءات أن تكون روسية، فإن "دستور روسيا سيدخل حيز التنفيذ". (Ukrainska Pravda, 24 Sep.2022).

يقول دميتري ميدفيديف نائب بوتين إن معاقبة روسيا على ارتكابها لجرائم الحرب "يحتمل أن يشكل تهديداً لوجود البشرية" (نيوزويك،  6 July 2022)، وهو هنا يلمح تلميحاً واضحاً بأن رد روسيا سوف يكون رداً نووياً. ومن المعروف أنه منذ عام 2007، أصبحت التهديدات النووية شائعة بين المسؤولين الروس رفيعي المستوى، لكن من الواضح أن التهديدات الحالية أصبحت أكثر تطرفاً. حيث أشار رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون في مقابلة بالفيديو (Newsweek, 1 July 2022)، إلى أن بوتين هدد باستخدام السلاح النووي أكثر من 35 مرة في أحداث مختلفة.

وحينما تم سؤال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في الأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2022، عما إذا كانت العقيدة النووية الروسية ستنطبق على "المناطق الجديدة"، أي الأراضي المحتلة في أوكرانيا، في حالة تصويتها للانضمام إلى روسيا في الاستفتاءات، أجاب بأنه إذا حدث ذلك سوف تخضع بالطبع للحماية الكاملة من الدولة، وسوف تنطبق على كامل أراضيها جميع القوانين والمذاهب والمفاهيم والاستراتيجيات الخاصة بالاتحاد الروسي. ( وكلة انترفاكس الروسية،  24 سبتمبر  2022).

ومع ازدياد المخاوف حول اندلاع الحرب النووية في أوروبا، وإصدار مئات التحليلات السياسية والعسكرية التي تدرس إمكانية استخدام موسكو للسلاح النووي في الحرب الدائرة، كان الرد الروسي على تقدم كييف بقصف العاصمة الأوكرانية قصفاً "تقليدياً" كثيفاً بمعاونة بيلاروسيا في 10 أكتوبر 2022، باستخدام قاذفات الصواريخ والطائرات بدون طيار، لتحدث خسائر في البنية التحتية الأوكرانية هي الأولى من نوعها منذ بداية الحرب، دون استخدام أسلحة نووية كما كان يتوقع الخبراء، مما يجعلنا نتساءل حول العقيدة النووية الروسية، وكيف ولماذا قد تلجأ روسيا لاستخدام هذا السلاح المدمر الحاسم؟ وعن النصوص المصاغة للسياسات النووية الروسية الجديدة، وتفسيرها؟

العقيدة النووية خلال التجربة السوفيتية (السعي خلف التكافؤ)

منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، بذلت القيادة السوفيتية، مدفوعة بالحاجة إلى كسب الوقت لسد الفجوة التكنولوجية في الأسلحة النووية وأنظمة الاتصالات بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، جهداً كبيراً في تحريك مفاوضات نزع السلاح في الأمم المتحدة. فقد اعتبرت هذه الجهود وسيلة حيوية لإبطاء تقدم واشنطن في تطوير أنظمة أسلحة متقدمة، في الوقت الذي يقوم فيه الاتحاد السوفيتي بتسريع برامج أسلحة الدمار الشامل الخاصة به.

وفي الوقت الذي كانت موسكو فيه تطور أبحاثها النووية، كانت تقود أيضاً تلك النداءات الملحة بنزع السلاح النووي. حتى إن نيكيتا خروتشوف اقترح خلال فترة رئاسته للاتحاد السوفيتي (1953 – 1964) على الأمم المتحدة في عام 1959 خطة غير واقعية لكنها جذابة أيديولوجياً لنزع السلاح النووي بشكل عام وكامل، تبدأ بترسانات الصواريخ النووية للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. ولعب هنا على يقينه بأن واشنطن سوف ترفض بنسبة كبيرة هذا الاقتراح، ولذلك كان جريئاً في طرحه. وقد لقي اقتراحه قبولاً عالمياً كبيراً، لاسيما بين جمهور الرأي العام العالمي التقدمي، مثل الجماعات المناهضة للحرب النووية في الغرب، وأنظمة الدول الاشتراكية المختلفة في الشرق الأوسط ووسط وغرب آسيا ووسط وجنوب القارة الأمريكية (Shoumikhin: 2009, p. 141). ومن الواضح أن مبادرة خروتشوف الجريئة للسلام كانت تراهن على التقدم السريع في البرنامج النووي السوفيتي. وأسفرت تلك الجهود عن إطلاق أول قمر اصطناعي وصل إلى مداره بحلول أكتوبر 1957، مع إشارات واضحة وعلنية إلى أن الصواريخ النووية السوفيتية أصبحت قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية من الفضاء الخارجي.

وحتى خلال فترات الاسترخاء النسبي للتوترات في العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كانت وجهات النظر السوفيتية بشأن الحد من الأسلحة الثنائية ملونة بشدة بمفاهيم أيديولوجية مسبقة، فكان لدى موسكو اعتقاد ثابت بأن الجانب الأمريكي يسعى للحصول على مزايا أحادية لنفسه، حتى إن وزير الخارجية السوفيتي أندريه جروميكو دوَّن في مذكراته قائلاً: "بالنسبة لكارتر، مثله مثل جميع الرؤساء الأمريكيين الآخرين، الهدف الأسمى لديهم دائماً يتمثل في الحد من الإمكانات النووية السوفيتية، مع الحفاظ على سلامة القوات الضاربة الأمريكية الرئيسة. وفقط بجهد كبير، وتحت تأثير الحجج الدامغة وخطط البناء للاتحاد السوفيتي التي حظيت بتأييد واسع في العالم، ستنحرف الولايات المتحدة عن موقفها الهادف إلى تحقيق مزايا أحادية الجانب". (Shoumikhin: 2011, p. 102).

ومع التقدم الذي أحرزه السوفيت في أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، اقتنعت واشنطن بأنه حان الوقت لبدء محادثات جدية. ووافق ريتشارد نيكسون على البدء في المفاوضات التي بدأت في 17 نوفمبر 1969 في هلسنكي بفنلندا. واستغرق الأمر سنتين ونصفاً لإعداد معاهدة الصواريخ المضادة للبالستية، حتى تم توقيعها في موسكو في 26 مايو 1972. (Larson: 1999, p.15). وأعلن بريجنيف أن المعاهدة تشير إلى أن كلا القوتين العظميين قد وصلتا إلى التكافؤ في قدراتهما الاستراتيجية. وعلى الرغم من توقيع المعاهدة لكن موسكو لم توقف سباق التسلح النووي، وبحلول عام 1981، زاد السوفيت ترساناتهم النووية أربعة أضعاف تقريباً (Shoumikhin: 2011, p. 103).

لقد أصبحت العقيدة النووية خلال الحقبة السوفيتية تتطور جنباً إلى جنب مع التوازن المتغير للقوى الاستراتيجية في العالم، والتقدم في مفاوضات الحد من التسلح. وشهدت القيادة العسكرية في موسكو منذ النصف الثاني من حقبة الستينيات، تحولاً في وجهات النظر حول الظروف المحتملة للحرب العالمية. وبدأت العقيدة العسكرية السوفيتية تأخذ في الاعتبار المرحلة الأولى المحتملة للصراع العسكري بالاستخدام الوحيد للأسلحة التقليدية. لكن مع الوقت بدأت الشكوك في الظهور حول إمكانية تحقيق النصر بعد تبادل مكثف للضربات النووية، فبدأ السوفيت في السعي لإبرام معاهدات مع الولايات المتحدة بشأن حظر أو تقييد الأسلحة النووية الاستراتيجية، وتطوير عقيدتهم النووية بما يضمن سلامة أراضيهم، وهو ما تم في النهاية - كما ذكرنا - في عام 1972، فتم توقيع المعاهدة، التي تمنع في الوقت ذاته الاستمرار في تطوير الأبحاث النووية العسكرية.

لكن العقيدة النووية السوفيتية تبنت بعد توقيع المعاهدة مفهوماً رئيساً لتطوير الأسلحة النووية، وهو المفهوم الذي يمكن وصفه بأنه "الاكتفاء الاستراتيجي"، بتحديد التركيب الكمي والنوعي لناقلات الأسلحة النووية، وتوزيعها بين قوات الصواريخ والبحرية والقوات الجوية، مع مراعاة الاستخدام المحتمل في ظل ظروف مختلفة، وحددت بشكل علمي وعملي النسبة المثالية في عملية التوزيع المتعادل بين الأسلحة التقليدية والأسلحة النووية.

وكان العسكريون السوفيت من بين الأوائل الذين حددوا التأثير الثوري لقدرات الضربات الدقيقة التقليدية في الحرب الحديثة، فقد أظهرت لهم حرب الخليج الأولى (1980 – 1988) كيف يمكن للأسلحة التقليدية الذكية تنفيذ المهام التي كانت تستدعي في اعتقادهم أسلحة نووية. وقد أدى ذلك بقيادة هيئة الأركان العامة الروسية لنمذجة السيناريوهات التي تعرض ضعف الدولة السوفيتية أمام الضربات التقليدية واسعة النطاق، للوصول إلى عقيدة واضحة لاستخدام الأسلحة النووية إذا تطلب الأمر ذلك، مما أدى في النهاية إلى إسقاط روسيا للاستراتيجية المعلنة المتمثلة في عدم الاستخدام الأول للقوة النووية. (Bruusgaard: 2021, p. 10).

وفي حقبة الثمانينيات، كان لدى السوفيت عقيدة مفصلة لاستخدام الأسلحة النووية تضمنت العناصر التالية: 1- المبادرة بالضربة الأولى. 2- الحصول على التفوق الكمي، وهو شرط وقائي وضروري لأن الحرب قد تستمر لبعض الوقت، حتى وإن حُسمت لصالح السوفيت خلال الساعات الأولى. 3- استهداف كافة القوى المضادة. 4- إجراء عمليات معاونة من كافة أفرع القوات المسلحة لاستكمال الضربات النووية. 5- الدفاع، الذي أهملته الولايات المتحدة بموجب مفهومها للردع المتبادل.

ومع ذلك، استمرت القيادة السوفيتية في الإعلان مراراً وتكراراً، حتى أوائل التسعينيات أن عقيدتها النووية تحتم عليها ألا تبدأ في استخدم هذا السلاح المدمر، وأن موسكو سوف تسمح باستخدامه فقط رداً على هجوم نووي. وقد صدر أول إعلان رسمي بهذا المعنى من قبل ليونيد بريجنيف في الدورة الخاصة الثانية للجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 يونيو 1982. (Shoumikhin: 2011, p. 105).

وثيقة الرئيس يلتسن عام 1993

أدت الفجوة التكنولوجية المتزايدة بين القدرات العسكرية التقليدية الغربية والروسية، والتي زادت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، للنظر إلى توسع الناتو وعملياته على أنه تهديد محتمل لموسكو يمكنه تقويض الأمن الروسي. فأصدر الرئيس بوريس يلتسن وثيقة "الأحكام الرئيسة للعقيدة العسكرية الروسية" في نوفمبر 1993، والتي حددت مهمة الأسلحة النووية بأنها "إزالة خطر الحرب النووية عن طريق ردع الدول الأخرى عن شن عدوان على روسيا الاتحادية وحلفائها". وبذلك يتم استخدامها فقط في ظل ظروف حرب عالمية واسعة النطاق تعرض سيادة روسيا ووجودها ذاته للخطر. لكن العقيدة الجديدة احتوت على تحذيرين مهمين: الأول، يتمثل في إمكانية استخدام السلاح النووي حتى في صراع محدود من الممكن أن يتصاعد إلى حرب عالمية. والثاني، استخدامها في تبادل نووي شامل وغير مقيد. وهذا يمثل في جوهره ردع أي صراع، بما في ذلك الصراع المحدود، بالتهديد بإبادة العالم.

كما تضمنت العقيدة النووية التي كرسها يلتسن قيوداً مهمة على استخدام الأسلحة النووية، بالتأكيد على التزامات روسيا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968. وافترضت الوثيقة أن روسيا لن تستخدم هذا السلاح ضد أي دولة عضو في المعاهدة ولا تمتلك أسلحة نووية، ما لم تتحالف مع دولة حائزة على الأسلحة النووية، تشارك في هجوم مسلح ضد الاتحاد الروسي أو أراضيه أو حلفائه. وما لم تعمل هذه الدولة على الاشتراك مع دولة حائزة على الأسلحة النووية في تنفيذ أو دعم غزو أو هجوم مسلح ضد روسيا. (Sokov: 1999).

وبالرغم من وصول الروس لمستوى متفوق في امتلاك الأسلحة النووية، لكن بحلول أواخر التسعينيات، تطورت القدرات العسكرية التقليدية الغربية بشكل يفوق بكثير القدرات الروسية التقليدية. وكان يُنظر إلى قدرات الضربات الدقيقة الغربية على أنها تهديد متزايد للأمن الروسي. واتضح للروس أن الأسلحة التقليدية الدقيقة المتقدمة يمكن أن يكون لها إمكانات مدمرة مثل الأسلحة النووية، وسيكون لها تداعيات خطرة في الحروب المستقبلية، وبذلك سوف تؤثر في سعي الجيش الروسي للتأثير في نيات الخصم باستخدام ورقة التهديد النووي. وأنتج تدخل الناتو في كوسوفو عام 1999 دعوة مهمة للتغيير في موسكو. فسياسياً، صُدمت موسكو من استعداد الناتو للتدخل في دولة ذات سيادة دون تفويض من مجلس الأمن الدولي على الرغم من الاحتجاجات الروسية العنيفة. وعسكرياً، شكلت العملية أسوأ سيناريو للمخططين الروس. وأصبحوا يخشون الضرر المحتمل للضربات الجوية التقليدية للدول الغربية، التي يمكنها شن ضربات على البنية التحتية والعسكرية، وضد مراكز القوات النووية، وتوجيه ضربات انتقائية، بما يكفي لعدم حدوث رد نووي بعد تدميرها لقدرة الردع النووي الروسية في غضون أيام أو أسابيع. (McDermott: 2018, p. 191-213).

تطور جديد في العقيدة النووية الروسية

عكست القدرات العسكرية التقليدية الروسية مع بداية عام 2000 قدرة محدودة في الرد على التهديدات التقليدية المتقدمة. وأكدت تلك المحدودية الحرب الشيشانية الروسية الثانية التي استمرت في الفترة من عام 1999 وحتى 2009، وقد كشفت عن أوجه قصور كبيرة في القدرات الروسية لشن حرب تقليدية حديثة، مما أنتج نقاشات عسكرية مكثفة في موسكو حول ما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية للتحديث التقليدي أم النووي.

لقد أثبتت الحرب الشيشانية أن موسكو بحاجة إلى قوة تقليدية متطورة أكثر ملاءمة لخوض حروب هذا العصر. وكانت قدرة روسيا على الدفاع ضد التكنولوجيا العسكرية التقليدية المتقدمة محدودة للغاية، في الوقت الذي سخرت البلاد قدرات الإنذار المبكر للكشف عن هجوم صاروخي بالستي نووي هائل فقط. وهكذا فإن القدرة التحذيرية ظلت غير كافية. ولذلك غطت أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الروسية موسكو، لكنها اعتمدت على الذخائر النووية، لأن قدرتها على حماية مقار القيادة بذخائر تقليدية دقيقة كانت محدودة للغاية. (Bruusgaard: 2021, p. 10, 11).

ومع معرفة القادة الروس أن خياراتهم التقليدية، لاستباق أو الرد، على الضربات التقليدية المتقدمة لأي خصم ضعيفة للغاية، فقد بدأوا في تطوير الصواريخ البالستية قصيرة المدى، لتنتج جهودهم في النهاية صاروخ إسكندر البالستي قصير المدى الذي تم اعتماده عام 2006. وعلى الرغم من قدرته التدميرية، كانت الصواريخ الأمريكية البحرية والجوية المسلحة تقليدياً ذات المدى الأطول هي المسيطرة على رقعة المعارك إلى حد كبير. لكن مع الاستمرار في تطوير منظومة إسكندر أصبحت تتفوق على غيرها في الدقة العالية للنيران، علاوة على ما تتمتع به من سرعة في التحول لأقصى درجات الاستعداد القتالي في وقت قصير جداً، فكان هذا الصاروخ بداية حقيقية لوضع قدم روسيا على عتبة الحروب التقليدية المتقدمة. وفي مقابلة صحفية في يوليو 2008، قال الكولونيل جنرال فيكتور يسين القائد السابق لقوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية، إن موسكو يمكن أن تنشر صواريخ إسكندر التكتيكية في منطقة كالينينغراد أو في بيلاروسيا، حيث يمكنها ذلك من الوصول إلى المعترضات الأرضية الأمريكية في بولندا. وبحلول عام 2019، كان لدى روسيا ما بين 10 إلى 12 لواء إسكندر منتشرة في جميع أنحاء البلاد. يتكون اللواء الواحد من 12 مركبة مع صاروخين لكل منهما، والتي توفر نظرياً دفعة من 288 "إسكندر" ضد عدو فردي محتمل. (Global security, 17 March 2019).

ومع نجاح تلك المنظومة بدأ الاستراتيجيون الروس في مراجعة عقيدتهم النووية، ومناقشة أهمية الردع غير النووي، أو "ما قبل النووي"، وحاجة الجيش الروسي إلى قدرات تقليدية متقدمة دقيقة، يمكنها أن تسهم بشكل فعال في ردع التهديدات التقليدية دون الحاجة إلى استخدام الأسلحة النووية إلا في حالات الضرورة القصوى. وبدأ الجدل الروسي حول فائدة الأسلحة النووية، من إطار مفاهيمي يميز بين أنواع الصراعات المختلفة ذات الأدوار المختلفة للأسلحة النووية. وأصبحت القيادة العسكرية الروسية تفرق بين الحروب المحلية والإقليمية والحروب واسعة النطاق.

إدارة التصعيد في العقيدة النووية الروسية

يعتقد العديد من المحللين والخبراء أن القيادة العسكرية الروسية دمجت الأسلحة النووية في خططها القتالية التقليدية. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تحتفظ موسكو بسياسة "عدم الاستخدام الأول"، وقامت بمراجعة عقيدتها النووية مرات عديدة للرد على المخاوف المتعلقة ببيئتها الأمنية وقدرات قواتها التقليدية، وهو نفس الأمر الذي يشغل عقل الرئيس بوتين باستمرار. والذي عمل على دمج السلاح النووي مع التدريبات العسكرية التقليدية، والتلويح بذلك في التصريحات العلنية. ويبدو أن هذه العقيدة الجديدة تشير إلى أن روسيا قد تعتمد بشكل أكبر على الأسلحة النووية، وقد تهدد باستخدامها أثناء النزاعات الإقليمية، لكن في التطبيق العملي لم يحدث ذلك، سواء في عملياتها في الشيشان وجورجيا، أو حتى أوكرانيا.

دفعت هذه العقيدة بعض المحللين الأمريكيين إلى استنتاج أن روسيا قد تبنت استراتيجية نووية، أطلقوا عليها اسم "التصعيد لخفض التصعيد" "escalate to de-escalate"، ومعنى ذلك أن روسيا قد تهدد باستخدام الأسلحة النووية في وقت مبكر من الصراع عندما يعتقد قادتها أن هذا سيؤدي إلى خفض التصعيد من خلال حمل الخصم على الاستسلام ووقف الأعمال العدائية، فعلى سبيل المثال، قد تهدد باستخدام الأسلحة النووية إذا كانت تخسر صراعاً مع أحد أعضاء الناتو، في محاولة لحثه على الانسحاب من الصراع. (Woolf: 2022, p. 10).

ولكن كريستين فين بروسجارد أستاذة العلوم السياسية بجامعة أوسلو، ترى أن وصف العقيدة النووية الروسية بأنها "تصعيد لخفض التصعيد" هو تبسيط غير مثمر، وتهوين للقدرات النووية الروسية. وربما ينتج عنه سوء فهم خطر يقلل بدوره من أهمية ما يلزم اتخاذه من إجراءات لردع الاستخدام النووي الروسي. فقد كان التركيز على الاستخدام النووي المبكر شائعاً جداً في العقيدة العسكرية السوفيتية القديمة، ولكن منذ أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين نصت العقيدة النووية الروسية رسمياً على خفض العتبة النووية، أي عدم اللجوء إليها إلا في حالات محددة ومصيرية، ولذلك فهم على استعداد لاستخدامها وهو أمر خطر، حتى ولو كان في ظروف محددة. (Bruusgaard: 2022).

كما يرى المحلل العسكري الأمريكي مايكل كوفمان أن ثمة اختلافات مهمة يمكن ملاحظتها بين التفكير العسكري الروسي بشأن إدارة التصعيد وما وصفه البعض باستراتيجية إنهاء الحرب المبكرة لروسيا، والتي يطلق عليها "التصعيد لخفض التصعيد"، حيث يمكن لموسكو أن تتصرف بقوة وتسعى إلى إنهاء الحرب باستخدام سلاح نووي استباقي. ومن رأيه أن "خفض التصعيد" كما يتصوره الجيش الروسي يعني "إدارة التصعيد"، والتي تشمل احتواء الصراع إلى عتبة محددة، على سبيل المثال: منع حرب محدودة من أن تصبح حرباً إقليمية، أو ردع الدول الأخرى من التورط في حرب روسية، كذلك احتواء الحرب جغرافياً، والتوصل إلى وقف الأعمال العدائية ضد روسيا ومصالحها بشروط مقبولة. وهكذا فالأمر أكثر من مجرد إنهاء الحرب، ولكن إدارة تصعيد ناجحة تؤدي إلى التحكم في التصعيد. وهكذا فالضربات الفردية أو الجماعية من الممكن ألا تؤدي إلى تصعيد نووي لاحق حتى لو هدد الروس بذلك. ويضيف كوفمان أن الاستخدام الواسع النطاق للأسلحة النووية لا يتعلق بإدارة التصعيد، لكنه محاولة أخيرة في الحالات التي يخسر فيها الجيش الروسي حرباً وتكون الدولة تحت التهديد. (Kofman: (2022.

ولكن هل يمكن لروسيا أن تجد نفسها تخوض حرباً ترى أنها دفاعية بطبيعتها، كحرب أوكرانيا، ثم تلجأ إلى الاستخدام النووي مع تصاعد الصراع؟ بالتأكيد يمكن حدوث ذلك، لكن هذا الطرح يفترض مجموعة من الإجراءات العسكرية وغير العسكرية التي تم اتخاذها من كلا الجانبين قبل التصعيد النووي، منها وصول العدو إلى عتبة روسيا وتهديدها. ولا يمكننا تجاهل إدراك روسيا للمخاطر المرتبطة باستخدام الأسلحة النووية، كما تدرك جيداً أن استخدامها في معركة تحاول أن تفرض من خلالها شروطها سوف يظهرها دولة ضعيفة لا تقوى على القتال التقليدي.

على أية حال، حينما تولى بوتين مهام الرئاسة في عام 2000 أبقى في البداية على مفهوم الأمن القومي الروسي الذي يتمثل في حق الدولة في استخدام جميع القوات والوسائل الموجودة تحت تصرفها، بما في ذلك الأسلحة النووية، في حالة وجود عدوان مسلح يشكل تهديداً لوجود الاتحاد الروسي دولة مستقلة ذات سيادة. لكنه سرعان ما أصدر وثيقة جديدة تحدد من وجهة نظره العقيدة النووية الروسية، وعلى الرغم من أن لغة وثيقة عام 2000 لبوتين تبدو متشابهة إلى حد كبير مع وثيقة عام 1993 ليلتسن، إلا أنها احتوت على بعض التغييرات الدقيقة والمهمة، وجاء فيها:

1)  يعتبر الاتحاد الروسي الأسلحة النووية وسيلة لردع أي عدوان، وتضمن تحقيق الأمن العسكري لروسيا وحلفائها، والحفاظ على الاستقرار والسلام الدوليين.

2) يحتفظ الاتحاد الروسي بالحق في استخدام السلاح النووي رداً على استخدام الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل الأخرى ضده أو ضد حلفائه، وأيضاً رداً على أي عدوان بأسلحة تقليدية واسع النطاق يهدد أمن روسيا القومي وحلفائها.

3) لن يستخدم الاتحاد الروسي الأسلحة النووية ضد الدول الأعضاء في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي لا تمتلك أسلحة نووية إلا في حالة الغزو، أو أي هجوم آخر ضد الاتحاد الروسي أو أراضيه أو قواته المسلحة أو غيرها.

إن وثيقة بوتين باختصار عملت على توسيع مهمة الردع لتشمل "الأمن العسكري" لروسيا، و"الاستقرار والسلام الدوليين" بلغة غامضة للغاية، لكنها ربما تشير إلى دور سياسي أوسع للأسلحة النووية، بما في ذلك الظروف التي لا تشكل تهديداً مباشراً بالهجوم على روسيا، فقد تهدد باستخدامها دفاعاً عن سيادة دولة أخرى حليفة. كذلك عملت على ترسيخ الحق في استخدام الأسلحة النووية رداً على هجوم تقليدي واسع. كما تسمح العقيدة الروسية لعام 2000 باستخدام الأسلحة النووية رداً على استخدام أسلحة الدمار الشامل الأخرى. (Sokov: 1999).

فوجئ العالم في عام 2002 بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً من "معاهدة الصواريخ المضادة للبالستية"، التي وقعتها عام 1972 مع الاتحاد السوفيتي وجددتها مع الاتحاد الروسي بعد سقوطه، مما أدى إلى إنهاء العمل بالمعاهدة. وعلى الرغم من أن رد فعل موسكو على الانسحاب كان خافتاً، ولكن مخاوفها بشأن نظام الدفاع الصاروخي الأوروبي كانت تتزايد، مع أنها لا يمكنها صد أية ضربات صاروخية عابرة للقارات، لكن مفاهيم الردع الروسية كما تم تصويرها في العقيدة النووية لعام 2000 جعلت الضربات النووية المحدودة ذات صلة بردع أو إدارة ضربة تقليدية لحلف شمال الأطلسي، ويمكن للدفاع الصاروخي الأوروبي أن يحط من مثل هذه الخيارات.

وخلال الفترة من عام 2002 وحتى 2010، ومع ازدياد التكنولوجيا العسكرية الغربية تقدماً في مقابل ضعف السلاح التقليدي الروسي، بدأت موسكو تعيد النظر في عقيدتها العسكرية عموماً والنووية على وجه الخصوص. وبدأت تدرك أن فائدة الأسلحة النووية في الردع أو إدارة التصعيد، لا تحدد فقط من خلال حجم الصراع أو نوعه، ولكن أيضاً من خلال طبيعة التهديد ونوعه. فكان بعض الاستراتيجيين الروس قلقين بشكل متزايد من أن الأسلحة النووية لم تعد كافية لردع جميع التهديدات التي كانت تواجهها روسيا. فلا يمكن للأسلحة النووية ردع الثورات الملونة (أعمال حركات التمرد، والعصيان المدني، وأعمال الشغب، والحركات المطلبية، وغيرها) بشكل فعال، أو الدعوات العامة للتغيير الديمقراطي، أو التدخلات العسكرية التي تؤدي إلى تغيير النظام. خاصة وقد أصبح مشهد التهديدات السياسية أكثر تعقيداً، بعد عام 2011، وبدا لهم أن روسيا أصبحت بحاجة إلى المزيد من الردع الفعال لصد مثل هذه التهديدات. ومن هنا بدأ المزج بين العقيدة النووية والعقيدة العسكرية في روسيا، لمواجهة كافة التحديات والتهديدات بكل صورها.

ومن المعلوم أنه في أثناء حرب جورجيا عام 2008 كان أداء الجيش الروسي ضعيفاً، مما دفع موسكو إلى التصميم على تحديث القوات المسلحة الروسية. فرصد الرئيس الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف 20 تريليون روبل لتحقيق هذا الهدف. ونتج عن ذلك تصنيع صاروخ إسكندر الذي يمكن أن يحمل الرؤوس الحربية التقليدية والنووية على حد سواء، وبنفس الكفاءة التشغيلية. وقد هدد الرئيس ميدفيديف بنشره في كالينينجراد لمواجهة التهديد الذي يمثله دفاع الناتو الصاروخي البالستي. ولكن مع محاولاته لتحديث القوات المسلحة، إلا أن نقاط الضعف العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والتطورات السياسية، كانت لا تزال تثير قلق المخططين الاستراتيجيين الروس. فالأنظمة العسكرية التقليدية الغربية عالية الدقة يمكن أن تصبح تهديداً مباشراً لروسيا. وبالرغم من ذلك ظلت موسكو ملتزمة بتخفيض أعداد الأسلحة النووية الاستراتيجية، ولم تسمح بالنقاش في تخفيضها، لكنها أبدت استعدادها بالنقاش في تخفيض الأسلحة النووية غير الاستراتيجية فقط، إذا كان الغرب سيحد من قدراته التقليدية أيضاً. وبذلك يظل ميزان القوى التقليدي والنووي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً. (McDermott: 2011, p. 4, 5).

وبعد حرب جورجيا اتضح أمام القيادة الروسية أن برنامج تسليح الدولة يجب أن يدور حول الدور المركزي الذي ستؤديه الدفاعات الجوية والصاروخية في هزيمة التهديدات الغربية التقليدية الحديثة، بما يضمن ردع الخصوم عن الأعمال الاستفزازية في وقت السلم، وتسهيل فاعلية القوات ذات الأغراض العامة وتقليل الخسائر في الحرب. وفي عام 2010، تم دمج قوات الدفاع الجوي والفضائي الروسية في خدمة واحدة، وبدأت بعض أنظمة الدفاع الجوي قصيرة ومتوسطة المدى في العمل، كما انتشرت شبكة استراتيجية من الرادارات والدفاع الجوي المتكامل، وتحديث الطيران التكتيكي والدفاع الصاروخي. لكن على الرغم من تلك التحديثات، إلا أن شكل القوة الروسية المتكاملة كان ناشئاً، ويحتاج إلى الخبرة العملية لاختبار فاعليته. (Kofman: 2020).

التغييرات في العقيدة النووية منذ عام 2010

ذكرت المحللة السياسية كريستين بروسجارد أنه بحلول عام 2010، طور المنظرون الروس مفهوماً أكثر شمولاً للردع غير النووي. ورأى بعضم أنه في الجيل السادس من الحروب الحديثة، يمكن للأسلحة التقليدية أن تحل محل الأسلحة النووية، نظراً للمصداقية العالية في استخدامها، بحيث يتمحور النصر حول تدمير البنية التحتية الاقتصادية للعدو، ويمكن تحقيق ذلك من خلال قصف دقيق للغاية، مما يجعل الأسلحة النووية عتيقة. وبذلك لن تتحمل الأسلحة النووية ولا حتى الأشخاص العبء الأكبر في القتال. وسوف ينصب التركيز على الأسلحة التقليدية عالية الدقة والأسلحة الأخرى القائمة على مبادئ فيزيائية جديدة.

ولكن هناك رأي آخر يرى أن القدرات العسكرية التقليدية لن يكون لها تأثير حاسم مثل الأسلحة النووية الاستراتيجية، فقد استمر المراقبون العسكريون في التأكيد على ضرورة التعويض النووي للضعف العسكري التقليدي لروسيا، وبالتالي، فإن تطوير منصات جديدة للذخائر التقليدية يستلزم تحديث الترسانة النووية شبه الاستراتيجية أيضاً، فتم تجهيز القاذفات الروسية لحمل كل من الصواريخ النووية والتقليدية على حد سواء. فنقلت القدرات التقليدية مثل "إسكندر" تهديدات نووية ضمنية، جنباً إلى جنب مع القدرة التقليدية المحسنة لضرب أهداف حرجة في أوروبا إذا لزم الأمر. 

وأوضح رئيس هيئة الأركان العامة آنذاك يوري بالويفسكي أن العقيدة العسكرية لعام 2000 ركزت على منع الحرب بالوسائل المتاحة للدولة في ذلك الوقت. ولكن يجب أن تأخذ العقيدة الجديدة في الاعتبار الظروف الداخلية والخارجية المتغيرة والقدرات التقليدية لروسيا. وأن روسيا لا تزال تحتفظ بالحق في استخدام الأسلحة النووية رداً على استخدام الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل ضدها أو ضد حلفائها، وأيضاً ضد الهجوم التقليدي على الاتحاد الروسي عندما يكون وجود الدولة ذاته تحت التهديد. (Bruusgaard: 2021, p. 19).

ولكن على الرغم من أن هذه الصيغة للعقيدة النووية الجديدة تنطوي على بعض الغموض، إلا أنها كانت أضيق من صياغة عام 2000 التي فتحت مجال الردود النووية على تهديدات للأمن القومي لا تهدد وجود الدولة ذاته، ودفعت الحكومة الروسية في عام 2009 إلى إقرار تشريع يسمح بنشر قوات عسكرية في الخارج من دون موافقة برلمانية، في حالة انتهاك حقوق المواطنين الروس.

وقد نصت المادة الثانية من القانون على أنه: "لغرض حماية مصالح الاتحاد الروسي ومواطنيه ودعم السلام والأمن الدوليين، يجوز نشر تشكيلات القوات المسلحة للاتحاد الروسي عملياً خارج الحدود الإقليمية للاتحاد الروسي وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي المعترف بها عالمياً والمعاهدات الدولية لروسيا الاتحادية والقانون الاتحادي الحالي، لحماية المواطنين الروس خارج الحدود الإقليمية من الهجمات المسلحة". (Federal Law no. 252-FZ) ، وهو ما تم تطبيقه في دول البلطيق، والذي لا يمكن وصفه بأية حال من الأحوال على أنه تهديد لوجود الدولة الروسية.

وكان هناك خلاف داخل النخبة الروسية بشأن عقيدة عام 2010 النووية، حتى إن سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف قال إنها "ستتضمن أحكاماً للاستباق النووي، لكن النسخة المنشورة لم توضح ذلك". وأثار هذا التصريح تكهنات في الغرب حول وجود نسخة سرية من العقيدة. ولكن وزارة الدفاع الروسية أوضحت أن خيارات الضربات التقليدية من الناحية النظرية يمكن أن تسهم في ردع النزاعات الإقليمية وإدارة التصعيد، لكنها لن تكون كافية. ولذلك استمرت عمليات تحديث القدرات النووية في الوقت الذي نقلت فيه السياسة الإعلانية الروسية طموحاً للتفوق التقليدي. (Bruusgaard: 2021, p. 20).

وبعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2014 بدأ العديد من المحللين الغربيين يجادلون بأن روسيا قد أصبحت قوة ذات أهداف توسعية، وأنه يمكنها التفكير جدياً في استخدام الأسلحة النووية لتعزيز مثل هذه الأهداف. وأدى هذا إلى التفكير فيما يمكن أن تفعله روسيا بترسانة الأسلحة النووية شبه الاستراتيجية التي تمتلكها بالفعل منذ سنوات، ولذلك قررت القيادة الروسية تجديد عقيدتها النووية بمرسوم رسمي صدر بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا آنذاك، لكنه لم يختلف كثيراً عن عقيدة 2010.

وفي مارس 2018، أعلن بوتين أن روسيا تعمل على تطوير أنواع جديدة من الأنظمة النووية. وقد رأى البعض هذا التصريح على أنه محاولة روسية لتحقيق قدر من التفوق على الولايات المتحدة، فيما أشار تقرير للكونغرس الأمريكي إلى أنه يمثل على الأرجح رداً روسيا على المخاوف المتعلقة بقدرات الدفاع الصاروخي الأمريكية. وأن ذلك التطوير الذي أشار إليه الرئيس الروسي يشمل صاروخاً بالستياً ثقيلا ًعابراً للقارات، يملك القدرة على حمل رؤوس حربية متعددة، وتفوق سرعته سرعة الصوت، بالإضافة إلى غواصات نووية، ومركبات انتشار، وصاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية. (Woolf: 2022, p. 10).

مرسوم يونيو 2022

لما زاد الحديث في أروقة السياسة الغربية حول المخاوف من استخدام روسيا للسلاح النووي في أوكرانيا، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2 يونيو 2020 مرسوماً بعنوان "أسس سياسة الاتحاد الروسي في مجال الردع النووي". (يمكن الاطلاع عليه من الرابط التالي باللغة الروسية https://bit.ly/3VqPrqL). وهو يعد وثيقة تفسيرية للعقيدة النووية الروسية، لم تقدم جديداً حول السياسة النووية التي تم توضيحها قبل ذلك، منذ عام 2000، مروراً بوثيقة عام 2010، ثم 2014. لكن موسكو قررت أن توضح بعض النقاط التي ظلت في السابق موضع نقاش أو غامضة، وتفصل عدداً من الأحكام للرد على النقاشات في الغرب.

وقد عرَّف المرسوم "الردع النووي" بوضوح بأنه سياسة دفاعية (الفقرة 5). فيقتصر الاستخدام النووي حصرياً على المواقف التي تتعرض فيها روسيا للهجوم، لكن لم تفرق الوثيقة بين المستويات المختلفة للصراع العسكري كما فعلت المراسيم السابقة. وأقرت بأنه يسمح بالاستجابة النووية ليس فقط لهجوم نووي واسع النطاق، ولكن أيضاً في حالة عدم كفاية القوات التقليدية الروسية لصد الهجمات. كما يسعى المرسوم إلى وضع حد للتخمين حول "الردع الهجومي"، وهي حالة طارئة تحدث عندما تشن روسيا عدواناً وتستخدم تهديد "التحول إلى أسلحة نووية"، كما فعل بوتين مؤخراً قبل هجمات 10 أكتوبر على كييف. والتهديدات تهدف إلى منع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من استخدام كل الوسائل المتاحة لصد أي عدوان روسي. 

وتحدد (الفقرة 9) بوضوح طبيعة سياسة الردع الروسية، وهي تربط الردع بالعقاب. ولا تعد روسيا بأن الخصم لن يتمكن من تحقيق هدفه، لكنها وعدت بإلحاق ضرر بالمعتدي يفوق الفوائد المتوقعة. وينص المرسوم بعبارات لا لبس فيها على أن فاعلية الردع تعتمد على مصداقية قدرة الردع الروسية تماشياً مع العقيدة النووية التي اتضحت في المراسيم السابقة. ويُفرق بين فئتين من الردع: نووي وغير نووي. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الردع غير النووي تم إدخاله في تحديثات العقيدة النووية الروسية عام 2014 في إشارة غير مباشرة إلى حيازة أسلحة تقليدية حديثة (بعيدة المدى وموجهة بدقة). ويعد المرسوم بإلحاق "ضرر غير مقبول" رداً على أي هجوم نووي أو غير نووي (الفقرة 10). وقد تحدثت عقائد عام 2000 و2010 و2014 عن "الضرر غير المقبول للعدو"، والذي يتجاوز الفوائد التي يتوقع المعتدي الحصول عليها نتيجة لاستخدام القوة ضد روسيا.

وهناك عدم يقين رئيس يتعلق بارتفاع العتبة النووية في المرسوم الجديد، الذي يفترض أن الأسلحة النووية ستستخدم رداً على عدوان "يعرض وجود الاتحاد الروسي ذاته للخطر" (الفقرة 17). وهي أقرب إلى اللغة التي وردت في العقيدة النووية لعام 2000، والتي سمحت بالاستخدام النووي "في الحالات الحرجة التي تهدد الأمن القومي للاتحاد الروسي وحلفائه بما يضمن وحدة أراضيه". فهل يمكن تطبيق مبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي الروسية إذا حاولت أوكرانيا إعادة شبه جزيرة القرم إليها حتى لو بهجوم تقليدي.

وفي (الفقرة 13) يوضح المرسوم أن الردع النووي ينطبق على جميع الدول الحائزة على الأسلحة النووية، وكذلك على حلفائها. ومن الواضح أن هذا يعني كل أعضاء الناتو. كما يسرد المرسوم الشروط التي سيتم فيها استخدام الأسلحة النووية بشكل مؤكد (الفقرة 18):

أولها "تحذير موثوق به" بشأن إطلاق صواريخ بالستية على أراضي روسيا أو حلفائها (الفقرة الفرعية "أ"). ولكن لماذا حدد المرسوم الصواريخ البالستية فقط على أنها تهديد يستوجب الردع النووي، لماذا لا يُنظر إلى الإطلاق المكثف لصواريخ كروز على أنه حافز لإطلاق السلاح النووي؟ هل هذا يعني أن إطلاق الصواريخ ذات القدرة المزدوجة سيصنف بشكل لا لبس فيه على أنه ضربة نووية؟ ومن الواضح أن القرار سوف يستند إلى الإشارة الأولى من أنظمة الإنذار المبكر الروسية دون الحصول على فرصة للتحقق، لأن الصواريخ البالستية تفوق سرعتها سرعة الصوت. وثانيها هو توجيه ضربة نووية ضد أراضي روسيا أو حلفائها (الفقرة الفرعية "ب"). وهذا البند واضح ومباشر. والثالث هو الضربة التقليدية على القوات النووية وأنظمة القيادة والتحكم الروسية. وأخيراً، هجوم تقليدي ضد روسيا يهدد وجود الدولة ذاته.

يُعد مرسوم يونيو تطوراً إيجابياً في العقيدة النووية الروسية، لأن الوضوح الأكبر بشأن السياسة النووية الروسية أمر مرحب به دائماً. ومع ذلك، فإنه يتميز أيضاً بأوجه عدم يقين كبيرة، قد يكون بعضها مبرراً لأنه يعزز الردع، لكن البعض الآخر ليس كذلك. بالإضافة إلى تناقضاته الخطرة. وبالرغم من ذلك هو خطوة في الاتجاه الصحيح، طالما أن الحكومة الروسية تواصل تطوير عقيدتها النووية.

خاتمة

كانت العقيدة النووية الروسية موضوع نقاشات محتدمة في السنوات الأخيرة. حيث إن معظم الخبراء يعتقدون أن موسكو تخفي خططاً لإنهاء أية حرب تهدد وجود الدولة من خلال الاستخدام "المبكر" للأسلحة النووية، وهو المقصود بعبارة (التصعيد لخفض التصعيد)، بالرغم من إصرار روسيا على توضيح أن السلاح النووي مجرد "رادع دفاعي" يستخدم في الظروف الملحة. وقد جادل المحللون بأن العتبة النووية المنخفضة لروسيا مجرد خرافة، كإجراء مؤقت ولد من رحم حالة الضعف في التقنيات العسكرية التقليدية التي تعاني منها الدولة. بل يعتقد البعض أن "التصعيد للتهدئة" مصطلح ملتوٍ، لأن العقيدة الحقيقية هي السيطرة على التصعيد. وفي الواقع، تقدم كل وجهة نظر جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تجسد العقيدة النووية الروسية بشكل كامل.

من المؤكد أن أي صراع مع روسيا يهدد وجودها سوف يكون نووياً بطبيعته، وإذا لم تتم إدارته بحكمه من البداية، فإن منطق هذه الحرب هو التصعيد إلى الاستخدام النووي. وبالتالي فإن إدارة التصعيد في مثل تلك الأزمات تحتاج إلى التطوير، سواء من ناحية الولايات المتحدة وحلفائها أو روسيا. وبالنسبة لموسكو التي تعتبر أكبر مالك للأسلحة النووية في العالم، فإنها تنظر إلى السلاح التقليدي على أنه تهديد أمني محتمل يمكن أن يعرض وجودها ذاته للخطر. وبالتالي على الغرب أن يحاول طمأنة موسكو بأن وجودها ليس في خطر كما تعتقد دائماً.

ومن الواضح أن القلق حول تفسير العقيدة النووية الروسية، قد أعاق جهود الإغاثة الغربية لأوكرانيا، خوفاً من تصعيد نووي روسي محتمل، ربما يؤدي إلى تفجير حرب عالمية ثالثة. وكان ذلك وراء سبب منع إدارة بايدن دعم أوكرانيا بالأسلحة الحيوية والمساعدات العلنية التي تساعدها على رد العدوان الروسي، فواشنطن تعتقد أنها تخاطر بالتصعيد إلى الحرب العالمية الثالثة إذا فعلت ذلك. كما تُلزم العقيدة النووية الروسية القادة الغربيين باتخاذ آليات سلمية لإدارة الأزمات التي تكون موسكو أحد أطرافها، والتي يمكن أن تضمن بشكل فعال إنهاء الأزمة قبل التصعيد إلى حرب نووية. فمن غير المرجح أن يتمكن الغرب من هزيمة روسيا عسكرياً وبشكل كامل دون لجوء الأخيرة إلى استخدام الأسلحة النووية، فقد استثمرت روسيا في أكبر ترسانة نووية في العالم لجعل احتمال هزيمتها مستحيلاً.

ودعونا نتفق على أن العقيدة النووية الروسية اليوم هي نفسها من الناحية المفاهيمية الاستراتيجية النووية لحلف الناتو أثناء الحرب الباردة، عندما اعتقد الناتو أنه يتعين عليه الاعتماد على الأسلحة النووية لموازنة التفوق التقليدي السوفيتي المتصور. وأولئك الذين يرون الصبغة الهجومية في العقيدة النووية الروسية اليوم، يجب أن يدينوا استراتيجية الناتو في فترة الحرب الباردة، لأن الاثنان ينطلقان من نفس الفرضية.

وهذا بدوره يقودنا إلى السؤال المركزي حول العقيدة النووية الروسية، هل لدى روسيا استراتيجية لخفض التصعيد؟ ظاهرياً، الإجابة هي "نعم". لكن فعلياً فالهدف الحقيقي من الردع النووي في موسكو كما هو محدد في كافة المراسيم التي حددت عقيدتها هو الاستماتة في منع تصعيد النزاع، وإنهائه بشروط مقبولة لروسيا وحلفائها دون الوصول إلى عتبة الحرب النووية. ولكن إذا واجهت روسيا هزيمة كبيرة، فسوف تلجأ إلى الأسلحة النووية حتى ينهي المهاجم العدوان ويعود إلى الوضع السابق، أو تحقيق وضع قتالي أفضل بالنسبة لروسيا.

مصادر الدراسة

  1. Brugen, Isabel, Putin Ally Says Punishing Russia Could Lead to Nuclear Annihilation, Newsweek, 6 July 2022: https://bit.ly/3TgyqxV
  2. Bruusgaard, Kristin, Myth 9: Russian Nuclear strategy is best described as 'escalate to de-escalate', Chatham House, 23 August 2022: https://bit.ly/3EYtdX4
  3. Bruusgaard, Kristin, Russian Nuclear strategy and conventional inferiority, Journal of Strategic Studies, Volume 44, 2021.
  4. Cole, Brendan, Vladimir Putin has Threatened Nuclear War at Least 35 Times—U.K.'s Johnson, Newsweek, 1 July 2022: https://bit.ly/3s0cM5b
  5. Decree of the President of the Russian Federation of June 2, 2020 No. 355 "On the Fundamentals of the State Policy of the Russian Federation in the Field of Nuclear Deterrence", 2 June 2022: https://bit.ly/3VqPrqL
  6. Federal Law of the Russian Federation no. 252-FZ, Amending the Federal Law on Defense, Strasbourg, 9 November 2009.
  7. Kofman, Michael, Russian A2/AD: It is not overrated, just poorly understood, Stratagem Site, 1 March 2020: https://bit.ly/3CEURFT
  8. Kofman, Michael; Anya Loukianova, "Escalation Management and Nuclear Employment in Russian Military Strategy", War on the Rocks, 2 Oct. 2022: https://bit.ly/3Ty86Pp
  9. Larson, Deborah Welch, "Words and Deeds: The Role of Declarations in US–Soviet Relations", In Report: Declaratory Diplomacy: Rhetorical Initiatives and Confidence Building, Washington, the Henry L. Stimson Center, April 1999.
  10. Lavrov said that the doctrines of the Russian Federation, including nuclear, will be extended to possible new territories, Interfax, 24 September 2022: https://bit.ly/3CKHMuK
  11. McDermott, Roger, Russian Conventional Military Weakness and Sub Strategic Nuclear Policy, US. Army Foreign Military Studies Office Report, Foreign Military Studies Office, 2011.
  12. McDermott, Roger; Tor Bukkvoll, Tools of Future Wars – Russia is Entering the Precision-Strike Regime, The Journal of Slavic Military Studies, Volume 31, Issue 2, 2018.
  13. Shoumikhin, Andrei, "Change and Continuity in Russian Arms Control", Comparative Strategy, Vol. 28, Issue 2, 2009.
  14. Shoumikhin, Andrei, "Nuclear Weapons in Russian Strategy and Doctrine", in Book: Russian Nuclear Weapons: Past, Present, and future, Strategic Studies Institute, US Army War College, 2011.
  15. Sokov, Nikolai, "Russia’s 2000 Military Doctrine", Washington, Nuclear Threat Initiative, 30 Sep. 1999: https://bit.ly/3g9OJOh
  16. Weapons of Mass Destruction, 9K720 Iskander-M "SS-26 Stone" Program, Global security, 17 March 2019: https://bit.ly/3VEhfb2
  17. Woolf, Amy, Russia’s Nuclear Weapons: Doctrine, Forces, and Modernization, Congressional Research Service, 21 April 2022.
twitter icon threads icon 961