دراسات سياسية
بعد تغيير الدستور .. تساؤلات حول مستقبل الإخوان في تونس
26-Sep-2022
في ظل التراجع المستمر لشعبية الحركة دخلت تونس في مشهد سياسي فسيفسائي، سمته البارز الانقسام والتنافر، لا توجد فيه قوة حزبية تمتلك أغلبية واضحة المعالم تضمن لها تشكيل حكومة، وتوفير حزام سياسي مناسب لتمرير برنامجها الانتخابي وتطبيقه على أرض الواقع. كما لم تتمكن الحركة من عقد تحالفات منسجمة ومستقرة مع أطراف من خارج فلك تيارات الإسلام السياسي، خاصة في الفترة التي سبقت تحرك الرئيس، حيث اتهمت بمحاولة الاستفراد بصنع القرار، وعدم تقديم تنازلات كافية لجذب شركاء سياسيين. نتيجة لهذه الحالة أصبح تعطيل عمل الحكومة ظاهرة عادية في تونس تتكرر باستمرار، الأمر الذي فاقم معاناة السكان خاصة بالتزامن مع تفشي وباء كورونا على نطاق واسع عام 2021، وفي ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد منذ انتفاضة 2011، فكانت الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، والتي أظهرت الأمور على نحو مختلف تماما. اتضح من الأحداث التي رافقت إجراءات قيس سعيد أن مصدر قوة حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة ليس الدعم الشعبي لها، ولا جاذبية طرحها السياسي والفكري، بل النفوذ الذي خلقته من خلال التغلغل في مفاصل الدولة، وما إن تم تحييد ذلك النفوذ - ولو جزئيا - حتى ظهرت النهضة في موقف ضعيف حد العجز، كما سنرى.
ثانيا، بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد بشكل متتالٍ بداية من يوليو 2021، ظهر أن حركة النهضة لم تعد قادرة على صناعة الفعل السياسي، بعد أن انفضت جماهير كثيرة من حولها، وبعد أن فقدت مراكز نفوذها في مختلف السلطات، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وفي الجهاز البيروقراطي للدولة بشكل عام، وظهر التذبذب والارتباك في موقفها بشكل جلي. في البداية لوح رئيس الحركة ورئيس البرلمان حينها، راشد الغنوشي، باللجوء إلى الشارع لإفشال إجراءات قيس سعيد الاستثنائية، التي وصفتها حركة النهضة بـ "الانقلاب"، لكن حصيلة تحركاته كانت دون رهانات المناصرين، بل ودون توقعات الخصوم، فكان أن عدل من خطابه وبدأ يعترف في بعض الخرجات الإعلامية بأن تياره يتحمل جزء من المسؤولية عن الحالة التي آلت إليها الأوضاع في البلاد، ويطالب بحوار سياسي جامع، دون أن يضع شروطا مسبقة من قبيل عودة البرلمان أو التراجع من طرف الرئيس عن الإجراءات التي تم اتخاذها.
في هذا السياق أشار الغنوشي في مقال له بعنوان "كيف نُقوّم حدث 25 يوليو، وكيف نتعامل معه؟"، نشرته صحيفة "الرأي العام" التونسية، المقربة من النهضة، في الثامن عشر من نوفمبر 2021، إلى أن حركته وحلفاءها فشلوا في إدارة الفرصة التي أعطيت لهم، فالتقطها قيس سعيد، وقال حرفيا: "كل شيء كان يدعو إلى التغيير، والخروج من الوضع الذي تردّت فيه البلاد، ونحن الشركاء، لم نملك الجرأة على اتخاذ قرار المغادرة، ولو من طريق سحب الثقة من تلك الحكومة الميّتة أصلًا، بعد أن فرض عليها سعيد الشلل (..) قرارات الرئيس الاستثنائية جرعة أكسيجين في أجواء مختنقة بالكوفيد". هذا التغير في تكتيكات النهضة لم يغير من مجريات تشكل النظام الجديد، في ظل استطلاعات الرأي التي كانت حينها تظهر تراجع شعبية الحركة على نحو غير مسبوق، مقابل التأييد واسع النطاق للرئيس سعيد وإجراءاته. ومع إقرار الدستور، في الخامس والعشرين من يوليو 2022، بدا أن خيوط المشهد أفلتت من يد الحركة فأصبحت مجبرة على التعامل مع الواقع الجديد، والعمل وفق القواعد الدستورية الجديدة، التي لم تكن شريكة في وضعها، ولا راضية عنها، وسط تقديرات بأن القانون الانتخابي الذي يتوقع أن يصدر قريبا سيكبل عمل النهضة في المستقبل، إن لم يمنعه من الأساس.
لا يستبعد بعض المحللين عودة تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم في تونس مجددا، ويبني ذلك على أساس افتراض أن النظام الحالي قد لا يتمكن من تقديم البدائل الاقتصادية التي تتطلع إليها الجماهير، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وشح الدعم الخارجي، والشروط التي تضعها المؤسسات الدولية المانحة، خاصة صندوق النقد الدولي، والتي قد تتسبب في إشعال موجة احتجاجات ذات طابع اجتماعي بفعل أنها تمس كتلة الأجور، والدعم الحكومي للمواد الأساسية. وكذلك الشروط التي يضعها شركاء تونس الغربيون، والتي تتعلق في جانب أساسي منها بالعودة إلى المسار الديمقراطي، ما يضمن إشراك كافة الطبقة السياسية بما فيها حركة النهضة في المشاورات المتعلقة بشكل النظام السياسي الجديد. وبالتالي قد تفقد التوجهات الجديدة الزخم الكبير الذي رافقها منذ الخامس والعشرين من يوليو 2021، في ظل غياب الشروط الاقتصادية التي تؤمن مرحلة التحول السياسي. أصحاب هذا الطرح يجادلون أيضا بأن نتائج الاستفتاء الأخير على الدستور مؤشر على أن الأمور تسير في الاتجاه الذي يذهبون إليه، إذ كانت نسبة المشاركة في حدود 27,54 في المئة، ما يعني أن الغالبية العظمى من التونسيين لم تستجب لنداء الرئيس بضرورة المشاركة في المسار السياسي، الذي يستهدف القطيعة مع النخبة التقليدية.
بعيدا عن سيناريو الاندثار واحتمالات العودة إلى تصدر المشهد السياسي، يذهب البعض إلى تقدير أن حالة التراجع في زخم تيارات الإسلام السياسي بتونس ستستمر على المدى المنظور، وفي حالة نجاح نظام الرئيس قيس سعيد في تأكيد شرعية، بشكل لا يقبل الطعن، من خلال تحقيق مستوى من التنمية الاقتصادية، يستجيب لتطلعات الجماهير، حينها ستتعزز عزلة تلك التيارات، وقد تشهد مراجعات وربما تفرخ أجساما سياسية ودينية جديدة.