الأمن في منطقة الساحل وانتهاء عملية برخان

تقديرات

الأمن في منطقة الساحل وانتهاء عملية برخان

20-Sep-2022

يأخذ الصراع المسلح والمستمر منذ عقد في منطقة الساحل، مساراً حاسماً في مشهد يشير إلى تحولات جيوسياسية وأمنية من خلال انسحاب فرنسا من مالي وإعادة تحديد استراتيجيتها في المنطقة مع ازدياد العنف وانعدام الأمن، وعودة الأنظمة الاستبدادية العسكرية، ومحاولات روسيا لأداء دور أكثر أهمية في الأمن الإقليمي.

في أوائل عام 2022، بدأت فرنسا في سحب قواتها من مالي وإعادة تشكيل عملية برخان، التي بدأتها في عام 2014. وغادرت آخر وحدة عسكرية فرنسية مالي في 15 أغسطس، وقال تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية البريطاني نشره في 5 سبتمبر 2022، إن  الجنود المتبقين في منطقة الساحل، لن يؤدوا دوراً قتالياً مباشراً في النزاعات المسلحة الإقليمية، وسيقتصر دورهم على دعم القوات المحلية وتدريبها، ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه روسيا طرفاً أمنياً جديداً في المنطقة.

وتعد هذه التحولات الجيوسياسية الأكثر أهمية في منطقة الساحل منذ عام 2012 عندما كادت انتفاضة انفصالية قام بها الطوارق والجماعات الإسلامية المسلحة غير الحكومية في شمال مالي أن تطيح بالحكومة، وامتدت إلى بوركينا فاسو وغرب النيجر. 

وربط التقرير بين فشل فرنسا في مالي، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عقدين تقريباً في أفغانستان، ففي الحالتين تدخلت قوة غربية في نزاع مسلح في الخارج، وأثبتت أنها غير قادرة على تحقيق أهدافها فيما يتعلق بالاستقرار والأمن.

وبدأت فرنسا الانسحاب من مالي بعد أن عزز المجلس العسكري في مالي سيطرته على الحكومة في مايو 2021، وجاء ذلك نتيجة فشلها في تحديد أهداف قابلة للتحقيق لـعملية برخان إلى جانب شن ضربات ضد قادة الجهاديين وتزويد القوات المالية بالدعم العام لمكافحة الإرهاب وبناء القدرات، وكان من الممكن أن تستمر المهمة بلا هدف معلن وواضح. لكن قادة المجلس العسكري في مالي، لم يكونوا راضين عن المهمة الفرنسية، ويرون أنها لم تقدم الدعم الكافي للقوات المسلحة المالية، التي كانت تتكبد معظم الخسائر في القتال ضد الجماعات السلفية المتطرفة. 

الخلاف بين باريس وباماكو جاء بعد فترة من تولي المجلس العسكري السلطة وإقامة علاقات أمنية مع روسيا، ونشر مجموعة فاغنر قوات في البلاد في أواخر عام 2021. وقد دفع هذا التطور العديد من دول الاتحاد الأوروبي إلى الانسحاب من فرقة العمل التي تقودها فرنسا.

تدهور الأوضاع الأمنية في بلدان الساحل، جاء نتيجة لضعف قدراتها، في مواجهة الجماعات المسلحة، مما أدى إلى تراجع في الديمقراطية، وبدأت  انقلابات عسكرية منذ عام 2020، في بوركينا فاسو ومالي، وحكمت حكومات عسكرية تشاد وغينيا، وتعرضت غينيا بيساو والنيجر لمحاولات انقلابية. 

وحول فشل المحاولات الغربية لصنع واقع طموح قال التقرير إنه منذ عام 2010، أنفقت الدول الغربية مليارات الدولارات الأمريكية على مساعدة قوات الأمن في المنطقة، لكنها غالباً ما كانت غير فعالة أو تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان بسبب المساعدات غير المنسقة والأهداف غير الواقعية. وقد أدى الافتقار إلى القدرة العسكرية المحلية، وميل المساعدة إلى أن يستهلكها الفساد وسوء الإدارة إلى تفاقم هذا الوضع.

أما الآن فإن  فرنسا في وضع حرج والساحل عند مفترق طرق، وقد حدث التدخل الروسي في أوكرانيا في فبراير 2022 في الوقت الذي بدأت فيه موسكو في أداء دور أكثر نشاطاً في منطقة الساحل من خلال إرسال المرتزقة للقتال في مالي. وقد سبق لها أن فعلت ذلك في جمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، وأماكن أخرى سعياً وراء النفوذ الدبلوماسي والفرص الاقتصادية، بما في ذلك الامتيازات في قطاع المعادن. 

كما جاء خفض فرنسا لطموحاتها في المنطقة وقطع العلاقات مع مالي أثناء مشاركتها في الجهود الغربية لاحتواء التدخل الروسي عبر العقوبات، وتوريد  الأسلحة إلى أوكرانيا،  لذلك في حال زادت روسيا من مشاركتها في مالي ودول الساحل الأخرى، فقد تجبر باريس حينئذ على إعادة تحديد أهدافها السياسية والأمنية في المنطقة، كما أن دول الساحل التي لديها قدرة ضئيلة على إرساء الأمن داخل حدودها، لن تتلقى الدعم الخارجي الكافي، نظراً للعلاقة المتضاربة بين فرنسا والاتحاد الأوروبي من جهة وروسيا من جهة أخرى، لذلك فإن هدف تحقيق  القدر الكافي من السلام والأمن في بلدان الساحل يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت.

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 10