مقالات تحليلية

قانون العملاء الأجانب يضع جورجيا في قلب الصراع الغربي الروسي

17-Mar-2023

أظهر مشروع قانون "العملاء الأجانب"، الذي طرحته الحكومة الجورجية مؤخراً، مؤشراً بالغَ الخطورة على حجم وعمق الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، والتي تتصاعد بين تيارين سياسيين يعكسان الاصطفافات بين موسكو والغرب. يقود التيارُ الأول الحكومةَ الجورجية التي لا ترغب باستثارة غضب موسكو في إطار صراعها مع الغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية، بينما يتزعم التيارُ الثاني المعارضةَ الجورجية المحسوبة على الغرب، أدى طرح القانون الجديد إلى إبراز حجم الانقسام السياسي في جورجيا، وقابلية توظيفه في إطار الصراع الغربي الروسي. فهل تصبح جورجيا المحطة التالية بعد أوكرانيا في هذا الصراع؟

الارتدادات المدوية لقانون العملاء الأجانب

أثار قانون "العملاء الأجانب" جدلاً سياسياً واسعاً في جورجيا، وأدى إلى موجة غليان في الشارع الجورجي، واندلاع تظاهرات واحتجاجات واسعة ومستمرة منذ يوم السادس من مارس في العاصمة تبليسي وعدد من المدن الأخرى. صاحبت الاحتجاجاتِ أعمالُ شغب وتخريب، استهدف بعضُها مبنى البرلمان بإلقاء زجاجات مولوتوف وعيارات نارية. المحتجون اعتبروا أن مشروع القانون الجديد الذي طرحته الحكومة، وأيده نوابُ برلمانيون، يستهدف الحريات العامة، ويعكس تحولاً نحو الاستبداد ومصادرة الحقوق، (يورونيوز، 9 مارس، 2023).

تقود المعارضةُ الجورجية حركةَ الاحتجاجات، وتعتبر أن مشروع القانون، الذي يُسمي المنظماتِ غيرَ الحكومية ووسائلَ الإعلام التي تتلقى أكثر من 20% من تمويلها من الخارج "عملاءَ أجانبَ"، يعكس توجه الحكومة نحو ممارسة المزيد من الضغوط السياسية، (دويتشه فيلا، 9 مارس، 2023). اتهامات المعارضة للحكومة الجورجية أكدت أن هذا القانون يستهدفها بشكل واضح، ويهدف إلى ملاحقتها، وممارسة الضغوط عليها في حال إقراره، وسيسمح للحكومة بملاحقة معارضين وصحافيين ونشطاء في مجال حقوق الإنسان (يورونيوز، 9 مارس، 2023). كذلك، شبهت المعارضة القانون الجديد بأنه يشبه قانوناً تستخدمه موسكو لإجبار معارضيها على الصمت وإغلاق أبوابهم، (فرانس 24، 8 مارس، 2023). انطلاقاً من الاتهامات السابقة، اعتبرت المعارضة الجورجية أن مشروع القانون هو أداة ترهيب، وتعهدت "بمواصلة الاحتجاجات يومياً" بحسب نيكا ميليا أحد قادة "الحركة الوطنية المتحدة المعارضة" في تصريح لفرانس 24، (فرانس 24، 8 مارس، 2023).

الانتقادات التي وُجهت إلى هذا القانون لم تبق عند تفسير تداعياته على الداخل الجورجي، بل ذهبت إلى تأكيد الشُّبَه السياسية فيه من حيث أنه يُشكِّلُ إشارةً إلى تزايد النفوذ الروسي في جورجيا، ما يقلل من فرص انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل، (TRTعربي، 9 مارس، 2023). ظهر هذا الأمر بشكل واضح خلال الاحتجاجات، حيث رفع المتظاهرون شعارات " لا للقانون الروسي"، وإلى جانب العلم الجورجي، رفعوا علم الاتحاد الأوروبي الذي تقدمت جورجيا للانضمام إليه، وكذلك العلم الأمريكي والأوكراني، (وكالة الأناضول، 9 مارس، 2023).

القانون الجديد أظهر بشكل واضح وجود نزاع سياسي حاد بين الحكومة التي يمثلها حزب "الحلم الجورجي" الحاكم في البلاد، وصاحب الأغلبية في البرلمان، وبين المعارضة التي تلقى دعماً من الغرب. من جهة، اعتبر رئيس الحكومة إيراكلي غاريباشفيلي أن مشروع القانون يهدف إلى تعزيز انفتاح أكبر بشأن التمويل الأجنبي، نافياً أن يكون مستوحىً من قانون روسي، بل أكد أنه صيغ على غرار قانون أمريكي يعود تاريخه إلى عام 1938، بحسب ما نقلته صحيفة الغارديان البريطانية، (الغارديان، 9 مارس، 2023). أما رئيسة البلاد سالومي زورابيشفيلي فأعلنت في المقابل رفضها للقانون الذي اعتبرته جهداً روسياً لدق إسفين بين جورجيا وأوروبا، (TRTعربي، 9 مارس، 2023)، وتعهدت برفض التشريع وممارسة حق النقض ضده. كذلك أكدت دعمها للمتظاهرين الذين اعتبرت أنهم "يمثلون اليوم جورجيا الحرة التي ترى مستقبلها في أوروبا، ولن تسمح لأحد بسرقة هذا المستقبل"، (فرانس 24، 8 مارس، 2023).

الجدل الذي أثاره القانون لم يقتصر على جورجيا فحسب، بل امتد تأثيره إلى أبعد من حدودها باتجاه القوى الكبرى المنخرطة في الصراع الغربي الروسي. واشنطن اعتبرت في بيان صدر عن سفارتها في تبليسي أن التشريع "مستلهمٌ من الكرملين، وهو يتناقض مع رغبة جورجيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي". البيان الأمريكي اعتبر أن مشروع القانون الجديد "يثير تساؤلات بشأن التزام الحزب الحاكم بالتكامل الأوروبي-الأطلسي"، (فرانس 24، 8 مارس، 2023). الموقف الأمريكي أيده بشكل مباشر الاتحاد الأوروبي الذي أصدر بياناً اعتبر فيه أن مشروع القانون الجديد "غير متوافق مع قيم ومعايير الاتحاد الأوروبي، ويمكن أن تكون له تداعياتٌ خطرة على علاقات جورجيا بالاتحاد"، (TRTعربي، 9 مارس، 2023). المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR، اعتبر في تقرير نشره عام 2022 أن "حزب الحلم الحاكم يقود جورجيا نحو مجال نفوذ روسيا"، (ECFR, 21 December, 2022).

موسكو أعربت عن قلقها حيال ما يجري في جورجيا، وأعلنت أنه لا علاقة لها بالاضطرابات التي تحدث بسبب القانون الجديد، مؤكدةً على لسان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أنها حريصة على أن يخيم الهدوء على طول محيط حدودها، (روسيا اليوم، 9 مارس، 2023). بدوره، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أطراف النزاع في جورجيا إلى تجنب الخطوات التي تؤدي إلى التصعيد، (وكالة نوفستي الروسية، 9 مارس، 2023). 

جورجيا في ظل الصراع الغربي-الروسي

منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، سعت جورجيا إلى إجراء عملية توازن بين مشاعر مواطنيها المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبين الأهداف الجيوسياسية لجارتها القوية روسيا، (CNN, 9 March, 2023). الهدف الأساسي لجورجيا التركز على الانضمام رسمياً إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لاسيما بعد عام 2003 الذي شهد "ثورة الورود"، والتي أدت إلى وصول ميخائيل ساكاشفيلي الموالي للغرب إلى رئاسة البلاد، والذي رغم وضعه في السجن لاحقاً، إلا أنه ما يزال يقود المعارضة في البلاد، و"يهدد بانتقام سياسي"، (يورونيوز، 9 مارس، 2023)

منذ وصول حكومة إيراكلي غاريباشفيلي إلى السلطة، أعلنت أن سياستها "المتوازنة" المتعلقة بروسيا تهدف إلى ضمان "السلام والاستقرار"، (رويترز، 8 مارس، 2023). هذا الأمر انعكس في نأي جورجيا نفسها عن الاشتراك في تحالفات حرب أوكرانيا والعقوبات ضد روسيا. موقف الحكومة الجورجية قابله الغرب بمزيد من القلق خشية تقارب محتمل مع روسيا، الأمر الذي يُفسر الدعم الغربي للمعارضة الجورجية لزيادة وتصعيد التوتر مع الحكومة بهدف التخلص منها واستبدالها بأخرى تهدد مصالح روسيا في منطقة القوقاز. 

رغم إعلان الحكومة الحالية سحب مشروع القانون الجديد، وفتح باب الحوار، ومسارعة الاتحاد الأوروبي إلى "الترحيب بذلك وتشجيع جميع القادة السياسيين في جورجيا على استئناف الإصلاحات المؤيّدة لأوروبا"، (يورو نيوز، 9 مارس، 2023)، إلا أن قيادة المعارضة للاحتجاجات لم تتوقف بعد تحقيقها هدفها المعلن، ما يثير مخاوف كبيرة من تحول جورجيا إلى ساحة صراع جديدة بين روسيا والغرب، ستتولى فيها المعارضة المدعومة غربياً دوراً كبيراً. إن أبرز المؤشرات على ذلك، قيام المعارضة الجورجية بإعلان دعمها بشكل علني لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، الأمر الذي قد يشير إلى سيناريو شبيه بذلك الذي جرى في أوكرانيا عام 2014، حيث اندلعت الاحتجاجات الأوكرانية وأدت في النهاية إلى أزمة كبيرة انتهت بغزو عسكري روسي للبلاد في 2022. يبدو أن التوقعات بأن تصبح جورجيا أمام سيناريو شبيه بكييف باتت مرتفعة جداً، وسط توقعات بتحولها إلى "أوكرانيا جديدة" في الصراع بين روسيا والغرب.

اضطرابات جورجيا ضمن معادلة الحرب في أوكرانيا

منذ بدء اندلاع الصراع الروسي الغربي في أوكرانيا، تجنبت حكومة جورجيا الانحياز إلى أي طرف، وفضلت البقاء على الحياد، انطلاقاً من سياستها التي تسعى إلى التوازن بين التوجه نحو الاتحاد الأوروبي وقيمه من جهة، وبين الحفاظ على علاقة طيبة مع روسيا. يبدو أن حياد الحكومة الجورجية هذا بات مهدداً وسط بروز العديد من المؤشرات التي لا تذهب فقط باتجاه زج البلاد في خضم هذا الصراع، بل وتدفع جورجيا لتكون الساحة التالية للصراع بعد أوكرانيا. أبرز هذه المؤشرات: 

- عدم انضمام حكومة حزب "حلم جورجيا" إلى العقوبات الغربية ضد موسكو، والسماح باستخدام البلاد طريقاً مهمّاً لعبور البضائع إلى روسيا. لقد اعتبرت واشنطن والغرب هذا الموقفَ تَحدِّياً واضحاً للعقوبات التي فرضتها على موسكو.

- شكَّل خطاب الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، الذي توجه به بشكل مباشر إلى المحتجين في المظاهرات الصاخبة في شوارع العاصمة تبليسي، في اليوم الثاني للاحتجاجات 8 مارس، مؤشراً بالغ الخطورة. فزيلينسكي الذي شكر المتظاهرين على رفع علم بلاده خلال ما سماه "النجاح الديمقراطي"، قال "نريد أن نكون في الاتحاد الأوروبي، نريد أن تكون جورجيا في الاتحاد الأوروبي وأنا متأكد من أنها ستكون كذلك". كما دعا دولاً أخرى مثل مولدوفا للانضمام إلى هذا المسير، في مدلولات تشير إلى تأزيم متوقع على المدى القريب، (TRT عربي، 9 مارس، 2023).   

- تنامي تيار شعبي في جورجيا مؤيد ومتعاطف مع أوكرانيا في حربها ضد روسيا إلى الحد الذي دفع عدداً من الجورجيين، ومتطوعين من الفيلق الجورجي للسفر إلى أوكرانيا والقتال ضد الجيش الروسي، (فرانس 24، 8 مارس، 2023).

- تلويح الاتحاد الأوروبي برفض الطلب الذي تقدمت به جورجيا للانضمام إليه في حال إقرار مشروع القانون الجديد. بحسب عضوي البرلمان الأوروبي، ماريا كاليوراند وسفين ميكسر، وهما من الشخصيات البارزة في العلاقات مع جورجيا، إن القانون المقترح "يتعارض بشكل مباشر مع طموح السلطات الجورجية المعلن للحصول على وضع مرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي"، (الحرة، 9 مارس، 2023).

كل ما سبق، يرفع سقف التوقعات بأن جورجيا (الجارة الجنوبية لموسكو)، باتت تُحضر لصنع بؤرة ساخنة جديدة على حدود روسيا لإرباكها في حربها ضد أوكرانيا. هذه المخاوف لم تخفها موسكو التي حذرت من "أن تنامي المشاعر السلبية ضد كل ما هو روسي قد يؤدي إلى اشتعال بؤرة صراع مجمدة منذ سنوات". الكرملين عبّر عن قلقه خاصةً بعد صدور اتهامات من معارضين جورجيين بشأن مسؤولية موسكو في طرح مشروع القانون الجديد. المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قال بأن القلق الروسي يرتبط بالخوف من تكرار "السيناريو الأوكراني في جورجيا"، (ريا نوفستي، 9 مارس، 2023). في إشارة إلى محاولة الغرب خلق نقطة ساخنة جديدة على الحدود الروسية، ما يزيد من قلق موسكو بشأن الأوضاع في جورجيا، وأن ما يحدث فيها موجه في الأساس لروسيا، وليس مجرد غضب شعبي على القانون الجديد.

في الخلاصة:

مع توجيه المعارضة الجورجية اتهامات مباشرة للحكومة بأن شبح روسيا يخيم على توجهاتها وسلوكياتها، يبدو أن الأزمة السياسية في البلاد لن تتوقف عند حدود مشروع القانون الجديد، رغم سحبه من قبل الحكومة. المعارضة الجورجية تُظهر مؤشرات على استمرارها بقيادة الاحتجاجات، ما يعكس بشكل واضح وجود دوافع لاستمرار الاضطرابات في البلاد، والتي يعتقد البعض أنها مدفوعة من الغرب. 

إن طبيعة نشاط المعارضة الجورجية يدلل على أنها تجاوزت مسألة الاعتراض على القانون الجديد، وباتت تركز الآن على الإطاحة بالحكومة الحالية من خلال اتهامها بالتبعية لموسكو وبأنها تتسبب التأخير في انضمام البلاد للاتحاد الأوروبي. هذا الأمر قد يؤدي إلى تصعيد مستمر بهدف الإطاحة بالحكومة الحالية واستبدالها بأخرى تُسرع من الانضمام إلى الإطار الأوروبي وحلف الأطلس، وهو أمر سيلقى بلا شك دعماً غربياً من أجل الضغط على موسكو وتأجيج الصراع معها في حدودها الجنوبية بالشكل الذي يضعفها في حربها ضد أوكرانيا. أي وضع موسكو أمام جبهتين متأزمتين على حدودها. إذا حدث هذا الأمر، فإن جورجيا ستكون أمام مرحلة جديدة من الصراع قد تتحول في ظل دعم الغرب للمعارضة إلى الساحة الجديدة للصراع الغربي الروسي. أما في حال بقاء الحكومة الحالية وقدرتها على امتصاص الاحتجاجات، فإن ذلك سيعني المزيد من التأزم في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي عدم الاستجابة لطلبها بالانضمام إليه خاصةً مع تصاعد الاتهامات الأوروبية بتراجع الديمقراطية في البلاد. في كلا الحالتين، يبدو أن جورجيا أمام مخاض سياسي صعب ينذر بتصاعد الأزمة السياسية فيها، في ظل حرص أطراف النزاع الروسي الغربي على استقطاب أطرافها السياسية المتصارعة بما يتفق وسياسة وأهداف كل منهم.


twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 21