مقالات تحليلية

قراءة في الجولة الأولى للانتخابات التركية وآفاق الجولة الثانية

22-May-2023

للمرة الأولى في تاريخها، تستعد تركيا لخوض جولة انتخابية ثانية، بعد أن تقدم الرئيس "رجب طيب أردوغان" على منافسه المعارض "كمال كليجدار أوغلو" في الانتخابات التي أجريت في 14 مايو الجاري، وحقق 49.50% في مقابل 44.89% لمنافسه الرئيسي، فأخفق بذلك في تحقيق الأغلبية اللازمة لإعلان فوزه رئيساً، على الرغم من فوز تحالف "الجمهور" الذي يتزعمه بأغلبية في "مجلس الأمة التركي الكبير" (البرلمان) بعد حصوله على 321 مقعداً، بينها 266 مقعداً لحزب العدالة والتنمية وحده. وبحسب البيانات، حصل تحالف "الشعب" المعارض على 213 مقعداً، وذلك بعد فرز 100% من الأصوات. (الإحصاء الرسمي الذي نشرته شبكة ANews التركية: آخر تحديث 16 مايو 2023).

حسم البرلمان ورئاسة لم تحسم بعد

على الرغم من خيبة أمل "كليجدار" من النتائج بعد تصدره نتائج استطلاعات الرأي قبل الانتخابات، فإنه تعهد بالفوز على "أردوغان" في الجولة الثانية. قال رئيس حزب الشعب الجمهوري للصحافيين إن "إرادة التغيير في المجتمع أعلى من 50%". ويتوقع أن تصل نسبة المشاركة إلى 90% في الجولة الثانية المنتظرة في 28 مايو الجاري، التي يُنظر إليها على أنها استفتاء على الزعيم الأطول حكماً لتركيا وحزبه ذي الجذور الإسلامية. (DW: 15 May 2023).

وقد توجه عشرات الملايين من الناخبين الأتراك إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد 14 مايو للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وبعد فرز الأصوات وتصدر أردوغان وكليجدار المشهد، احتفظ حزب الرئيس اليميني بالسيطرة على البرلمان من خلال تحالفه مع القوميين المتطرفين. وبإعلان النتائج كان هناك رد فعل سلبي غير مسبوق في السوق، فبالرغم من الرقابة المشددة على أسواق الصرف الأجنبي، فإن الليرة لمست مستويات منخفضة مقابل الدولار، كذلك تراجعت الأسهم في البورصة التركية بعد حدوث قفزة كبيرة خلال الأيام التي سبقت الانتخابات، (The Guardian: 15 May 2023). ويمكننا تفسير ذلك بأن رجال الاقتصاد الأتراك كانوا يتوقعون فوز المعارضة التي وعدتهم بتقديم سياسات اقتصادية مدعومة بإصلاحات هيكلية كبيرة، لكنهم أدركوا بعد إعلان النتيجة أن عصر الاقتصاد غير التقليدي لأردوغان قد لا ينتهي. 

واتسمت الجولة الأولى بهيمنة واضحة للحكومة على الإعلام التركي، فبالإضافة إلى تعبئة وسائل الإعلام للترويج للرئيس أردوغان وحزبه، طالب المسؤولون الأتراك قبل يوم واحد من التوجه إلى صناديق الاقتراع بحظر التغريد من حسابات معينة في تركيا أو حظر خدمة تويتر في البلاد، ومن المفترض أن الحسابات المخالفة كانت من المعارضين للرئيس والحزب الحاكم الذين لهم أتباع مهمون، مما أعطى انطباعاً بأن الحكومة تحاول السيطرة على الأصوات وتوجيهها. وخلال التصويت، طعن مسؤولو حزب العدالة والتنمية في عدد كبير من بطاقات الاقتراع في المناطق التي يُعتقد أن المعارضة تتمتع فيها بدعم كبير. (CFR, 16 May 2023).

وتنوعت ردود فعل المحللين السياسيين في تركيا حول النتائج، فالباحث "ريتش أوزن" في المجلس الأطلسي في تركيا، يرى أن النتيجة كانت خياراً للعديد من الأتراك ما بين التسامح أو المعاناة، فكان عليهم الاختيار بين الأداء الاقتصادي الضعيف لأردوغان والنفوذ الثقيل محلياً، والتسامح مع الأخطار التي تتمثل في اختيار تحالفات متنوعة أيديولوجياً بين شخصيات غير مختبرة، ومبادئ موحدة ضئيلة، والكثير من السياسة المجهولة. 

وعن البرلمان الجديد وتأثيره على الفائز النهائي في السباق الرئاسي، ترى مديرة برنامج المجلس الأطلسي "دافني أرسلان" أنه بإضافة إلى الأرقام الحالية التي تم إعلانها والتي أكدت أغلبية حزب العدالة والتنمية في البرلمان، فقد أصبحت تركيا بين احتمالين، الأول: تماسك الناخبين الأتراك حول الأصوات القومية في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة، وقد يفضلون استمرار الوضع الراهن (رئيس تدعمه أغلبية في البرلمان). والثاني: أن يقرروا أنه من الخطورة توطيد الكثير من السلطة حول حزب العدالة والتنمية، واختيار "كيليجدار أوغلو" رئيساً. (Atlantic Council: 15 May 2023).

على أية حال، نلاحظ أن هناك عدداً قليلاً من النقاط الرئيسية التي يمكن أن تعطينا انطباعاً واضحاً عن الجولة الأولى من الانتخابات. أولاً، من الواضح أن "أردوغان" لا يزال يتمتع بقاعدة دعم قوية في تركيا على الرغم من إخفاقه. لقد كان في السلطة منذ 19 عاماً، ولا يزال العديد من الأتراك يرونه قائداً قوياً يستحق فرصة جديدة. ثانياً، تمكن "كيليجدار أوغلو" من تحقيق مكاسب كبيرة في الجولة الأولى بما يعني أن شريحة كبيرة من الأتراك ترفض منطق الحكم الأبوي، وتريد العودة إلى الحكم البرلماني. ثالثاً، كانت نسبة المشاركة في الانتخابات عالية بالمقارنة بالتوقعات كافة، مما يشير إلى انخراط الأتراك في العملية السياسية ورغبتهم في أن تكون المرحلة المقبلة هي نتاج لتصويتهم.

آفاق الجولة الثانية

هناك العديد من العوامل التي من الممكن أن تؤثر على فوز "أردوغان" في الجولة الثانية، وأهمها معاناة الاقتصاد التركي في السنوات الأخيرة، وقد يضر هذا بفرصه في الفوز، حيث فقدت الليرة نحو نصف قيمتها في العام الماضي، ووصل التضخم عند أعلى مستوى في 20 عاماً، وأدى ذلك إلى انخفاض مستويات المعيشة للعديد من الأتراك. 

وعلى الرغم من توقع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بأن تسجل تركيا نمواً بنسبة 2,5% خلال عام 2023، فإن هذه النسبة انخفضت بنصف نقطة مئوية مقارنة بالتوقع السابق في فبراير الماضي بسبب تأثير الزلزال المدمر، الذي تجاوزت تكلفة أضراره 100 مليار دولار، وفق تقدير البنك الذي يرى أن جهود إعادة الإعمار ستدفع النمو عام 2024 ليبلغ 3% على الأكثر. (Euro News: 16 May 2023).

ومن وجهة نظرنا، قد تقلل الحرب الأوكرانية أيضاً فرص "أردوغان"، فتأثيرها كبير على تركيا التي تعد مورداً رئيسياً للغذاء والطاقة لأوكرانيا، وكذلك تأثرها بالعقوبات المفروضة على روسيا. فضلاً عن اتحاد المعارضة ضده وانضمام أحزاب المعارضة الأخرى إلى حزب المعارضة الرئيسي "حزب الشعب الجمهوري" في حملة للإطاحة به. وقد يؤدي ذلك إلى حشد عدد كبير من الناخبين المعارضين له خلال الجولة الثانية. 

كما يذكر الخبير في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك "ستيفن كوك" أن هناك عاملاً قد يؤثر على فرص "أردوغان"، فمن غير المحتمل حدوث تغيرات كثيرة في سياسته إذا فاز، لأنه يميل إلى النظر لانتصاراته الانتخابية على أنها تفويض، ويدافع كثيراً عن سياساته حتى لو كانت خاطئة. وعن توقعات البعض بدعم "سنان أوغان" الحائز على 5.3% من الأصوات لكيليجدار أوغلو، فإن "كوك" يستبعد ذلك، لأن تحالف الأمة يتلقى دعماً من الحزب الكردي، وبالتالي فمن الممكن أن يحول "أوغان" دعمه إلى "أردوغان"، أو يقرر البقاء على الحياد، وهو الاحتمال الأرجح، وبذلك يكون فوز "كيليجدار" أكثر صعوبة. (Steven Cook, CFR, 15 May 2023).

ويبدو أنه في غياب أي تطور رئيسي غير متوقع، من الصعب للغاية رؤية "أوغلو" يصنع فرقاً لصالحه في الجولة الثانية، لأنه سيحتاج بشكل أساسي إلى 90% من الأصوات التي ذهبت إلى "أوغان"، والتي إذا فقدها خسر الجولة. 

وأخيراً..  

إذا أراد "كليجدار أوغلو" أن يفوز بمقعد الرئاسة، فإن عليه التركيز أولاً على القضايا الاقتصادية، حيث يمر الاقتصاد التركي، كما ذكرنا، بحالة من الاضطراب، مع ارتفاع معدلات البطالة، وهو يحتاج خلال اجتماعاته إلى إقناع الناخبين بأن لديه خطة لمعالجة هذه القضايا وتحسين الاقتصاد. كما أن عليه استغلال اتهام "أردوغان" بتقويض الديمقراطية وحقوق الإنسان في تركيا، ومناشدة الناخبين المهتمين بهذه القضايا والتعهد لهم باستعادة الديمقراطية واحترام حقوقهم. كذلك جذب الناخبين من جميع مناحي تركيا، فهي بلد مقسم، وأوغلو يحتاج إلى إظهار أنه شخصية يمكنها توحيد البلد. بالإضافة إلى ذلك، فإنه بالتأكيد يحتاج إلى إدارة حملة قوية جيدة التنظيم وممولة بشكل جيد، وإيصال رسالته إلى الناخبين وإقناعهم بأنه أفضل شخص لقيادة تركيا في المرحلة القادمة. لكنه في كافة الأحوال لن يحصل على أي فرصة للفوز إذا لم يركز على القضايا الرئيسية التي تهم الناخبين.

وفي المقابل يستطيع "أردوغان" الفوز في الجولة الثانية من الانتخابات التركية أيضاً، من خلال التركيز هو الآخر على القضايا الاقتصادية، وإقناع الناخبين بأن لديه خطة لمعالجة هذه القضايا وتحسين الاقتصاد الذي تسبب بسياسته في الإضرار به. ومع ازدياد مخاوف أصحاب الشركات الكبرى من أن فوزه يعني استمرار السياسات الاقتصادية الحالية، نتوقع أن نرى تحولاً في خطاب "أردوغان" نحو سياسات اقتصادية جديدة، مع زيادة لهجته أيضاً لجذب أصوات القوميين. كما أن عليه التركيز على التهديدات الأمنية التي تواجهها تركيا، ومن بينها الإرهاب والحرب الأهلية السورية. فهو يحتاج إلى إقناع الناخبين بأنه الأفضل لحماية البلاد من هذه التهديدات. كذلك كونه رئيس دولة تعد فاعلاً رئيسياً في منطقة الشرق الأوسط والعالم، فهو في حاجة إلى إقناعهم بأن لديه رؤية للسياسة الخارجية الصحيحة لتركيا، وأن لديه خطة للتعامل مع تأثير الحرب في أوكرانيا على بلاده.

ولتحقيق أداء أفضل من الجولة الأولى، فإن على المتنافسين أن يقوما معاً بمهمات مشتركة، كمد يد العون للناخبين المترددين، فهما يحتاجان للوصول إلى هذه الفئة من خلال عقد اجتماعات عامة معهم، وإجراء مقابلات مع سكان أبرز المناطق المترددة، وتفعيل حملات دعائية خاصة موجهة لهم، تعالج مخاوفهم وتشجعهم على التصويت. أيضاً معالجة مخاوف الناخبين عموماً، المترددين والصامتين والنشطين، والحديث معهم عن الاقتصاد بأرقام حقيقية تتسم بالشفافية، واقتراح سبل الحل والخروج من الأزمة، وكذلك مناقشة موضوعات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن يُظهرا للناخبين أنهما يتفهمان مشكلاتهم وأن لديهما خططاً لحلها، ورُؤى لمستقبل تركيا.

وعلى أية حال، ستكون انتخابات الإعادة في 28 مايو سباقاً متقارباً، ومن السابق لأوانه تحديد من سيفوز، لكن من الواضح أن النتيجة سيكون لها تأثير كبير على مستقبل البلاد. إذا فاز "أردوغان"، فسيبقى في السلطة لمدة خمس سنوات أخرى. وإذا فاز "كيليجدار"، فسيكون ذلك بمثابة نكسة كبيرة لأردوغان وأنصاره. وإذا لم يفز أي منهما بأغلبية الأصوات، فستكون هناك انتخابات إعادة تعقد في 4 يونيو 2023. ومن المهم أن نلاحظ أن عدداً قليلاً من العوامل يمكن أن يؤثر على النتيجة، والتي ستعتمد بشكل أساسي على حملات المرشحين ونسبة المشاركة في يوم الانتخابات.            


twitter icon threads icon 25