مقالات تحليلية

تحوّلات في العلاقات التجارية الأميركية الصينية اثر كوفيد والتوتر

31-Jan-2023

حرصت الصين والولايات المتحدة الأميركية على استمرار توثيق علاقتهما الاقتصادية حتى في أشد الفترات تأزما بين الطرفين، وهناك طرح يربط بين زيادة التبادل التجاري، وتخفيف الصراعات والنزاعات وتقريب وزيادة التعاون الدولي، بحيث أن التعاون الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية مثلا وبالرغم من أهميته فإنه يرتبط بحسابات استراتيجية على المدى القريب والمتوسط، بحيث يكون لهذا التعاون دور في تخفيف التوتر في العديد من القضايا. فهي علاقة تمتاز بالتعقيد والارتباط إلى درجة عدم القدرة على التفكير في فك الارتباط رغم بعض الأزمات التي تعترض استمرار العلاقات الاقتصادية بينهما.

وتشهد التجارة الأميركية تحوّلات على خلفية الصدمات الناجمة عن وباء كوفيد والتوتر مع الصين، لكن جهود تخفيف درجة الارتباط بين القوتين العظميين لم تؤد إلى انفصال سريع. وفي ظل تصاعد المخاوف الأمنية وتراجع واردات الولايات المتحدة من الصين بعدما تبادلت واشنطن وبكين فرض الرسوم الجمركية، ارتفع حجم التجارة مجددا.

يمكن أن ترتفع الأرقام أكثر عندما يتم نشر بيانات 2022 التجارية الشهر المقبل، في إشارة إلى مدى تشابك أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. لكن الخبراء يشيرون إلى أن التوتر ترك آثاره بأشكال أخرى.

وتقول ماري لافلي من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (Peterson Institute for International Economics PIIE) إن "الواردات الأميركية من الصين أقل بكثير من الاتجاه الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب التجارية". وتضيف "هناك بالتأكيد ابتعاد عن الصين في الواردات الأميركية، خصوصا أو بشكل أساسي السلع التي زادت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية عليها".

بعد اندلاع الحرب التجارية، تراجعت قيمة السلع الأميركية المستوردة من الصين من 506 مليارات دولار في 2017 إلى حوالى 450 مليار دولار في 2019. ولا تعد العلاقات الثنائية العامل الوحيد المؤثر على التجارة، إذ إن وباء كوفيد أثّر بشكل كبير أيضا.

في نوفمبر الماضي، شهدت الصين أكبر تراجع في الصادرات منذ بدء الوباء إذ إن اعتمادها سياسة "صفر كوفيد" المتشددة تشكّل ضربة للنشاط الصناعي. ويشير رايان سويت من "أكسفورد إيكونومكس" Oxford Economics إلى أن "التحوّل الجاري في الولايات المتحدة للابتعاد عن الإنفاق على السلع" يؤثر أيضا على الواردات.

الأميركيون أنفقوا بشكل كبير على المنتجات المستوردة خلال فترة الوباء، لكن "الناس عادوا للخروج والإنفاق على الخدمات" مع تراجع حدة المخاوف المرتبطة بالفيروس، على حد قوله. ويخفف ذلك الطلب على السلع الاستهلاكية وهو ما يمكنه بالتالي تفسير سبب عدم ارتفاع الأرقام أكثر.

- تنويع وليس فك ارتباط -

بيانات الحكومة الأميركية الصادرة حتى نوفمبر تظهر أن إجمالي حجم التجارة بين الولايات المتحدة والصين يمكن أن يقترب أو يسجّل رقما قياسيا في 2022. ويقول سويت "مع مرور الوقت، سنشهد تنويعا أكثر" مقارنة بتخل كامل عن الشحنات القادمة من الصين.

مصنّعو السيارات مثلا واجهوا مشاكل في سلاسل الإمداد خلال فترة الوباء. كما أن ازدياد الاضطرابات المرتبطة بعوامل مناخية "يزيد مخاطر (الاعتماد على) سلاسل إمداد مركّزة بشكل كبير في شركة أو منطقة جغرافية واحدة"، بحسب المحاضر في الجامعة الأميركية روبرت كوبمان الذي كان كبير خبراء الاقتصاد لدى منظمة التجارة العالمية.

في الأثناء، تحاول الولايات المتحدة الاعتماد على نفسها بشكل أكبر في قطاعات معيّنة مثل أشباه الموصلات. يقول كوبمان إن قانوني خفض التضخم والرقائق الإلكترونية الأخيرين "والعقوبات المرتبطة بهما تعد مؤشرات واضحة على جهود إدارة بايدن لفك الارتباط بالصين" في هذه المجالات.

وتوضح إميلي بينسون من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" أنه "بينما تعيد الشركات تقييم الخطر وتراجع الوضع الحالي لسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها، يبرز الابتعاد عن الصين والتحول إلى بلدان أخرى.. كالنتيجة الوحيدة الثابتة". وقد تكون هذه البلدان في جنوب شرق آسيا أو أقرب إلى الولايات المتحدة. وتقول لفرانس برس "بينما ينمو هذا الاتجاه بشكل متزايد، يشبه في الوقت نفسه تسرّب الرمال من كيس أكثر مما يشبه تسونامي".

وتشير بينسون إلى أنه ما زال "من المبكر جدا" على الأرجح إعطاء رأي نهائي حول الصناعات، لكن ضوابط التصدير الأميركية "ستُجبر على نوع من فك الارتباط" مع مرور الوقت في التكنولوجيا أو في مجالات تعد أشباه الموصلات رئيسية فيها.

- "استبدال" -

تلفت لافلي إلى أن بعض الأعمال التجارية انتقلت من الصين إلى بلدان مثل فيتنام أو المكسيك. وتقول "تم بالتأكيد استبدال بعض المورّدين"، مضيفة أن ذلك يغذيه جزئيا فتح مستثمرين صينيين معامل خارج بلدهم. وتوضح "في المكسيك، الوضع مختلف. كانت هناك بعض الاستثمارات الصينية، لكن الجزء الأكبر يعود إلى (شركات) متعددة الجنسيات تقترب أكثر من الولايات المتحدة".

لكن كوبمان يحذّر من أن بلدان مثل المكسيك ستحتاج إلى إصلاحات داخلية لتعزيز التنافسية وخفض التكاليف التجارية غير الواضحة للاستفادة بشكل أكبر من التحوّل. كما أن استيراد الولايات المتحدة للسلع من الاتحاد الأوروبي يزداد، إذ تفيد آخر الأرقام السنوية للعام 2022 أن الرقم وصل إلى 504,4 مليار دولار في تشرين الثاني/نوفمبر، أي أعلى من قيمة المنتجات المستوردة من الصين في الفترة ذاتها والتي بلغت 499,5 مليار دولار.

لكن خبراء اقتصاد يشيرون في تفسيرهم للاتجاه إلى ازدياد في النشاط التجاري حول العالم ما بعد كوفيد. تقول بينسون "هذه الأرقام تعدّ لمحة صغيرة وتمثّل على الأرجح عودة الاقتصاد العالمي إلى مستويات ما قبل الوباء أكثر من كونها مؤشرا على أي تحرّك محدد لفك الارتباط".

وفي وقت تتعافى الصين من تفشي الإصابات بعدما خففت قواعد كوفيد، تتوقع أيضا ازديادا ملحوظا في الواردات، بحسب ما أفاد هذا الشهر نائب رئيس وزرائها ليو هي من دافوس. وقد أظهرت بيانات رسمية توسع النشاط الصناعي في الصين خلال شهر كانون الثاني/يناير بعد أربعة أشهر من الانكماش، وذلك مع انتعاش الاقتصاد الصيني في أعقاب تخفيف القيود الصارمة المتعلقة بكوفيد.

وارتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي الرسمي، وهو المقياس الرئيسي لإنتاج المصانع في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلى 50,1 نقطة مقابل 47,0 في ديسمبر، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاءات. وخالفت الأرقام التراجع المستمر منذ أيلول/سبتمبر كما تخطت ال50 نقطة.

أما مؤشر مديري المشتريات غير الصناعي الذي يشمل قطاع الخدمات والبناء فقد ارتفع الى 54,4 نقطة في كانون الثاني/يناير، مقابل 41,6 في ديسمبر. وتخلت بكين الشهر الماضي بشكل فجائي عن سياسة"صفر كوفيد" لكبح انتشار فيروس كورونا التي شملت عمليات إغلاق صارمة، ما أثار احتجاجات غير مسبوقة وعرقل الأعمال في البلاد. ونما اقتصاد الصين بنسبة 3 بالمئة فقط العام الماضي في أبطأ وتيرة له منذ أربعة عقود، حيث أعاقت قيود كوفيد وأزمة سوق العقارات الاقتصاد.

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 17