مقالات تحليلية

الصراع الروسي الغربي: وأزمة قانون وكلاء النفوذ الأجنبي في جورجيا

10-Jun-2024

في أحدث مشاهد الاضطراب على المسرح الأوروبي، تمر جورجيا بمرحلة من التوتر السياسي الداخلي، تحمل تداعيات أوسع وأبعد من حدودها الجغرافية. موقع جورجيا الإستراتيجي يجعلها جزءاً أساسياً من ديناميات الحرب الباردة الجديدة التي يمر العالم بمراحلها الأولية حالياً. متأرجحة بين الفلك الغربي والفلك الروسي، فُرضت على تبليسي المعادلة الصعبة المتمثلة في تحقيق التوازن بين فلكي النفوذ في وقت تصادم خطِر بينهما وقعت ضحيته بالفعل أوكرانيا، التي تكبدت الكثير من الخسائر حتى الآن بسبب موقعها الذي فرض عليها المعادلة نفسها. 


شرارة التوتر الحالي 

تتمثل شرارة التوتر الحالي في الداخل الجورجي في قانون "وكلاء النفوذ الأجنبي" ويسمى أيضاً قانون "العملاء الأجانب"، الذي تقول الحكومة الحالية إن الهدف منه هو تحقيق الشفافية حول المؤسسات غير الربحية وغير الحكومية العاملة في الدولة، وطبيعة تمويلها والكشف عنه. في الوقت نفسه، حظي القانون بانتقادات حادة من الدول الغربية التي ترى فيه تقويضاً للحريات وانحرافاً عن المسار الديمقراطي، إضافة إلى ادعاءات بأن القانون يمثل تشابهاً بقانون روسي مماثل طبقته موسكو، حتى إن بعض الجهات الإعلامية الغربية أطلقت عليه اسم "القانون الروسي".

إقرار حزب الحلم الجورجي الحاكم القانون ترتب عليه تعميق الصدع بين جورجيا والاتحاد الأوروبي، الذي منحها وضع المرشح لعضوية الاتحاد. ونشير إلى أن عضوية الاتحاد هي الوسيلة الرئيسة التي يوظفها الغرب في إبعاد تبليسي عن الفلك الروسي، إلا أن القانون الجديد بمثابة تهديد حقيقي لمستقبل انضمام جورجيا إلى الاتحاد، إذ يمثل من المنظور الأوروبي تعارضاً صريحاً مع معايير وقيم الاتحاد. هذا الوضع قد يدفع الاتحاد إلى تعليق انضمام جورجيا في المستقبل القريب، رغم حصولها على وضع المرشح. 


قانون وكلاء النفوذ الأجنبي

وفقاً للقانون، "وكلاء التأثير الأجنبي" هم المنظمات والكيانات غير الربحية التي تتلقى أكثر من 20% من تمويلها من قوة أجنبية، وأمام المنظمات التي تتلقى تمويلاً أجنبياً شهران للتسجيل كـ"منظمات تعمل لمصالح قوى أجنبية" وتقديم إقرارات مالية سنوية حول الأموال أجنبية المصدر، حيث يمثل الفشل في التسجيل مخالفة إدارية، مستحِقة العقوبة بغرامات تصل إلى 25,000 لاري جورجي (نحو 8,700 يورو). 

علاوة على ذلك، يخول القانون وزارة العدل إجراء "تحقيقات دقيقة" في المنظمات المسجلة لضمان احترامها للقوانين. ووفقاً للنسخة النهائية من القانون، سيكون لدى المسؤولين المعيَّنين من وزارة العدل الحق في طلب أي بيانات شخصية من الأفراد، بما في ذلك المعلومات السرية مثل تفاصيل حياتهم الشخصية، والمعتقدات الفلسفية أو غيرها، والآراء السياسية، والانتماء إلى نقابات العمل، إلخ. 

يتطلب القانون من جميع الأفراد والهيئات والمنظمات والمؤسسات التي يطلب منها الممثل المفوض لوزارة العدل هذه المعلومات تقديم جميع البيانات المتاحة. سيؤدي عدم تقديم المعلومات المطلوبة إلى فرض غرامة قدرها 5,000 لاري (نحو 1,820 يورو). الطعن في الغرامة لن يؤدي إلى إعفاء من التزام الدفع وقد تترتب عليه غرامة إضافية. وأخيراً، أي عقوبة جديدة تعد إضافية ولا تستبدل الغرامات المعتمدة بالفعل التي تتراوح قيمتها بين 10,000 و25,000 لاري.

في 15 إبريل 2024، كشفت الإحصاءات الرسمية عن وجود حوالي 10,000 منظمة غير ربحية وغير حكومية في جورجيا، العديد منها يمتلك تأثيراً كبيراً في القرارات الحكومية. غالباً ما تشترك هذه المنظمات في أجندات تدعو إلى إجراءات مثل تحرير الأسعار وتعزيز الاستثمار الأجنبي، رغم تأكيد الحكومة أن هذه الإجراءات قد تؤثر سلباً في منتجي جورجيا. بالإضافة إلى ذلك، تضغط هذه المنظمات للالتزام بالعقوبات ضد موسكو واعتناق مسار أوروبي أطلسي لتنمية البلاد.


توتر داخلي 

تقول الحكومة الجورجية إن هذا القانون يهدف إلى إجبار المنظمات على إظهار شفافية أكبر فيما يتعلق بتمويلها ومنع ما تراها كيانات أجنبية ضارة من تقويض الدولة، التي يبلغ عدد سكانها 3.7 ملايين نسمة. ويرى مارسيل روثيغ، مدير برنامج جنوب القوقاز في مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، أن هذه الخطوة محفوفة بالأخطار بسبب الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث يسعى حزب "حلم جورجيا" لتعزيز نفوذه، وقد استخدمت المعارضة الجورجية لمهاجمة القانون أوجه تشابهه مع تشريعات روسية، تزعم أنها تمنح السلطات صلاحيات واسعة لاستهداف الإعلام النقدي والمنظمات. 

الرئيسة الجورجية سالومي زورابيتشفيلي مارست سلطتها الرئاسية بالفيتو ضد مشروع القانون المثير للجدل الذي أقره البرلمان في 16 مايو 2024، ورأت أنه "غير مقبول"، مؤكدة معارضتها لما يقول المنتقدون إنه تهديد خطِر لحرية التعبير والديمقراطية، إلا أن هذا الفيتو تم تخطيه من قبل البرلمان، وفقاً للقوانين الجورجية. عليه شهدت البلاد احتجاجات شعبية ضد القانون، إلى جانب تدابير أخرى اتخذها حزب "حلم جورجيا" الحاكم، مما يثير مخاوف غربية من أن هذه الإجراءات قد تعزز سلطته وتقرب البلاد من روسيا، دون أن يحظى هذا الإجراء بدعم عريض من الجمهور، حيث تبين استطلاعات الرأي تفضيل الغالبية العظمى من السكان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.


ردود فعل غربية 

عبرت ألمانيا وفرنسا عن "الأسف العميق" على إقرار البرلمان الجورجي قانون الوكلاء الأجانب، إذ انتقد الخطوةَ المستشارُ الألماني أولاف شولتس والرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورأيا أن الأمر انحراف عن المسار الأوروبي، مما يتعارض مع تطلعات الساكن الجورجيين. وفي الوقت الذي أكدت فيه برلين وباريس شعورهما بـ"قلق عميق إزاء الوضع في جورجيا"، دعت لندن الحكومة الجورجية إلى سحب القانون. 

بالتزامن، قام وزراء خارجية دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) وآيسلندا بزيارة جورجيا للاحتجاج على قرار البرلمان، ورأوا أن ذلك يتعارض مع الموقف الجورجي المؤيد لأوروبا، ودعوا الحكومة الجورجية لسحب المشروع وإعادة تأكيد التزامها بالتكامل الأوروبي. علاوة على ذلك، أدان حلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية موافقة البرلمان الجورجي على القانون، ورأى أنه يتناقض مع طموح البلاد في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

الولايات المتحدة في 15 مايو 2024 أعلنت من جانبها أن مساعدة قدرها 390 مليون دولار كانت الولايات المتحدة قد أقرتها لجورجيا ستتم "مراجعتها في حال تم اعتبارنا خصوماً ولم نعد شركاء"، وفي واشنطن يجري إعداد مشروع قانون لفرض عقوبات على سياسيين جورجيين يتحملون مسؤولية إقرار قانون "العملاء الأجانب" لتجميد الأصول وفرض حظر على منح التأشيرات للسياسيين المسؤولين عن اعتماد قانون شفافية النفوذ الأجنبي، وكذلك أفراد عائلاتهم، وسيتم فرض عقوبات على هيئات حماية القانون والجهات الرسمية الجورجية التي شاركت في تفريق المتظاهرين الذين احتجوا على القانون. 

من جانبها طالبت العديد من دول الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على جورجيا، بما في ذلك تعليق السفر دون تأشيرة إلى الاتحاد. وتقود إستونيا وهولندا والتشيك والسويد مبادرة لمناقشة الإجراءات التقييدية في اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي (المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 27 مايو 2024).


بين الشرق والغرب

الأحداث في جورجيا تجري في ظل تصاعد التوترات داخل بعض دول الاتحاد السوفيتي سابقاً، إلى حد كبير بسبب الحرب في أوكرانيا، التي وضعت أولئك الذين يفضلون علاقات أوثق مع روسيا ضد أولئك الذين يميلون أكثر نحو أوروبا. ويجدر بالإشارة أن البعد الجيوسياسي لا يشكل العامل الوحيد المؤثر في السياسات الداخلية في تلك البدان، إذ يعود الكثير من هذه التوترات إلى ما قبل الحرب، وهي متجذرة في صراعات داخلية طويلة الأمد على السلطة والمال وقضايا أخرى، لكن الديناميات الجيوسياسية فاقمت هذه الخلافات، حيث تدفع كل من روسيا والغرب هذه الدول إلى اختيار جانب.

في هذا السياق، يسعى الجانبان، الروسي والغربي، إلى تشكيل رواية حول الحرب في أوكرانيا تخدم مصالحهما الإستراتيجية. من جهة، ووفقاً لوزير خارجية مولدوفا السابق نيكو بوبيسكو، غذت الحملات الإعلامية الروسية رواية أن الاصطفاف الأوثق مع الغرب يهدد بحرب لا يمكن إلا لروسيا الفوز بها. في المقابل، لدى الغرب أيضاً روايته الخاصة المؤطرة بأوكرانيا، وقد أكدها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مؤخراً في مولدوفا، قائلاً "يدرك المولدوفيون تماماً أن ما يحدث في أوكرانيا لا يهم الأوكرانيين فحسب، بل المولدوفيين أيضاً"، وأضاف في مؤتمر صحفي مع رئيسة مولدوفا، مايا ساندو، أن روسيا إذا تُركت دون منازع "لن تتوقف عند أوكرانيا".

وتحاول جورجيا، الموازنة في علاقاتها بين روسيا والغرب، إذ يجعلها موقعها الجغرافي جزءاً لا يتجزأ من مصالح الأمن القومي الروسي، لذلك يعد الاندفاع المتسرع للانضمام إلى فلك نفوذ الغرب أمراً غير مقبول من قبل موسكو، التي ترى ذلك تهديداً مباشراً لها، وليس فقط لثقلها الإستراتيجي كدولة تمتلك فلك نفوذ. 


قراءة ختامية

يحمل الوضع الداخلي المتوتر في جورجيا بعدين متداخلين، أحدهما محلي والآخر جيوسياسي، فمن جهة، يمثل الخلاف حول قانون الوكلاء الأجانب خلافاً داخلياً على السلطة في المشهد السياسي الجورجي. ومن جهة أخرى، يعمل التنافس المحتدم حالياً بين موسكو والغرب بقيادة واشنطن على توجيه هذا الصراع نحو منحنى خطِر بالنسبة لجورجيا، فقد وصل الصراع بين القوى الكبرى إلى مرحلة حساسة تميل خلالها الأطراف المتنازعة إلى المعادلات الصفرية في علاقاتها الخارجية، خاصة مع الدول الواقعة في وسط الصراع الجيوسياسي مثل جورجيا.

هذا الميل نحو المعادلات الصفرية انعكس في ردود الأفعال الغربية على قانون الوكلاء الأجانب، التي أوضحت أن المنظور الجيوسياسي هو المسيطر على طريقة التفكير الغربي فيما يتعلق بدول أوروبا الشرقية. 

في ظل ذلك تنذر الرسائل الغربية والروسية بمستقبل قاتم لدول أوروبا الشرقية، فبينما يوجه كل من الطرفين أصابع الاتهام نحو الآخر فيما يتعلق بالسبب خلف الحرب في أوكرانيا، فإنهما يتفقان على أن أقرب الدول إلى المصير نفسه هي دول أوروبا الشرقية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي سابقاً، وعلى رأسها جورجيا. 


twitter icon threads icon 2