مقالات تحليلية

التأثيرات الإقليمية للتقارب التركي السوري

19-Sep-2022

شهد الفضاء السوري تطورات سياسية تمثّلت في تصريحات لوزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، تعكس في ظاهرها رغبة تركية ضمنية بإعادة العلاقة مع دمشق، وتعكس مسعىً تركياً لتحريك السياسة الراكدة بين إسطنبول ودمشق المتشابكة بعدة قضايا،

قضايا تشمل موضوع الحل السياسي في سوريا والمصالحة بين النظام والمعارضة المدعومة من تركيا، وقضية الوجود العسكري التركي في الشمال السوري، وقضية اللاجئين السوريين في تركيا وعملية إعادتهم، ونفوذ القوى الخارجية في سوريا المتمثلة بتركيا وروسيا وإيران.

وقال أوغلو إنه "يجب أن يتصالح النظام والمعارضة.. نرى أن المصالحة ضرورية لإحلال سلام دائم في سوريا". وبعد أن ووجه باعتراض سوري معارض شديد من خلال المظاهرات التي شهدتها بعض المناطق السورية كريف حلب الشمالي ومحافظة إدلب المسيطر عليها من قبل المعارضة والقوات التركية، ومن خلال انتقادات شديدة من أصوات معارضة، أوضح أوغلو أنه استخدم كلمة مصالحة وليس سلام، مؤكداً أنه تمّ تحريف أقواله.

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد أوضح أنه لا يمكن قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا بالكامل، وأن ثمة حاجة لاتخاذ المزيد من الخطوات مع سوريا. وبعد زيارة روسيا، قال أردوغان إن بوتين اقترح أن تتعاون تركيا مع الحكومة السورية على طول حدودهما المشتركة، حيث يخطط أردوغان لمزيد من التوغل العسكري ضد المقاتلين الأكراد الذين يشكلون تهديداً أمنياً لتركيا في حال استمرت سيطرتهم على المناطق الحدودية معها. وفي سياق الخطوات المطلوب اتخاذها مع سوريا أوضح أوغلو الهدف من التواصل مع سوريا بقوله: "لا يمكن أن يكون هناك شرط للحوار لكن ما الهدف من هذه الاتصالات؟ ينبغي تطهير البلاد من الإرهابيين.. الناس بحاجة للعودة".

في ضوء الزخم المعطى لمسألة التواصل التركي السوري، نبحث في هذه المقالة الظروف والدوافع التي أسهمت في تعزيز زخم المحادثات والقنوات الدبلوماسية، كما ننظر في مآلات هذه المحادثات وتبعاتها على المنطقة وأمنها، مع التركيز على القوى الفاعلة في هذه المحادثات وموقف المعارضة السورية منها.  

الروس والمحادثات السورية التركية

نلاحظ أنه بمعزل عن الأهداف التركية من إحياء المحادثات مع النظام السوري أن القادة الروس يسارعون إلى تفعيل المحادثات بين السوريين والأتراك لعدة مقاصد. من هذه المقاصد ما اشترطه الأتراك لوقف العملية العسكرية، وفي تلبية ذلك، يحاول الروس تجنب العودة إلى الوراء فيما جنوه على صعيد استقرار سوريا أمنياً. لأن أي عمل عسكري بغض النظر عن كثافته سيؤخر الحل السوري. وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بعد محادثات في موسكو مع نظيره السوري، فيصل المقداد، إلى محادثات بين تركيا وسوريا لتجنب العملية العسكرية. وقال لافروف: "الشيء الأساسي هو عدم السماح بأي عمل عسكري جديد، والتفاوض عبر القنوات الدبلوماسية على أساس المبادئ السياسية التي كانت موجودة سابقاً في العلاقات بين سوريا وتركيا". وكأن لافروف يقول للسوريين إنه إذا لم تتعاونوا مع الأتراك قريباً، لن يعود بإمكاننا ثني الأتراك طويلاً عن العملية العسكرية. 

توصل تركيا لإصلاح العلاقات مع دمشق سيحدث تحولاً من شأنه أن يغير المشهد السياسي والأمني في سوريا والمنطقة بشكل أوسع. ويعزز التواصل الوساطة الروسية وتصريحات كل من أردوغان وأوغلو في الأسبوعين الأخيرين التي توحي بالرغبة التركية؛ إبداء الرغبة يخفف التوتر مع دمشق. بالرغم من أهمية هذه الخطوة وتأثيرها الكبير المحتمل على خارطة التحالفات والشراكات في المنطقة وخارجها، وفي حال حصل تقدم في هذا الملف، ثمة معرقلات للمضي قدماً في مسألة التقارب التركي السوري عبّر عنها المقداد من خلال مطالب لتحقيق التقدم في مسار استعادة العلاقات مع تركيا، وهي انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية بالكامل، ووقف دعم التنظيمات المسلحة، وعدم التدخل في الشأن السوري الداخلي.

حتى وإن كانت هذه المطالب واقعية، إلا أنه لا يتوقع أن ينسحب الأتراك من سوريا أقله في المدى المنظور. وفي حال قرر الأتراك سحب قواتهم من الشمال السوري، سيكون ذلك مقابل ثمن مساو لمصلحة بقائهم. ويحضرنا هنا تأمين الحدود التركية السورية فيما يشبه اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 بين تركيا وسوريا، التي بموجبها توقف التوتر التركي السوري، الذي كان عماده العامل الكردي المستغل وقتها من قبل حافظ الأسد.

لا بد من الإشارة إلى أن سوريا حافظ الأسد ليست سوريا بشار الأسد، لا سيما بعد اندلاع الحرب السورية، فسوريا حافظ الأسد كانت فاعلاً جيوسياسياً ومناوراً قوياً. أما سوريا بشار الأسد فضعيفة في هذا المضمار. ليس ذلك اكتشافاً عظيماً، وإنما أردنا من ذلك الإضاءة على أن مقومات اتفاق أضنة لم تعد قائمة اليوم، ليس من باب الظرف الذي أدى إلى توقيعها، وهو استغلال القيادة السورية وقتها لقضية الأكراد وتوظيفها ضد الأتراك، وإنما من باب الفرق بين قوة القوات السورية بين الأمس واليوم، وقدرة السوريين اليوم على تقديم ضمانات تتعلق بأمن الحدود مع تركيا دون تدخّل روسيا عسكرياً لتسوية الخلل.

فليس لروسيا مصلحة بالتدخّل العسكري ضد الأكراد في حال حصل اشتباك بين تركيا والأكراد أو خرق للاتفاق (في حال حصل اتفاق مماثل) من جانب الأكراد، ولم تتمكن القوات السورية المهترئة بسبب الحرب من وقف العمليات الكردية ضد تركيا، وبهذا نعود إلى المربّع الأوّل. يعلم الأتراك ذلك علم اليقين، ولذلك لا نتوقع انسحاباً تركياً من الشمال السوري حتى لو تم الاتفاق مع النظام السوري أو حصل تقارب بين تركيا وسوريا في ضوء المحادثات الجارية. أمّا في التسعينيات، عندما تم التوصل إلى الاتفاق بين سوريا وتركيا، كانت ضمانات حافظ الأسد موثوقة لأنها كانت مبنية على قوة سوريا جيوسياسياً ووضعه الإقليمي وحنكته السياسية، وعلى أساسها رحّل الأسد الأب عبدالله أوجلان من سوريا. 

أمام هذا الواقع، من غير المرجح أن تتمكن روسيا وتركيا، بالرغم من قدرة بوتين وأردوغان على عقد صفقات ومقايضات أمنية وجيوسياسية واقتصادية، من التوصل إلى تسوية متكاملة في سوريا. العقبات التي تواجههما لا تقتصر فقط على رفض الحكومة السورية أي تسوية مع أنقرة قبل خروج القوات التركية من الأراضي السورية (الذي قلنا بعدم حصوله في حال الاتفاق)، حيث يمكن أن يتم تجاوز هذه العقبة عبر حلول وسطية باعتبار أن موسكو تملك نفوذاً لا يستهان به على دمشق إلى درجة تمكنها من الضغط عليها لتخفيف مطالبها في هذا السياق.

لكن هناك قيود أخرى تتمثل في الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وكذلك الموقف الإيراني الذي لا يعني بالضرورة التفاهم مع روسيا في كل شيء. كذلك هناك الجماعات الجهادية في إدلب التي يدرك أردوغان أنه من الصعب إخراجها من سوريا بالحوار، في حين أن منح ضوء أخضر لسوريا وداعميها من أجل إطلاق حملة عسكرية لإخراجهم، يعني مرة أخرى هروب ملايين السوريين إلى تركيا، وبالتالي اتساع أزمة اللاجئين بالنسبة لتركيا بدلاً من تسويتها.

مخاوف الأكراد

تتزايد مخاوف أكراد سوريا، في ظل صمت الولايات المتحدة الأمريكية تجاه هجمات تركيا المتزايدة على مناطق سيطرتهم، من تكثف اللقاءات الروسية التركية على أرفع المستويات، وما قد ينتج عن ذلك من مقايضات في أوكرانيا وسوريا (بالإضافة إلى ملفات الاقتصاد والدفاع). إن قوات سوريا الديمقراطية لا تخشى من سيناريو تطبيع كامل بين أنقرة ودمشق باعتباره سيناريوهاً مستبعداً في المدى المنظور. كما تشير تسريبات مقربة من هذه القوات أنها تخشى توافقات جزئية بين موسكو وأنقرة ودمشق على حسابها، مثل منح روسيا في النهاية ضوءاً أخضر لعملية عسكرية تركية جديدة ضد مناطق سيطرتهم في الشهباء أو منبج.

يدرك أكراد سوريا أن ما يهم بوتين، الذي قد يلبي بعض مطالب أردوغان في سوريا، هو تحريض أنقرة أكثر ضد الغرب. ففي تصريحات حديثة، أشاد أردوغان بروسيا كشريك في مكافحة الإرهاب. وقال: "في كل خطوة نتخذها في سوريا، تكون قواتنا الأمنية ووكالات المخابرات ووزارة الدفاع جميعها على اتصال". وفي المقابل، قال أردوغان إن الولايات المتحدة هي التي "غذت الإرهاب في سوريا، وزودت المنظمات الإرهابية بآلاف الشحنات من الأسلحة والمعدات، واستقبلت الإرهابيين في البيت الأبيض". كما أدرج أردوغان الحلفاء ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى على أنهم من مؤيدي الإرهاب، عبر الإشارة إليهم على أنهم "قوات تحالف". 

هذه المخاوف دفعت حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعبر عن موقف "السلطة الكردية" في سوريا، يوم التاسع عشر من أغسطس، إلى اتهام روسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لمهاجمة القوات الكردية في شمال سوريا. وقال العضو البارز في الحزب، أحمد خوجة، لصحيفة الشرق الأوسط إنه بالرغم من التطمينات الروسية والإيرانية حول منع أي هجوم تركي بري، يبدو أن روسيا سمحت لتركيا باللجوء إلى هجمات الطائرات المسيرة والمدفعية. وأضاف أن تكثيف الهجمات هو علامة على موافقة بوتين "الضمنية" على تصرفات تركيا، مشيراً إلى أن دمشق "راضية عن الهجمات التركية"، وأنها أبرمت "اتفاقيات أمنية سرية" مع أنقرة. ويوافق تقييم خوجة للوضع، وبخاصة في جزئية "الاتفاق التركي السوري السري"، مقاربتنا بخصوص عدم تمكن النظام من ردع الأكراد بالقيام بعمليات في العمق التركي في حال تم التوصل إلى تفاهم بين تركيا وسوريا يتضمن ذلك. وهذا ما يجعل مسألة انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية أمراً مستبعداً حتى تحل مسألة الأكراد المسلحين، وسيطرتهم على مناطق في الشمال السوري.

حظوظ وممكنات التطبيع
سيناريو التطبيع التركي السوري ليس جديداً من حيث الطرح، فقد ورد عدة مرات في تصريحات أردوغان، أو اللقاءات التي جمعت رئيسي المخابرات التركية والسورية، أهمها ذلك الذي حصل في 2020 في روسيا. إلا أن الجديد هذه المرة هو تكرار التصريحات المتعلقة بالتطبيع التركي السوري، ودعم مساعي القوى الفاعلة في الملف السوري للدفع بهذا التطبيع.. وهو ما رأيناه من خلال جولات وزير الخارجية الإيراني بين دمشق وأنقرة، والدفع الروسي المتزايد نحو مثل هذا التطبيع.
لقد زادت التحركات الدبلوماسية للدفع بعملية تطبيع تركية سورية، نظراً لتزايد "الآمال" حول هذه العملية، في ظل المتغيرات الجيوسياسية العديدة التي توالت خلال السنوات الأخيرة، ولاعتقاد راسخ لدى الروس والإيرانيين وحتى السوريين، بالبراغماتية العالية التي تحرك أردوغان، الذي يحتاج لحل معضلة "سوريا والسوريين" قبل الانتخابات التي تنتظره. 
من جهة أخرى، من دون التفاهم مع تركيا، لا يستطيع الأسد أن يعلن انتهاء الحرب في بلاده، ولا أن يضغط أكثر لرفع العقوبات، التي تعرقل انطلاق عمليات إعادة الإعمار. ولن تقدر إيران على تحقيق الاستفادة القصوى من استثمارها الكبير في الحرب السورية، ولا أن تعلن روسيا نجاح تجربتها السورية بشكل كامل، بما ييسر لها التركيز أكثر على أوكرانيا، ويفتح لها المجال لتعويض ما ضخته في سوريا، وبدء جني ثمار دعمها العسكري للأسد، ولاستكمال الدعاية حول دور روسيا الجديد و"مكانتها" في النظام الدولي، أو في النظام الدولي الذي تروّج له، الذي يعيد إلى الجيوسياسة دورها ومكانتها في قراءة المتغيرات السياسية على الساحة الدولية.

إن ملف الأكراد يأتي على رأس أولويات تركيا، وهو ملف كفيل بخلق بعض التواصل بين أنقرة ودمشق، بل كان كفيلاً في عدد من المرات بأن يخلق عداوات وأن يؤسس لمصالحات بين البلدين. إلا أن الملفات الخلافية كثيرة هذه المرة، الأمر الذي يجعل  من العملية التصالحية معقدة، وتحتاج للكثير من التفاهمات، إلا إذا قبل الطرفان البدء بالتطبيع بخطوات خجولة، قد يعول عليها لتعزيزه وتوسيعه.

وهنا يأتي مجدداً ملف الأكراد، ففي ظل صعوبة الحصول السريع على ورقة الاقتصاد، تظل إحدى أوراق أردوغان محاربة الفصائل الكردية المسلحة على أمل جذب أصوات الشريحة المترددة من القوميين الأتراك. الهدف الآخر الذي يخدم أهداف أردوغان الانتخابية، يتمثل في الاستجابة للاستياء الشعبي في تركيا من ملايين اللاجئين الذين يستضيفهم. يجد أردوغان أن تحقيق الهدفين يمر عبر تحقيق صفقة مع الحكومة في دمشق، وهي صفقة يأمل من خلالها في تحقيق هدف انتخابي آخر يتمثل في السعي لجذب جزء من العلويين الأتراك، الذين يؤيد جزء كبير منهم السلطة في دمشق لأسباب طائفية. كما يريد أردوغان تخفيف التدخل التركي في الحرب السورية، استجابة للشريحة التركية الرافضة للتدخل، ولتخفيف النفقات التي تعاني منها بسبب هذا التدخل في ظل الأزمة الاقتصادية.

كل ما سبق منطقي إلى حد كبير بالنسبة لأردوغان في ظل واقع حكومته الحالية، ولا يُستبعد أن تستجيب الحكومة السورية، وبدعم روسي وحتى إيراني، لهذه المطالب. لكن المشكلة تبقى في التنازلات التي يمكن أن تقدمها تركيا في المقابل. هناك ملفات ليس من السهل على تركيا التنازل عنها، وليس من الواضح إلى أي حد يمكن أن تقبل بها دمشق، خاصة فيما يتعلق بمسألة المناطق التي تسيطر عليها تركيا شمال سوريا، حيث تعد بصمة أنقرة ضخمة فيها. حيث حلت الليرة التركية محل نظيرتها السورية في هذه المناطق، ولدى العديد من الشركات والمرافق التركية فروع هناك. تسيطر تركيا، إلى جانب مؤسسات الجيش والأمن والشرطة، على التجارة المحلية والقضاء والتعليم في المناطق التي تسيطر عليها شمال سوريا.

وفي جانب تلبية تركيا للمطالب السورية، يمكن القول أن مرونة أردوغان لا تشمل قرارات جذرية مثل قطع العلاقات مع الفصائل المسلحة شمال غرب سوريا أو قطع العلاقات مع الجماعات المدرجة في قائمة المنظمات الإرهابية، مثل هيئة تحرير الشام وغيرها. لا توجد مؤشرات جدية حتى الآن على أن أردوغان تخلى عن اللعبة التي أضافها بحماس إلى سياسته الخارجية، إذ تستمر الرغبة التركية في استخدام هذه الجماعات في سوريا كقوة لقمع هياكل الحكم الذاتي الفعلية التي يقودها الأكراد وكورقة ضغط وتفاوض ضد الحكومة السورية، وداعميها الروسي والإيراني.

يمكن اختصار مشهد التطبيع المعقّد بين سوريا وتركيا بما قاله سونر تشابتاي، المحلل التركي في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأوسط، حيث كتب في تغريدة على تويتر أن "نهاية لعبة تركيا في سوريا هي مصافحة أردوغان الأسد، التي ستعترف تركيا من خلالها بسيادة الأسد على سوريا، لكنها ستحتفظ (مؤقتاً) ببعض الأراضي السورية وأيضاً الاستيلاء على ملايين العرب السنة غير المرغوب فيهم من قبل نظام الأسد. أما دمشق فستعيد استيعاب وحدات حماية الشعب في المقابل". وإلى أن نرى ذلك، لا بد من تذليل الكثير من العقبات التي بدأ العمل عليها من قبل الجانبين منذ حوالي سنتين تقريباً.

موقف المعارضة السورية 
اندلعت مظاهرات حاشدة شمال غرب سوريا بعد أن دعا أوغلو إلى المصالحة بين المعارضة السورية ودمشق، فيما أصدرت نحو 15 جماعة من المجتمع المدني في تلك المنطقة بيانات إدانة، إلا أن المعارضة السورية في تركيا أشادت بدور أنقرة في "دعم الثورة". وبالرغم من هذه الإشادة، تواصلت المظاهرات التي طالبت بخروج القوات التركية من سوريا وتخللها حرق العلم التركي في مدينة أعزاز وتجمع متظاهرين غاضبين أمام قاعدة عسكرية تركية ببلدة "المسطومة". أشعر ذلك الأتراك بضرورة التوضيح، إذ نشرت الخارجية التركية بياناً تؤكد فيه أنها "ستواصل دعم جهود إيجاد حل دائم للنزاع السوري، بما يتماشى مع تطلعات السوريين"، مضيفة أن "المسار السياسي لا يشهد تقدماً حالياً بسبب مماطلة النظام السوري"، وأن هذا ما قصده وزير الخارجية في تصريحاته الأخيرة.

ثم عادت تركيا للتأكيد على هدفها ورغبتها، التي كانت نابعة من حقيقة أن الأتراك يرون ضرورة تقبل أو بدء تقبل السوريين في مناطق المعارضة بالمتغيرات التي ستفرضها المصالح الجيوسياسية والجيواقتصادية، مع حرص أنقرة الكامل على التوازن بين هذه المصالح وبين عدم إفلاتها ورقة المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري. إذ جدّد أوغلو دعوته "للمصالحة" بين دمشق والمعارضة، قائلاً إنه "يجب أن يتصالح الطرفان.. نرى أن المصالحة ضرورية لإحلال سلام دائم بسوريا". 

بعد ذلك، بعث وزير الداخلية التركي سليمان صويلو رسالة داعمة للمعارضة السورية ونفى تصريحات نسبتها وسائل إعلام سورية له، تشير إلى أن تركيا لم تعد قادرة على تقديم المزيد للمعارضة السورية. ورد صويلو، وهو شخصية قومية متشددة ومؤثرة في صناعة القرار الأمني في تركيا، على هذه المزاعم عبر تغريدة نشرها يوم الثاني عشر من أغسطس قال فيها: "عبارات لم نقلها قط.. إنهم يحاولون نشرها في شمال سوريا. لم تترك تركيا قط الشعب الذي كان يئن تحت وطأة اضطهاد النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي وحده".

إن الكثير من القيادات العسكرية والسياسية في المعارضة السورية تؤيد السياسات التركية في سوريا بشكل شبه مطلق، إما لدوافع إثنية، أو أيديولوجية، أو بسبب مصالح شخصية. وقد دافعت هذه الشخصيات عن موقف تركيا الأخير وذهب جزء كبير من هؤلاء إلى إدانة إحراق العلم التركي والشعارات المعارضة لأنقرة في شمال سوريا. ويمثل هؤلاء في الواقع قوة كبيرة في قرار المعارضة السورية. ومن هنا، يمكن القول إن خيارات المعارضة السورية الرافضة للجهود التركية، الساعية إلى التطبيع مع الحكومة السورية، تبقى محدودة جداً، ولا يتوقع أن تكون في موقع من شأنه أن يؤثر كثيراً على سياسات أنقرة تجاه دمشق، حيث إن تركيا تعد الداعم العسكري الوحيد تقريباً لهذه المعارضة، كما تعتبر الشريان الجغرافي الوحيد لهذه المعارضة، من الاقتصاد والتجارة إلى توريد السلاح والمواد الأساسية مثل الأغذية والأدوية والخدمات الأساسية والمساعدات الإغاثية.

إلا أن ما سبق، لا يعني أن أنقرة قادرة على إفلات ورقة المعارضة السورية بسهولة، إذ تخشى تركيا من حدوث تحول في علاقاتها مع المعارضة السورية، بما يضر بمصالحها وأمنها في حال ذهبت إلى التطبيع مع دمشق دون اتفاق مع المعارضة السورية المسلحة، أو الجزء الأكبر منها. من وجهة النظر هذه، فإن بعض الجماعات السورية المسلحة، بالرغم من اعتمادها الكبير على تركيا، لديها شبكات وعلاقات على جانبي الحدود، في سوريا وتركيا وقد تنقلب على أنقرة.

قد تتفرق بعض المليشيات التي تتقاضى رواتب من تركيا وتنتقل إلى الحياة المدنية أو أماكن أخرى عندما يتم إيقافها عن العمل بأمر تركي. لكن أولئك الذين لديهم خلفية أيديولوجية لن يحيدوا عن أجندتهم. أما الأكثر راديكالية فقد يعلنون العداوة أو الجهاد ضد تركيا. يقول فهيم تاشتكين، المحلل التركي في موقع المونيتور إنه "عندما يتغير شكل العلاقة مع تركيا، فمن المرجح أن تواجه البلاد تهديدات من الداخل (من قبل المتشددين وخاصة داعش). ويمكن أيضاً استغلال اللاجئين تحت الضغط والتهديد. هناك العديد من الأمثلة حول كيفية استخدام اللاجئين كمجموعة تجنيد للمسلحين".

القوى الفاعلة والتطبيع التركي السوري
يربط الكثيرون بين دعوة وزير الخارجية التركي إلى مصالحة بين المعارضة والنظام في سوريا وبين القمة الثلاثية التي جمعت رؤساء كل من إيران وتركيا وروسيا في طهران. وقد أعقب تلك القمة لقاء بين الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي وزيارة لوزير الخارجية الإيراني إلى أنقرة ودمشق. هذه التحركات تشير إلى تحول بموقف أنقرة في سوريا. وفي حين تكررت عروض روسيا بترتيب اتصال بين القيادتين التركية والسورية، دعت إيران، سواء في القمة الثلاثية المذكورة، أو خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، لتركيا وسوريا، إلى تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق.
وفي حين كان الملف السوري أحد أبرز الملفات الرئيسية في لقاء سوتشي بين بوتين وأردوغان، أظهرت الاتفاقيات الاقتصادية التي نتجت عنه أن الملف السوري تحول إلى ورقة تفاوضية لمشروع أكبر، مع تزايد معاناة الجانبين من الضغوط الاقتصادية، وحاجتهما إلى تعزيز الشراكة الثنائية بشكل يضمن استمرار اقتصاديهما.
وبالرغم من أن حاجة أردوغان الملحة لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين الأتراك، تحولت إلى نقطة ضعف كبيرة استغلها بوتين لدعم اقتصاده وجمع النقاط في ملفات أخرى. فقد يكون على بوتين تقديم بعض المرونة فيما يخص الملف السوري في حال أراد تعاون أردوغان معه بغية التهرب من العقوبات الغربية. يجعلنا ذلك لا نستبعد أن تسمح روسيا لأردوغان، قبل الانتخابات التركية في صيف العام المقبل، بتحقيق بعض المكاسب في سوريا، في حال تعثر الجانبان في تحقيق صفقة بين أنقرة ودمشق.
لا يزال موقف إيران غامضاً تجاه ما يمكن تقديمه للأتراك، وإن كانت هناك نية إيرانية للتعاون السياسي والأمني معها في سوريا. وقد تعاونت المخابرات الإيرانية والتركية مؤخراً لقتل زعيم بارز، إيراني المولد، في حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) في مدينة القامشلي السورية. وجاءت هذه العملية بعد لقاء أردوغان والقيادات الإيرانية، وأبرزهم خامنئي ورئيسي، بطهران في يوليو الفائت، وهي لقاءات ركزت على الملف السوري بشكل كبير، لا سيما ملف الأكراد الذي يعتبر نقطة التقاء قوية بين تركيا وإيران وسوريا.
تأمل إيران وروسيا في أن يدفع التقارب التركي السوري أنقرة لزيادة الضغط على الأمريكيين في سوريا، وهو أمر من شأنه أن يخدم طهران سواء من ناحية احتمال حدوث المزيد من الشرخ بين واشنطن وأنقرة أو من حيث احتمال أن تدفع الضغوط الأمريكيين إلى الانسحاب من سوريا، وهو ما قد يفتح المجال، من وجهة نظر الايرانيين، إلى التوغل أكثر في شمال شرق سوريا، حيث المنطقة الغنية بالزراعة والنفط، وساحة التجنيد المحتملة إلى جانب احتمال دعم استراتيجية التوسع وفك عقدة الممر من إيران إلى لبنان مروراً بسوريا. كما تأمل تركيا في أن أي تقارب لها مع دمشق قد يفتح الباب أمام صفقات في مناطق أخرى، مثل تقليل التوتر مع طهران شمال العراق، بعد تزايد ضغوط الأخيرة على الوجود العسكري التركي في هذه المنطقة.
بالنتيجة، تريد كل من روسيا وإيران تعزيز التقارب مع تركيا نتيجة الحرب السورية. وتحاولان حالياً إيجاد الصيغة التي تبقي على هذا التقارب في حالة اللاحرب، وهو مشهد يجب أن يضاف إليه الأسد ودمشق كفاعل رابع. وقد يحدث هذا ضمن مشهد تبقي فيه أنقرة سيطرتها على السنّة السوريين، وتسيطر فيه دمشق على الأماكن الحالية ومعها بعض مناطق الأكراد، في حين تبدأ روسيا وإيران بقطف ثمار استثمارهما الطويل في سوريا، دون أن تحل الملفات الأكثر تعقيداً مثل ملف إدلب، على الأقل على المديين القريب والمتوسط.




twitter icon threads icon 44