مقالات تحليلية

موجة حمراء لم تتحقق .. قراءة أولية في نتائج انتخابات التجديد النصفي

14-Nov-2022

حظيت الانتخابات الأميركية للتجديد النصفي بدرجة عالية من التنافس والأهمية، وهي عادة تجرى بعد عامين من انتخابات الرئاسة  وتشمل  أعضاء مجلس النواب وعددهم 435 وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وعددهم 35 من إجمالي 100 نائب،  إضافة إلى 36 حاكم ولاية من إجمالي 50 حاكماً بجانب بعض المناصب المحلية في الولايات.

تعتبر هذه الانتخابات مؤشراً لانتخابات الرئاسة بالنسبة للحزبين الديمقراطي والجمهوري التي تجري بعد عامين من هذه الانتخابات النصفية، وقد جاءت هذه الانتخابات هذا العام مثقلة  بملفات  داخلية كان على رأسها قضية الحق في الإجهاض والتضخم وارتفاع أسعار الطاقة.

كانت التوقعات تشير إلى تقدم الجمهوريين والحديث عن موجة حمراء إشارة إلى اللون الأحمر للحزب الجمهوري ، غير أن الديمقراطيين تمكنوا من تقليل الأضرار المتوقعة ، وحرموا الجمهوريين من عودة قوية لمجلس النواب ، وقد أضافت قيادة كل من الرئيس السابق دونالد ترامب ، والرئيس الحالي جو بايدن بمشاركتهم الفعالة قدراً كبيراً من الإثارة، خاصة بعد أن وعد الحزب الجمهوري باكتساح المقاعد  في المجلسين، وهو الأمر الذي كان مخيباً لهم ، بعد  أن جاءت نتيجة الانتخابات في مجلس النواب بأغلبية محدودة للجمهوريين، بينما احتفظ الديمقراطيون بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ ، وحسمت السناتور كاثرين ما ستو نتيجة مجلس الشيوخ لصالح الديمقراطيين في ولاية نيفادا في مواجهة المرشح الجمهوري بعد منافسة شرسة.

تعتبر هذه أفضل نتيجة للحزب الديمقراطي خلال عشرين عاما، من خلال خريطة الانتخابات سيطر الديمقراطيون على ولايات الغرب مثل واشنطن وكاليفورنيا وأوريغون، بجانب ولاية الشرق مثل نيويورك ونيوهامشير وبنسلفانيا ونيوجرسي، بينما تركزت أغلبية الجمهوريين في ولايات الغرب الأوسط والجنوب مثل فلوريدا وشمال وجنوب كاليفورنيا، غير أن الديمقراطيين فازوا في جورجيا في الجنوب.

إرث ترامب وتأثيره على نتيجة الانتخابات

تشير بعض التحليلات إلى أن هذه الانتخابات التي لم يحقق فيها الحزب الجمهوري تقدماً كبيراً، كانت استفتاء على إرث الرئيس دونالد ترامب وسياساته في قضايا الهجرة والإجهاض والموقف من العنصرية والمناخ، بعد أن سقط معظم المرشحين الذين ساندهم من الحزب الجمهوري ، ومن أكثر المؤشرات على ذلك سقوط هيرشل ووكر الذي خسر في ولاية جورجيا بسبب تأييد ترامب له، (بي بي سي،  10 نوفمبر، 2022).

لقد كان للقرار الذي صدر من المحكمة الفيدرالية في يونيو الماضي 2022، الذي الغت بموجبه حق المرأة في الإجهاض على المستوى الفيدرالي أثره لصالح الديمقراطيين الذين يدعون لحرية المرأة وحقها في الإجهاض، (إيكونوميست، 12 نوفمبر، 2022).

ويعتقد أن قرار الإجهاض له علاقة بتراجع تصويت النساء للحزب الجمهوري على أمل أن يحصل  الحزب الديمقراطي على الأصوات التي تمكنه من تمرير قانون الحق في  الإجهاض على المستوى الفيدرالي من داخل الكونجرس  . ولعل المدهش في هذه النتيجة أنه عادة ما لا يحصل حزب الرئيس الحالي على نتيجة كبيرة في الانتخابات النصفية ، ولكن جاءت النتائج  عكس ذلك بالنسبة للديمقراطيين على الرغم من ارتفاع درجة التضخم  وتدني شعبية الرئيس بايدن.

الدعوة لحماية الديمقراطية

لم يركز الديمقراطيون في حملتهم الانتخابية على قضايا الاقتصاد ، ونشطوا في  تحذير الناخبين من الخطر الذي قد يحيق بالديمقراطية في حال عودة ترامب إلى الرئاسة  ، والتذكير بقضية الهجوم على الكونجرس ، وكان لاقتحام  وكالة التحقيقات الفيدرالية  منزل الرئيس ترامب في ( مايوراغو) بولاية فلوريدا واتهامه بالاحتفاظ بملفات  سرية في منزله تأثيره على سير الانتخابات ، بجانب ما ينتظره من تحقيقات تتعلق بإدارته اثرا سالباً على حملة الجمهوريين الانتخابية، ومع ذلك يعتقد أن الأغلبية الضئيلة التي حصل عليها الجمهوريون في مجلس النواب يمكن أن تعرقل مساعي الرئيس بايدن والديمقراطيين في ملاحقة ترامب ومنعه من الترشح لانتخابات 2024، (دويتشه فيلا، 9 نوفمبر، 2022).

فرص الترشح لانتخابات 2024

أظهرت استطلاعات الرأي أن الإجهاض والتضخم كانتا من أبرز القضايا التي شغلت الناخبين الأميركيين ،ومن المؤكد أن التضخم الذي وصل إلى أكثر من 8% قد أضر بفرص الديمقراطيين خاصة في مجلس النواب ، ولكن مع ذلك يشير تقرير لصحيفة ( ذا هيل) إلى أن الرئيس بايدن  يعتبر من أكثر المنتصرين ، بعد أن  أظهرت النتائج أن أدائه كان أفضل من الرئيسيين الديمقراطيون كلينتون وأوباما ، فقد كان من المتوقع أن يخسر حزبه 35 إلى 30 مقعداً في مجلس النواب ويتحول الحزب إلى أقلية ، وإذا ما حدث ذلك كان سوف يشكل ضغطاً على ترشحه في عام 2024، ( ذا هيل، 11 نوفمبر 2022)، لكن ذلك لم يحدث وجاءت النتيجة متقاربة يعدد 204 للدمقراطيين مقابل  212 للجمهوريين قي مجلس النواب ، بينما لم تحسم نتيجة حوالي 20 دائرة بعد.

لقد زادت نتيجة الانتخابات من فرص الرئيس بايدن في الترشح لدورة ثانية في انتخابات 2024، بينما تضاءلت فرص ترامب خاصة بعد فوز رون ديسانتيس الذي أعيد انتخابه حاكماً لفلوريدا والذي من المتوقع أن يكون من أقوى المنافسين له  في الحملات التمهيدية لانتخابات 2024.

مناقشة وتحليل

جاءت انتخابات التجديد النصفي في ظل حالة انقسام حاد في المجتمع الأميركي بسبب قضايا مثل الإجهاض والحرب في أوكرانيا ، وجدل حول العديد من القضايا التي تتعلق بالاقتصاد والتضخم والهجرة والطاقة  والجريمة وانتشار السلاح وتزوير الانتخابات والهجوم الذي وقع على الكونجرس خلال فترة الرئيس ترامب بجانب تكرار اتهامات من قبل الجمهوريين بحدوث تزوير وهي تهم ظل الجمهوريين يروجون لها حتى في انتخابات نيفادا  التي حسمت الأغلبية لصالح الديمقراطيين  في مجلس الشيوخ.

كان الجمهوريون يعتقدون أن قضايا الاقتصاد الأميركي الذي تراجع خلال فترة الرئيس بايدن وارتفاع التضخم وانحسار شعبيته  سوف يؤثر على نتيجة الانتخابات ، لكن اتضح أن الناخبين كانوا أكثر اهتماما  بقضايا مثل الإجهاض والخوف من انتقاص حقوقهم الديمقراطية   في حالة فوز الجمهوريين والتي  كان لها الأولوية.

منحت الانتخابات الرئيس بايدن فرصة وأملا في الترشح لدورة ثانية على الرغم من الشكوك التي كانت تحيط بحالته الصحية وقدرته على تحمل دورة ثانية في ظل  استطلاعات الرأي السالبة حول أداء إدارته خلال السنتين الماضيتين ، ولكن بايدن سوف يواجه تحدياً جمهورياً في مجلس النواب بعد سيطرة الجمهوريين عليه  الذين سيعملون على احباط بعض أولويات الديمقراطيين مثل قوانين الإجهاض وتغيير المناخ  وتعطيل بعض الإجراءات القانونية حول التهم الموجهة لترامب.

بالنسبة للجمهوريين ربما يتردد الحزب في إعادة ترشيح ترامب بسبب الخسارة التي مني بها بعض المرشحين الذين ساندهم والذين يؤيدون قناعاته تجاه قضايا مثل موقفه من التنوع العرقي والحريات الشخصية والجنسية والتشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020 والتبرؤ من تشجيعه اقتحام الكونجرس في 6 يناير 2021. 

twitter icontwitter icon threads iconthreads icon 21