مقالات تحليلية

عام على حرب السودان.. خطابات محبطة وتصعيد من الطرفين

17-Apr-2024

مع مرور عام على انطلاق حرب السودان تعهّد مجتمعون في مؤتمر عقدته الرئاسة الفرنسية في باريس بتقديم مساعدات إنسانية تزيد على مليارَي يورو لدعم المدنيين، وهذه هي المرة الثانية التي تسخر فيها باريس جهازها الدبلوماسي من أجل مؤتمر لدعم السودان وتعزيز آماله في العودة إلى الاستقرار وإنهاء الحرب التي اندلعت قبل عام كامل، ولم تنجح الوساطات المتعددة في إطفائها حتى تاريخه. ولهذا الغرض استعانت فرنسا بألمانيا وبالاتحاد الأوروبي، من أجل تنظيم مؤتمر ثلاثي الأبعاد، سياسي وإنساني واجتماعي، بحيث دعت إليه عشرات الدول والمنظمات الدولية والإقليمية وممثلي المجتمع المدني السوداني، بعيداً عن الفريقين المتناحرين. 

لقد أكلمت حرب السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الأول،  وما زالت المخاوف من تحولها إلى حرب أهلية ماثلة ،  خاصة وتحدثت تقارير مختلفة عن انتهاكات لحقوق الإنسان واستخدام أدوات القانون لقمع الحركة المدنية، مما أثار مخاوف بمزيد من تدهور الوضع الإنساني والأمني في البلاد، وسط هذا السياق، ظهرت خطابات محبطة من القادة العسكريين الذي يمثلون طرفي النزاع مما يشير إلى تعقيدات تفاقم الأزمة وضرورة وقف التصعيد العسكري للبحث عن حل سلمي لها.

فقد شدد الفريق أول عبدالفتاح البرهان في كلمة بمناسبة عيد الفطر على المضي في درب الشهداء وأن الحرب التي وصفها "بمعركة الكرامة" لا تؤسس سوى لما بعد 15 ابريل، وأنه لا عودة لما قبل 15 ابريل 2023 ولا لما قبل 25 أكتوبر ولا عودة لما قبل 11 ابريل 2019م.

كما قال الفريق أول محمد حمدان دقلو في نفس المناسبة: "نبارك لكم الانتصارات العظيمة على الاعداء في جميع المحاور خاصه في ولاية الجزيرة وغرب سنار والفاو. رغم احتشاد الاعداء والمرتزقة خيارنا واحد النصر او النصر".

في المقابل عكس خطاب قدمه الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء الأسبق بمناسبة مرور عام على الحرب ، عمق الأزمة السودانية وتعقيداتها، وأظهر حمدوك إصراره على إيجاد حل سلمي للصراع وأهمية وقف الحرب ، ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسئوليته تجاه الوضع الإنساني الصعب في البلاد. 


البحث عن السلام وداعمي الحرب

على وقع الخطابات المحبطة عاد الحديث عن مفاوضات جدة، فقد افادت وزارة الخارجية الأميركية، بأنّ السعودية ستستضيف "خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة" مفاوضات جديدة لوضع حد للحرب. وكتب موفد الولايات المتحدة الخاص الى السودان توم بيرييلو على منصة "إكس": "في مواجهة الوضع الملح، نرحّب بقرار المملكة العربية السعودية استئناف مفاوضات جدة خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة". وأورد المتحدث أن ممثلي مصر والإمارات العربية المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (ايغاد)، "هم شركاء لتسهيل المفاوضات".

في المقابل تبرز دعوات من بعض الناشطين الداعمين للحرب للجوء إلى المحاكم الفورية الناجزة والميدانية للمتعاونين مع الدعم السريع. فقد كتب إسلامي متطرف في حسابه على فيسبوك: "شهدت بعض مناطق الجزيرة تطبيق مبادئ العدالة الناجزة حيث أقيمت محاكمات ميدانية للمتعاونين استخبارياً وعسكرياً مع الدعم السريع وتنفيذا فوريا للأحكام".  أثارت هذه الدعوات مخاوف حقوقية حول شرعية وفعالية هذه المحاكم، واتهمه ناشطون بمخالفة القانون لتحريضه على تنفيذ أحكام الإعدام الميداني. 


تحجيم الحركة المدنية

في هذا الظرف، يواجه المدنيون السودانيون تحديات جسام في التعايش مع ضغوطات الوضع العسكري والذي حول الحياة المدنية لجحيم بالانتهاكات التي تقع في حق الحريات العامة وحق التعبير عن رفض الحرب. ومع تحول الصراع ليشمل فئات مختلفة من المجتمع حيث تم تسليح مواطنين عبر ما أطلق عليه "المقاومة الشعبية" لتكون ضمن أدوات المواجهة مع الدعم السريع، حيث اتخذت الحكومات في مناطق سيطرة القوات المسلحة إجراءات تعسفية إزاء الناشطين وقوى ثورة ديسمبر ، كما تم حل لجان الحرية والخدمات في بعض الولايات، وشنت السلطات حملات اعتقالات واسعة ضد قيادات القوى السياسية.

وفيما يخص إصدار الأحكام الجزافية ضد الناشطين، آخرها الحكم على أحد شباب ثورة ديسمبر بالحكم المؤبد بمدينة القضارف حسب الخبر الذي أوردته وكالة السودان للأنباء على موقعها بالإنترنت في السابع من ابريل 2024، الذي جاء فيه: "أدانت محكمة جنايات شرق القضارف أحد المتهمين بمادة من القانون الجنائي السوداني متعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة، وأوقعت عليه عقوبة السجن المؤبد". المتهم نشر على صفحته بفيسبوك صوراً لمتمردي الدعم السريع مع رسالة مكتوبة يؤيدهم فيها ويتمنى لهم النصر على القوات المسلحة.

كما قالت الوكالة في ذات الخبر، إن المحكمة أدانت متهما آخر تحت ذات المادة المشار اليها آنفاً ، وأوقعت عليه عقوبة السجن عشر سنوات بعد أن ضبطت الاستخبارات العسكرية مراسلات بينه واصدقائه يبدي فيها تأييده للقوات المتمردة مع تمنياته بأن يدخلوا الى مدينة القضارف.

يقول مساعد الأمين العام لحزب الأمة القومي مزمل رابح لـراديو دبنقا الذي يبث من هولندا، بأن الانتهاكات بدأت في التصاعد منذ الخامس عشر من أبريل،  حيث تعرضت القوى المدنية والسياسية وقوى الثورة الحية خاصة الشباب في لجان الخدمات وغرف الطوارئ إلى مضايقات وقمع فظ شمل كل المدن والأرياف. قال أيضاً أن سلطة الأمر الواقع مارست الاعتقالات التعسفية في مواجهة الناشطين الشباب وقيادات الأحزاب، فضلاً عن مجموعات كبيرة أطلق سراحها بخلاف من شردوا عن قصد عبر التهديدات الشفهية المباشرة، والوضع الآن مختلف تماماً، خصوصاً في المناطق التي يتواجد فيها كوادر الإسلاميين.

علاوة على ذلك ، تداولت عدد من المصادر الإعلامية في الرابع من أبريل 2024م إصدار البرهان قراراً يقضي بعودة بعض صلاحيات جهاز الأمن والمخابرات الوطني التي تجيز له الاعتقال التحفظي والتفتيش والتحري. يعلق الخبير القانوني حاتم السنهوري في مقابلة مع (راديو دبنقا): “عودة جهاز الأمن بكل صلاحياته، تعني عودة سلطة إلقاء القبض والتحري والاعتقال لفترات تصل لستة أشهر ويمكن تجديدها .. وعودة الجهاز بصلاحياته التي كانت تمارسها سلطة الحركة الاسلامية توضح للعالم كله بأن السودان رجع للمربع الأول، لمربع القمع والانتهاك والإرهاب.


حمدوك و25 هاربون بأمر النيابة

فوق ذلك تم عمليا قطع الطريق أمام التفاهمات بين العسكريين والقوى المدنية ، فقد وجهت النيابة العامة السودانية اتهامات تصل عقوبتها الى الإعدام على حمدوك الذي ظل يعمل على انهاء الحرب في السودان بصفته رئيساً للهيئة القيادية لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقَدُّم). شملت البلاغات مع حمدوك خمسة عشر آخرين بينهم قيادات حزبية وصحفيين اتهموا بتقويض الدستور وإثارة الحرب ضد الدولة" وهي اتهامات تصل عقوبتها الى الاعدام.

ومنذ عدة أشهر يجري حمدوك اتصالات مع أطراف سودانية واقليمية من أجل وقف الحرب في السودان عبر التفاوض. وتوصل حمدوك ومجموعته في اطار هذه المساعي الى اتفاق مع دقلو على بدء مفاوضات لإنهاء النزاع الذي اندلع في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وأجبر الملايين على الفرار ودفع الدولة التي تعاني من الفقر إلى حافة المجاعة.


إطالة أمد الحرب

رجحت دراسة نشرها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في 13 يونيو 2023م بعنوان (الحرب في السودان: سيناريوهات قاتمة وتداعيات كارثية)، احتمال استمرار هذه الحرب لفترة زمنية طويلة، وقد تتحول إلى حرب أهلية شاملة في حال تمددت جغرافياً لتشمل ولايات أخرى، وانخرطت فيها قوى قبلية وعرقية وحركات مسلحة، وتدخلت فيها أطراف خارجية، إقليمية ودولية، حسب أجنداتها ومصالحها. 

وفق الدراسة،  سوف تعيد المعارك للأذهان إرث الحروب الداخلية في السودان، حيث استمرت لسنوات وربما لعقود. وسوف يكون لهذا السيناريو تداعياته الكارثية، ليس على الدولة والمجتمع في السودان فحسب، بل على الصعيد الإقليمي. فتفكك الدولة السودانية، وغياب السلطة المركزية، وعسكرة المجتمع، وتمدد الفاعلين المسلحين من غير الدول، كل ذلك وغيره سوف يلقي بتأثيراته على دول جوار السودان، لاسيما وأن معظمهما يعاني من أوضاع داخلية هشة.

كما توصل تقرير لمعهد السلام الأمريكي نشر في يناير الماضي،  إلى أن تطور ديناميكيات توسع الصراع زاد احتمالية امتداده إلى مناطق أخرى، بعد بلوغ استعداد المدنيين لحمل السلاح ذروته، مصحوباً بالتعبئة القبلية التي من شأنها أن تساهم في تصاعد الاستقطاب الاجتماعي والسياسي. ويرسم التقرير 4 سيناريوهات محتملة تواجه السودان، مقسمة إلى عالية الاحتمالية، وهي النموذج الليبي والحرب الأهلية، ومنخفضة الاحتمالية بانتهاج طرفي النزاع سياسة فاوض وحارب في الوقت نفسه.


twitter icon threads icon 8