مقالات تحليلية

اقتصادات الطاقة النووية: تفسير الانقسام الفرنسي الألماني

24-May-2024

تتميز الطاقة النووية بموثوقية أعلى من نظيرتها المتجددة مثل طاقة الرياح والشمس؛ إذ يمكنها توليد الكهرباء الخالية من الكربون على مدار اليوم، بغضّ النظر عن الطقس، وفق موقع طاقة. وجاء التركيز على الطاقة النووية في أوروبا بوصفها بديلاً للغاز الذي يعدّه كثيرون ضمن حلول إنتاج الكهرباء التي يمكن التحكم فيها، على عكس مصادر الطاقة المتجددة، إلّا أن الدراسات العلمية التي تتابعت في الأشهر الأخيرة قوّضت هذا الموقف؛ إذ أكد باحثون أنه لتحقيق الأهداف المتعلقة بخفض انبعاثات غازات الدفيئة، لن يتعين فقط خفض استهلاك الفحم والنفط بنسبة 99% و70% على التوالي بحلول عام 2050، بل سيتعين أيضاً خفض استهلاك الغاز بما لا يقلّ عن 84%!

ويشكل هذا الهدف الحل الوسط بين نسبة 45 في المائة التي تطالب بها المفوضية الأوروبية وأعضاء البرلمان الأوروبي، و40 بالمئة تريدها الدول، وهو يشكل أيضا زيادة واضحة في هدف الاتحاد الأوروبي الحالي لعام 2030 (32 في المائة). ويبسط النص ويسرع إجراءات الترخيص لمنشآت مصادر طاقات متجددة مع إنشاء مناطق مخصصة تتسم فيها التشريعات بليونة كبيرة.

ويخطط الاتحاد الأوروبي لجعل الطاقة المتجددة تمثل 49 في المائة من استهلاك المباني مع مسار تدريجي وملزم لجعل التدفئة والتبريد أكثر مراعاة للبيئة عبر أهداف وطنية محددة. في مجال النقل، سيكون على الدول بحلول 2030 إما خفض كثافة الغازات الدفيئة بنسبة 14.5 في المائة بفضل استخدام مصادر الطاقة المتجددة أو الوصول إلى ما لا يقل عن 29 في المائة من مصادر الطاقة المتجددة في الاستهلاك النهائي للطاقة في القطاع.

نقاش محرم

لقد كان النقاش حول الطاقة النووية من الأمور المحرمة فى بروكسل، ولكن في نهاية مارس 2024 تم عقد قمة دولية حضرها 30 من زعماء العالم، كانت بمثابة رسالة واضحة بشأن دور الطاقة النووية التي يراها عدد من الخبراء على أنها الحل الأمثل لمكافحة تغير المناخ. واجتمع 30 من زعماء ووفود العالم فى بروكسل للترويج للطاقة النووية، حيث إن الدور الذى تلعبه الطاقة النووية يستمر فى تقسيم أوروبا، وعلى الرغم من أن أوروبا لا تزال منقسمة بشأن نهجها فى التعامل مع تلك الطاقة، إلا أنه اجتمع زعماء العالم لحضور قمة الطاقة النووية الأولى على الإطلاق، حسبما قالت صحيفة لابانغودريا الإسبانية.

سلطت القمة الضوء على دور الطاقة النووية في التصدي لتحديات أمن الطاقة العالمية ودفع التنمية الاقتصادية وذلك استنادا إلى التوصيات التاريخية لمؤتمر الأطراف COP28 الذي استضافته الإمارات وأكد على أهمية التوسع في تنفيذ مشاريع الطاقة النظيفة تشمل الطاقة النووية في سبيل تحقيق الأهداف المناخية ،كما أيدت أكثر من 25 دولة الدعوة لمضاعفة استخدامات الطاقة النووية في العالم بثلاث مرّات بحلول العام 2050.

وفق يورونيوز اتفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والنواب الأوروبيون على زيادة حصة الطاقة المتجددة بمقدار الضعف تقريبا في مجموعة مصادرها للطاقة بحلول عام 2030 في ما يمثل شقا أساسيا في خطة المناخ الأوروبية الطموحة. ويكرس النص المعتمد الكتلة الحيوية "حرق الأخشاب لإنتاج الطاقة" كطاقة خضراء على الرغم من معارضة المنظمات البيئية غير الحكومية التي تشعر بالقلق من تأثير ذلك على الغابات، ويأخذ في الاعتبار دور الطاقة النووية في إنتاج الهيدروجين الخالي من الكربون، وهي قضية تسبب انقساما كبيرا بين الدول الـ27.

ويحدد الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد مناقشات نهائية استمرت حوالى 15 ساعة هدفًا ملزمًا تشكل فيه الطاقة المتجددة نسبة 42.5 في المائة من الاستهلاك الأوروبي بحلول 2030، أي نحو ضعف المستوى الحالي البالغ 22 في المائة تقريبا (19 في المائة في فرنسا). و اتفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والنواب الأوروبيون على زيادة حصة الطاقة المتجددة بمقدار الضعف تقريبا في مجموعة مصادرها للطاقة بحلول عام 2030 في ما يمثل شقا أساسيا في خطة المناخ الأوروبية الطموحة.

ويكرس النص المعتمد الكتلة الحيوية "حرق الأخشاب لإنتاج الطاقة" كطاقة خضراء على الرغم من معارضة المنظمات البيئية غير الحكومية التي تشعر بالقلق من تأثير ذلك على الغابات، ويأخذ في الاعتبار دور الطاقة النووية في إنتاج الهيدروجين الخالي من الكربون، وهي قضية تسبب انقساما كبيرا بين الدول الـ27.

خطة الاتحاد الأوروبي للطاقة

لقد وضعت خطة الاتحاد الأوروبي للطاقة (REPowerEU) التي بدأت في مايو 2022، الطاقة النووية في مقدمة إستراتيجياتها لتأمين الطاقة وتحقيق أهداف المناخ. وبينما تستمر فرنسا في الاستثمار في الطاقة النووية بدرجة كبيرة، ابتعدت ألمانيا عن هذا المسار. ووفق موفع "يورو ريبورتر"، هذه الخطة تهدف لتقليل الاعتماد بسرعة على الوقود الأحفوري الروسي وتسريع الانتقال الأخضر، وإستراتيجية الطاقة الخارجية للاتحاد الأوروبي المعتمدة ستسهل تنويع الطاقة وبناء شراكات طويلة الأمد مع الموردين، بما في ذلك التعاون في مجال الهيدروجين أو التقنيات الخضراء الأخرى. 

وتماشياً مع البوابة العالمية، تعطي الإستراتيجية الأولوية لالتزام الاتحاد الأوروبي الشامل بانتقال الطاقة الخضراء والعادلة، وزيادة توفير الطاقة وكفاءتها لتقليل الضغط على الأسعار، وتعزيز تطوير مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين، وتكثيف دبلوماسية الطاقة.

في 16 مايو 2024 نشر بيرو سنغاري مقالاً بموقع شبكة يورو نيوز جاء فيه: أن التوترات الجيوسياسية التي سببها الصراع الروسي الأوكراني أدت إلى إعادة تشكيل إستراتيجية الطاقة الأوروبية، حيث تصل كلفة خطة الاتحاد الأوروبي إلى 300 بليون يورو، وهي تهدف إلى تقليص الاعتماد على الطاقة الأحفورية الروسية بحلول عام 2027، وفي قلب هذه الإستراتيجية التحول إلى اقتصاد قليل الكربون مع توفير الطاقة.


الطاقة النووية في مقدمة الأهداف


هذه الإستراتيجية تضع الطاقة النووية في مقدمة أهدافها وتأمين الطاقة مع مراعاة قضية الأهداف المناخية، خاصة أن الطاقة الخالية من الهيدروجين والتي تستخرج من الطاقة النووية يتوقع أن تؤدي دوراً كبيراً كبديل للغاز الطبيعي.

تستخدم 14 دولة من دول الاتحاد الأوروبي الطاقة النووية، ويعادل ذلك 25% من حاجة أوروبا و50% من احتياجاتها من الكهرباء، وفي كوب28 بدبي، التزمت باريس وواشنطن بزيادة الاعتماد على الطاقة النووية بثلاثة أضعاف، وذلك بحلول عام 2050، حيث ينظر إلى هذا الالتزام كقضية محورية لتحقيق طاقة خالية من الانبعاث الكربوني.

لقد ظلت فرنسا منذ وقت طويل تدافع عن قضية الطاقة النووية، وهي تعتمد عليها بنسبة 65-70%، وهذا يضع باريس في مقدمة الدول المنتجة للطاقة النووية عالمياً، ولكنه يُظهر أيضاً التزامها الإستراتيجي كركيزة لسياستها الوطنية في الطاقة.

تقوم فرنسا الآن بتشغيل 56 مفاعلاً تنتج 61.370 ميجاوات، وتنوي بناء 6 مفاعلات بحلول عام 2050، يبدأ بناؤها مع عام 2028 وتنتهي في 2035. وتسهم الطاقة النووية في الاقتصاد الفرنسي، وتوفر 457،200 وظيفة (180،100 وظيفة مباشرة و277،100 وظيفة غير مباشرة). وفي مفارقة واضحة، تبنت برلين موقفاً حذراً من الطاقة النووية، إذ يصل إنتاجها منها إلى 2% من مجمل إنتاج الكهرباء في ألمانيا، ولديها 3 مفاعلات تنتج فقط 4055 ميغاوات. 

الإستراتيجية الألمانية تستند على عدم تعاطف قوي مع قضية الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما عام 2011، وقد التزمت ألمانيا بالتخلص من الطاقة النووية والتركيز على الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والرياح.  مع ذلك فإن إنتاج الطاقة عالية الكربون غير النظيفة، يشكل 27% من إنتاج ألمانيا الكهربائي، رغم الدور المحدود للطاقة النووية في ألمانيا، فإن هذا القطاع يوفر حوالي (29،400 وظيفة مباشرة و106،900 وظيفة غير مباشرة).


الإستراتيجيات المتناقضة لفرنسا وألمانيا


المواقف المتعارضة بين كل من فرنسا وألمانيا لا تعكس فقط خلافات سياسية وشعبية تجاه قضية الطاقة النووية، بل تعبر عن تباينات اقتصادية وبيئية، فاستثمارات فرنسا في الطاقة النووية تسهم في إنتاج طاقة خالية من الكربون وتعمل على تأمين أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية، بينما تعتمد ألمانيا رؤية تستند على استدامة مستقبلية للطاقة، رغم أنها تواجه عقبات تتعلق بدرجة حيادية الكربون.

إن اعتراف الاتحاد الأوروبي بدور الطاقة النووية في خطته يؤكد أهمية وجود مزيج متوازن ومتنوع من الطاقة. وتوفر الطاقة النووية، بانخفاض انبعاثاتها من الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي (مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة المائية)، مساراً قابلاً للتطبيق للحد من البصمة الكربونية في أوروبا.

يقول إيف ديسبازيل، المدير العام لأوروبا النووية: "في العام الماضي 2023، حدد التحالف النووي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هدفاً طموحاً يتمثل في امتلاك 150 غيغاوات من القدرات النووية في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2050. وأعقب ذلك إعلان في كوب-28 دعا إلى مضاعفة القدرة النووية ثلاث مرات على مستوى العالم".

توضح الإستراتيجيات المتناقضة لفرنسا وألمانيا النقاش الأوسع حول مستقبل الطاقة النووية. في حين تستفيد فرنسا من الطاقة النووية لتعزيز أمن الطاقة والنمو الاقتصادي، يسعى نهج ألمانيا الذي يركز على الطاقة المتجددة إلى التغلب على تحديات مشهد ما بعد الطاقة النووية.

إن تحقيق التوازن بين هذه الأساليب يشكل عاملاً أساسياً في مستقبل الطاقة في أوروبا، وضمان الاستدامة والأمن. في الختام، بينما تسعى أوروبا جاهدة لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة والأهداف المناخية، لا يمكن التغاضي عن الفوائد الاقتصادية والإستراتيجية للطاقة النووية.

ويدل اعتراف الاتحاد الأوروبي بدور الطاقة النووية في خطته على تبني سياسة متوازنة بين إنتاج الطاقة النووية الخالية من الكربون وانبعاث الغازات والطاقة المنتجة من الرياح والتوليد المائي، أو طريق آخر لتقليل الكربون في أوروبا.

في الخلاصة بينما تحاول أوروبا تحقيق الاستقلال في إستراتيجية الطاقة النووية وأهداف المناخ، فإن الفوائد من الطاقة النووية لا يمكن تجاهلها. والخلاف بين فرنسا وألمانيا يعبر فقط عن الحوار العريض حول مستقبل الطاقة النووية، وبينما لدى فرنسا فرص لتوليد الطاقة النووية وتحقيق النمو الاقتصادي، تحاول الإستراتيجية الألمانية مواجهة تحديات ما بعد العصر النووي. لذلك فإن تحقيق التوازن بين الإستراتيجيتين هو مفتاح مستقبل الطاقة النووية في أوروبا. 


twitter icon threads icon 15